الثلج أثلج صدورنا.. لكن.. غابت ثقافة الثلج. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الثلج أثلج صدورنا.. لكن.. غابت ثقافة الثلج.

تبييض ثقافتنا بب

  نشر في 13 يناير 2015 .

      تنزلت رحمات الباري سبحانه على أرجاء صقعنا الحبيب؛ ماء مطر صيّب نافع، وثلج طهور ثجّاج أثلج الصدور، وأسعد القلوب، وقرّت له العيون، انتفع به أناسيّ الخلق وبُهْمِهِمْ وحجرهم ومَدَرِهِمْ وجمادهم ونباتهم.

أمطار خير وثلوج بركة تلك التي شهدها مؤخرا القسم الشمالي من بلدنا العزيز، سيما كميات الثلوج المعتبرة التي تهاطلت في الأيام الماضية على تلك المناطق ولمدة تُقارب الأسبوعين، في مشهد تراجعت معه الذاكرة إلى أيام خلت؛ كان فيها الشتاء في ولايات الشمال الجزائري عنوان البياض الناصع الذي تصنعه مشاهد الثلج.

ومع ما صنعه الثلج من مشاهد الجمال الطبيعي وصور الإبداع الإلهي، فقد أصاب قوما آخرين بمصائب البلاء والعناء، فحقّ عليهم حينئذ أن يسألوا الربّ سبحانه أن يخفّف عنهم من شدّة بلائه، ووطأة ما حلّ بهم من جهد العناء ودرك الشقاء، وأن يسألوه خفيّ لطفه، وجميل رحمته، بأن يجعل عناءهم وشقاءهم حَوَلَيْهِمْ لا عليهم.

لكن تستوقفنا مشاهد الثلج الرائعة وقد أخذت بألبابنا، فتدفعنا في محاولة للبحث من خلال جمالها البهي عن جميل ثقافة التعامل مع جمال الطبيعة النقي، بدلا من العبث في صفائه ونقائه، بقبيح ما يقوم به بعضنا من فعال شائنة وسلوكيات سلبية.

إن الثلج نعمة من أنعم الله تعالى السابغة الجليلة التي لا تخفى على أحد؛ فجمال منظره يبعث على راحة القلب، وبياض لونه يُسكن اضطراب النفس، بل وقساوة برده تذكّرنا بألم من يتألّم واحتياج كل محتاج، وفضلا عن ذلك كله فإن الثلج حياة للأرض؛ فبه تكتسب زخرفها، وتتلفّع ثوب خصبها، فتزهوا وينبت زرعها، فيكون طعمة لطاعم الإنس ذوي الفهم، وكلأً للحيوان العجم البهم.

لكن المؤسف كل المؤسف أن تغيب عن الكثير من الناس ثقافة التعامل مع نقاء هذا الجمال الطبيعي، فيعبث به من ليس عنده في الجمال ذوق، ومن ليس له في النقاء تعلّق، فيتحول الجمال إلى قبح، ونتمنى حينئذ لو أن هذا الجمال لم يقدم علينا فتقرّ له العين وترقص له النفس.

من المعيب حقا أن يعمد بعض شببتنا ( شبابنا ) إلى الثلج فيصيّرونه مطيّة لإذاية الناس، ويتخذونه وسيلة لإلحاق الأذى بالآخرين دونما حق أو أدنى جريرة، فقط من باب الأذى، ولمجرد الأذى، وبهدف الأذى، وإن زعموا بطرًا أنهم يفعلون ذلك باسم المزاح والترويح عن النفس، وإمتاعها بهذا العبث الثقيل، والأذى الأليم.

من المؤسف أن ترى مشهد شباب لا يُعطون للطريق حقّه، ولا يتوانون عن أذية من يطرق طريقهم، أو يسلك سبيلهم، مشهد مقزّز لشباب سوقة رعاع – أعتذر عن هذا التعبير – وهم يعاكسون الفتيات ليس فقط بقبيح الكلام الذي يُلقونه على عواهنه دونما خجل أو حياء، بل ويُتبعونهم زمن الثلج الزاهي، بقذائف مؤلمة من كرات الثلج القاسي، لا يهمهم إن أصابوا منهم ألما أو مقتلا حتى.

إن هذا المشهد غير التربوي وغير الحضاري يتكرر أبدا ودائما في كل موسم تتساقط فيه حبيبات الثلج الممتع، حتى تمنى من تمنى أن لا يهطل الثلج مرّة أخرى؛ طالما أن ثقافة الثلج قد غابت من القاموس الأخلاقي لهؤلاء العابثين العاطلين، الذين اتّخذوا من إلحاق الأذى بالآخرين مطيّة لعبثهم ولهوهم الباطل.

من ناحية أخرى وليس ببعيد عن جمالية الثلج التي– للأسف – لم تُسعد البعض؛ فحاولوا عبثا أن يتخذوها مطية لكن لبلوغ مأرب آخر ومن نوع آخر، أراد بعضهم أن يعبث بأمن واستقرار بلدنا الآمن بفضل الله تعالى، ثم بفضل رعاية الأوفياء والأوفياء فقط من أبنائه الصناديد؛ الذين صدقوا فيما عاهدوا به ربهم سبحانه من إخلاص لوطنهم الجزائر الحبيبة.

لقد حاول هؤلاء بسذاجتهم الاحترافية أن يَصِمُوا الدوائر الرسمية في الجزائر بالتقصير، سيما بعدما خلّفه التهاطل الشديد للثلج من مآس؛ كان من أخطرها وأشدها إيلاما حالات الوفيات التي سُجّلت خاصة في المناطق الجبلية، فتشبثوا بما حدث، وحاولوا أن يؤكّدوا بأسئلتهم الاستفزازية المبطّنة أن السلطات الوطنية المعنية قد فشلت في احتواء مشكل إمداد من عزلتهم الثلوج بحاجتهم وكفايتهم من الغذاء والغاز، ما تسبب في وقوع حالات وفاة.

دعوني قبل أن أواصل سرد ما بدأت أذكّر إخواني القرّاء بأهمية التزام أخلاقيات العمل الإعلامي التي تستلزم إجمالا أمرين مهمين:

الأمر الأول: الصدق في نقل المعلومة من مظانّها الحقيقية، والاجتهاد في استقائها من مصادرها الموثوقة.

والأمر الثاني: الصدق أيضا لكن هذه المرة في نشر المعلومة، وبثها بكل موضوعية وأمانة في أوساط جمهور المتلقّين.

لكن ما نشاهده منذ فترة قليلة قريبة يدفعنا للقول حقا لا التقول عبثا بأن أخلاقيات العمل الإعلامي تململت وتهلهلت لما سُيِّست، وصارت أسيرة الخط السياسي لا الإعلامي الذي فرضته عليها أجندات سياسية مفضوحة إن داخليا وإن خارجيا، لا يهم بعد ذلك أن تكون الوسيلة الإعلامية صاحبة الخبر المبطّن غير الأخلاقي وسيلة إعلامية مغمورة أو مشهورة.

وعلى حدّ قول أحد الغيورين – أسوقه بمعناه –: " لا يُعقل أن نتخذ من مآسي الثلج سببا للطعن في شرف الشرفاء ووفاء الأوفياء، فإن ما سببه من حصار للمداشر، وعزل للقرى، وقطع للطرقات ليس سببا وجيها لاتهام الدولة بالتقصير وإثبات مسؤوليتها عما حصل؛ فقد يحصل ذلك في أكبر دول العالم المشهود لها بالرقي والتقدم ".

طبعا هذا كله فضلا على أن ما سُجّل من وفيات كان أكثره بسبب حوادث الاصطدام المهلكة والانزلاق المميتة، وأن التذبذب في توزيع المؤونة والمِيرَة أعاقته كميات الثلج الكبيرة، مع صعوبة المسالك والطرقات خصوصا الجبلية منها.

هذا وأتمنى أن ينجلي صقيع الثلج عن ربيع دافئ؛ ينعم في العباد والبلاد في أمن وأمان وسلامة وسلام، بعيدا عن غوغاء العابثين، واستهتار النوكى والحمقى الحاقدين، ممن يحاولون عبثا النيل من أمننا واستقرارنا.

لا يمكن أن يكون صفاء الثلج الناصع البياض سببا لفتح باب شر عظيم على أمتنا، لا ينغلق من الفتن والقلاقل التي نلنا من ألمها ووجعها حظا وافرا لا نرجو تكراره لا اليوم ولا غدا.

وعلى كل، لنكن كالثلج في صفائه ونقائه؛ فلا نُبطن إلا صدقا ولا ننطق إلا حقا، ولنكن كالثلج في صلابته؛ فنصبر ونصابر ونرابط لنتجاوز كل عقبة كؤود تعترض سبيل طموحنا، ولنكن كالثلج في قساوته، فنُذيق نفوسنا الراقصة في هواها مرارة العلقم لتَلِينَ وتسكن، ونَخْشَوْشِنَ لزمن تزول فيه النعم التي لا تدوم.

ودمتم سالمين.

كتبه: عبد المنعم نعيمي.

أستاذ بكلية الحقوق والعلوم السياسية- باتنة سابقا

أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1

naimi.abdelmounaime@gmail.com


  • 2

   نشر في 13 يناير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا