أَغُورَا عربية تسمى جعفر توك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أَغُورَا عربية تسمى جعفر توك

  نشر في 01 غشت 2019 .

كانت بلاد اليونان القديمة مزدهرة للغاية، ويُجمع الكثير من الباحثين عن أسباب قيام الحضارة اليونانية، إلى تلك الحوارات التي أقيمت بين زوايا أسواقها وشوارعها، إذ كانت الأفكار تلتقي في التجمعات السكانية لليونانيين، وتفترق عند حوارات أبناء أثينا، سواء من المخلصين الأحرار منهم، أو الوافدين؛ ومن هناك، قامت الثورة اليونانية الفكرية الكبرى، لتحمل إلى أروبا بأسرها، ومن خلفها العالَم كلِّه جذوة الحضارة، من علم وفلسفة ومعرفة، بل إنَّ بعض الفلاسفة اليونانيين، لم تكفهم بلاد الإغريق طولا وعرضا، فراح يحاور المصريين وسكان شمال أفريقيا، طلبا لزيادة العلم والتمكِّن من الأفكار.

الواقع اليوناني المنفتح هذا، جعل سقراط يناقش السوفسطائيين بحرارة، جعل أفلاطون يقدم على كتابات محاوراته الشهيرة ودفع أرسطو إلى رصد المقبول من غير المقبول من الأفكار عبر ميزان المنطق، لتخطوا البشرية في تلك الحقبة خطوات عملاقة في صميم البحث والتقصي المعرفي.

تشيخ الحضارة اليونانية، وتبلغ قمَّتها مع تغيير كبير، مع أثينا واسبرطة وبحر ايجه وتساليا، لينتقل المركز إلى روما، حيث تحوَّلت حضارة اليونان إلى امبراطورية الرومان، وتحوَّلت الأفكار التي ولدت بين معابد دلفي وأبولو، إلى هياكل تنظيمية رهيبة، لعلّ مبنى مجلس الشيوخ الروماني من جهة، وقلعة المحاربين "الكولوزيوم" من جهة ثانية أبرز الشواهد المادية على تجسيد الأفكار من علوم وفنون، لتنطلق الامبراطورية الرومانية لتجسيد عالميتها، جاعلة من مشارق الأرض ومغاربها هدفا لحلم سيطرتها، تحت شعار" باكس رومانا"، وفعلا لقد استطاعت تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة رومانية بامتياز.

بعد انهيار روما على يد الجرمان، ينتقل المركز إلى بلاد المسلمين، وتخرج الأفكار من حلقات الذكر والعلم، من المساجد إلى التجسيد، لتنطلق الجيوش حاملة السيوف ومعززة بالعلوم في كافة الاتجاهات، لعلَّ مباني قرطبة والحمراء، لا تزال شاهدة حتى اليوم على نتائج كفالة العلم للقوة، والحِلم للشجاعة، وكيف أنَّ تحويل بيت الحكمة إلى التطبيق عبر أمانة الرجال وعظمة القادة، قد أقام حضارة إسلامية توصَف بأنها: أينما تسقط الأمطار، يأتي خراجها إلى حاكم بغداد والرقَّة.

كل الانجازات البشرية هي وليدة نَقلَة، تلك الجسر الذي يربط الصورة العقلية بالواقع الملموس، وتلك الصورة لا تتكوَّن سوى عبر الحوار، والحوار عينه لا يكون سوى بالرأي والرأي المخالف والمختلف، إذ يقول المتنبي "شاعر العربية الأزلي": "الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ, هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني".

عندما غاب الحوار عن أرض العرب، زالت ريحهم، وصاروا في دركات العالَم أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام.

من هذه النقطة تحديدا، انطلق شاب عربي من العاصمة برلين، محاولا جمع العرب على فكرة الحوار من جديد، على طريقة شوارع أثينا، وعلى شكل مجلس الشيوخ الروماني، وعلى صيغة حلقات العلم والذكر في مساجد الخلافة الإسلامية، إنَّه السيِّد جعفر عبد الكريم، في برنامجه: "جعفر توك".

ما يُحسب لهذا الشاب شجاعته، ولن أسقط في مدح ما يقوم به، رغم إعجابي الرهيب واحترامي الكبير لمجهوداته الهادفة إلى ترقية التواصل بين العرب أنفسهم، متحمِّلا الكثير في سبيل ذلك، لهذا شكرا جزيلا أخي جعفر، والله ولي التوفيق.

لكن على السيّد جعفر أن يدرك النقاط التالية:

- بناء حوار عربي في مواضيع حساسة، قد يجلب الكثير من العواصف من بعض المتشددين، لأنَّ أساس الحوار هو التعاطي بليونة، وهذا ما قد يفتقده الكثير من الحضور، وقد يتطوَّر لا قدَّر الله إلى عنف على المباشر، لذلك يا سيِّدي احذر ممن تحاورهم.

- التهم الجاهزة كالزندقة، التخوين وحتى التشهير بالباطل، ستطال شخصك، برنامجك والقناة التي تعمل فيها بلا شك، لأنَّ البيئة العربية التي تتعامل معها تستقي جلَّ معلوماتها من هذه المواضيع التي تعتبرها مثيرة للغاية، وجذابة للجماهير، التي تعتبرها بدورها "فضائح"، حتى ولو كانت كذبا وبهتانا.

- البعض ودعنا نقول "كوني متخصص في الفلسفة وعلم الاجتماع لمدة تزيد عن عقد من الزمن"، معظم من سيأتي للحوار إلى محطتكم من العرب، سيتَّخذ موقف المحارب لا المحاور، وهو موقف سيكولوجي يدفعه إلى عدم احترام المحاورين المختلفين عنه في الرأي، لأنه نفسيا لا يعتبرهم كذلك، وإنما هو يصنفهم في خانة الأعداء.

أحييك سيّد جعفر على انطلاق "جعفر توك"، كنتُ من متابعي حلقات شباب توك سابقا، وأعتقد أن لديك القدرة على إدارة حوارات في مواضيع كهذه، والعالَم العربي بحاجة لمثل هذه البرامج، لكن عليك أن تصبر على الأذى العربي سواء من بعض محاوريك، أو بعض المتعصبين لبعض الأفكار، وشكرا جزيلا. 



   نشر في 01 غشت 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا