كحل وحبهان – عمر طاهر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كحل وحبهان – عمر طاهر

تشرَّب عمر طاهر إخلاص الطبقة المتوسطة لأيامها وذكرياتها

  نشر في 09 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 12 نونبر 2021 .

أثبت عمر طاهر في روايته كحل وحبهان الصادرة عن دار الكرمة بالعام 2019م في 179 صفحة أنه ابن الطبقة المتوسطة المصرية، لم يسمع عنها من أحد، ولم يتعرَّف عليها من بطون الكتب، بل عاش أدق تفاصيلها، وترعرع على معتقداتها وأفكارها، وعلى آلياتها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية.

يعود عمر طاهر في كحل وحبهان إلى جيل فريد من نوعه، تفرده يرتكز على معاصرته الكثير من القضايا والأحداث والتحورات المحلية والعالمية، فيكفينا مثالًا معاصرته الزحف الرقمي والقفزات التكنولوجية التي رسمت مفاهيم جديدة للحياة البشرية.

جيل الثمانيات، بكل تفاصيله اليومية والعائلية، وحتى الدراسية. "سيسكو" (أو عبدالله) و"سحر" و"حمادة"، الأب "إبراهيم" (الصارم) والأم "ابتسام" (بمطبخها وعشقها للإذاعة)، الجدة "كوكب" (نبع الحكمة) والخال الوالد. "صافية" التي رأينها شابة وزوجة وأم، لكن استطعنا تمييز تاريخ ميلادها، وبيئة تنشئتها أيضًا، كلهم شخصيات عاصرها مواليد هذا العقد من الزمان، بملامحهم وبُنيتهم النفسية، اهتماماتهم وشغفهم، طريقتهم في المواساة والمصالحة والضيافة.

"سيسكو" بطل الحدوتة تناولته فصول الرواية طالبًا صغيرًا وزوجًا عاشقًا. خُدعنا في البداية، حيث تصورنا أن الرواية تدور كلها في خمسة أيام فقط، وهي الأيام التي يُفترض أن يراقب فيها "سيسكو" سلوكه وتصرفاته كي ينال الجائزة الكبرى، حضور حفل المطرب "محمد منير". واختيار "منير" تحديدًا تكثيف لكل ما يجتمع عليه جيل الثمانينات قبولًا، لأنه عند أبناء هذا السن خيَّال على فرس أبيض بحافر ذهب.

لكن أحداث الأيام الخمسة هذه لم تكن سوى جزءً من حياة، فقد نقلنا عمر طاهر بحرفية ومهارة وسلاسة إلى "عبدالله" الصيدلي العازب والموظف، ثم العاشق المُحب، فالمدير المتزوج من "صافية" والمُعيل لتوأم "روح" و"ريحان" منتظرًا مولوده الثالث. لتتكشف ببساطة مطلقة كم التحولات الفكرية والنفسية بين الطفولة والفتوة، التحولات التي برزت جلية في الاعتراف بقبول صرامة الأب، وهي ذات الصرامة والجدية التي كانت محل رفض قاطع من "سيسكو".

"ولد أبي بداخلي من جديد بعد أن وصلت "روح" و"ريحان"، وجدت تفسيرًا لجملته القديمة الغامضة: "لما تكبر وتبقى أب هتعرف". تفهمت كبيرًا أسرار غضبه، ووجدت لكل مرة انفعل عليَّ فيها "بدل السبب" مائة. وقعت في غرام الأستاذية التي كان يمارسها عليّ صغيرًا، وكانت تصيبني بالضجر...".

رُسمت على يد عمر طاهر تفاصيل "سيسكو" وسماته الشخصية وتكوينه العقلي ببراعة مطلقة، براعة تدفعنا إلى التأكيد على أنه فعلًا أُنموذج لكل من التحق بمدارس الثمانينات، وبدأ يُخالط الحياة عبرها.

وإن كان بيان وتقييم براعة الكاتب في رسم معالم الشخصية المحورية للرواية أساسيًا عند المراجعة أو العرض، إلا أنه لا يستقيم مع كاتب موهوب وجاد مثل عمر طاهر، هذه حقيقة لا نخشاها، ولا تطعن في حياد التقييم أبدًا، الدليل على ذلك أولوية النظر إلى براعة أخرى من نوعية جديدة، فريدة، نظن لم يسبقه إليها أحد في كامل تاريخ الرواية المصرية الحديثة.

البراعة الفريدة هذه، اعتماده أكلات وأطعمة عادية جدًا، تذوقتها – ولا زالت - كل عائلات الطبقة المتوسطة مرارًا وتكرارًا، اعتمدها ريشة فنان ترسم بورتريهات بشر ووجوه إنسانية، واعتمدها أدوات بحث علمية تقيس منحنيات صعود وهبوط بالعلاقات الاجتماعية والتحولات المجتمعية، ومن تقييم درجة قبولها واستساغتها أحصى التغيرات النفسية والتبدلات البنيوية لتكوين الشخصية، جاء ذلك بشكل مُحكم الدقة، مُحكم الصياغة.

من أصناف المأكولات ومكوناتها، ومن اختلافات المظاهر والمذاقات والروائح بينها؛ رسم عمر طاهر جميع ما مرت به هذه الطبقة من بهجات وصدمات، كل ما أثر فيها وأثرت فيه، رسم بالطعام سمات وعلاقات ومشاعر.

الطعام هنا لم يكن عنصرًا ثانويًا، ولا مجرد ملمح هامشي في تفاصيل حياة الأبطال، على العكس تمامًا من ذلك، هو أصلًا أصيلًا في التكوين البنائي للرواية. اسمعه يقول: "الفاكهة التي أعود بها من السوق لا ضامن لها، وهي غدارة مثل اختيارات الواحد العاطفية".

من عدم ثانوية الطعام أيضًا؛ تحوله إلى نافذة يُطَّل منها على أعماق الشخصيات، وعلاقتهم ببعضهم البعض، أو لنقل بوابات نفاذ إلى قلوبهم.

أضف إلى ذلك العديد من العبر والدروس التربوية الضمنية التي ساقها عمر طاهر على لسان الأبطال، لاسيما الأب و"صافية" الزوجة، إما عبر الحديث عن الأكل، أو بالحديث على مائدة الأكل، وجميعها دروسًا كانت تُوليها الطبقة المتوسطة أهمية كبرى، وتسعى جاهدة لغرسها في الأبناء.

الإبهار لم يقف عند حدود السرد البديع، والربط بين طعام ما والحالة الشعورية للشخصيات، بل تعدى ذلك إلى إدارة آلة القيم المنسية، القيم التي ظلت راسخة بمجتمع الطبقة الوسطى المصرية حتى وقت قريب، القيم التي تبدلت وبهتت بفعل إزاحة الطبقة عن موقعها الاجتماعي، إزاحتها لأعلى أو لأسفل.

"عندما سمعته (يقصد الأب) يتحدث مرة عن "العيش والملح"، سألته عن سر اختيار هذين العنصرين للتعبير عن الإخلاص، قال إنهما أساسيان ولا خلاف عليهما، ولا يمكن لأي شخص على الكوكب أن يستغني عنهما، العيش بلونه الأسمر وبياض الملح، لونان يلخصان تجربة الحياة، يوم غامق ويوم فاتح. قال لي إنه ميثاق غليظ، ومقياس الرجولة الأول، وحكى لي يوم أَسَر أحد الخلفاء عددًا من جنود الأعداء وأمر بقتلهم، فطلب منه أحدهم ألا يقتلهم وهم جوعى وعطشى، فأمر لهم بالطعام والماء، وبعد أن أكلوا وشربوا، قالوا له لقد أصبح بيننا عهد وميثاق، فعفا عنهم".

تشرَّب عمر طاهر إخلاص الطبقة المتوسطة لأيامها وذكرياتها، وأخرج لنا معزوفته كحل وحبهان ليؤكد على بقاء ذلك الإخلاص، وإن توارى أو انزوى بفعل الحداثة والتغريب، وحتى إن اختل مزاج الطبقة المتوسطة أو تركت مكانها نهائيًا؛ فحقيقةً بعدما كبر أبناء هذا الجيل، لا زالوا مُخلصين للأبجديات، ولا زالوا يُصرّون على غرسها في صغارهم شكلًا ومضمونًا.

"الأطفال الذين تلقوا أجنحة الدجاجة كهدايا جانبية كبروا وأصبحوا أهل كرم، والفتيات اللواتي مُررت إليهن الرقبة كبرن وفتحن بيوتًا دافئة، والمراهق الذي التقط من غطاء الحلة المقلوب الكبد والقوانص المسلوقة كبر وأصبح هو آخر من يخلد للنوم في البيت بعد إغلاق الترباس وتشغيل اللمبة السهاري، والذين أفرطوا في خلط الملوخية والأرز كبروا وأصبحوا فاكهة اللمة، والشخص الذي نجح ألا يفلت قوام الملوخية من لقمة ودن القطة كبر وأصبح شخصًا يعتمد عليه، والرومانسيون هم الذين استطعموا صغارًا قرقوشة مفصل فخذ الدجاجة، والأسر الطيبة هي التي استيقظت بعد هذه الأكلة مخدرة الأعصاب على صوت واحد منهم يتغير كل مرة يقف في الصالة، بينما رنين حركة الملعقة بين حواف الأكواب الزجاجية يحرك المشاعر وهو يصيح: الشاي".


  • 1

   نشر في 09 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 12 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا