الفرق بيننا و بينهم : الوقت كالسيف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفرق بيننا و بينهم : الوقت كالسيف

  نشر في 21 مارس 2018 .



صباحُ الجمال معشر من لم تمت قلوبهم بعدُ .. و سلام من الله و قناعة ..


أما بعد ُ ، فأغمض عينيك ، و قل من أعماق أعماقك : الحمدُ لله على ابتلائه ، أن خلقك في مجرة العربان ، و اعلم أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ، و ابتلاؤك .. أن جعلك بقلب حي في مجرة مليئة بالأموات ، تحاول كل يوم أن تتأقلم مع محيط لا يشبهك ، حتى إذا خلدت إلى نفسك مساء ، علمت فيما بينك و بينها أنك تعيد الكرة ككل يوم ، و تحاول التعايش مع محيط لا يمت إليك بصلة !


دعني أسرد عليك بعضا من بعضك ، و سترى في الأخير أني أعرفك حتى و لو لم أرك من قبلُ ...


حينما وعيت الدنيا ، وجدت نفسك شخصا يقدس الفطرة ، شخص يجد صعوبة في مداراة تبرمه إذا داهمتهُ أشياء لا تتماشى مع مبادئه ، لا يعرف للنفاق سبيلا ، أنت شخص يحس بغربة في مجتمع مليئ بالتشوهات ، يعتبر أن احترام الشخص لنفسه ، من احترامه لمبادئه ، لا يحمل وجوها في حقيبة يده يركبها بحسب المواقف التي تقابله على مدار اليوم ، شخص لا يداهن مقابل مبادئه ، شخص بكل بساطة يحاول تطبيق دينه الذي به يعتقد ، و يحترم وقته و ساعاتُ يومه .. نعم أنا أعرفك .. لأنني بكل بساطة ، أعيش ما تعيش كل يوم و أحاول التعايش فلا أجد لذلك سبيلا


...


أهلا بك في مجرة العربان البائسة ، حيث الوقت مجرد رقم على هامش مستنقع .. ههنا ، لا مكان لاحترام شيء ثمين اسمه الوقت ، هنا ، المواعيد تكون بالتراضي بين أشخاص يقدرون راحتهم الشخصية على حساب تقدير المواعيد ، يجوز هنا أن تسأل شخصا ما عن الساعة المحددة التي يمكن أن يلتقيه فيها ، فينظر إليك باستغراب و يقول لك أنك مريض بشيء اسمه الوقت ، و يقول لك بكل بساطة : يا سيدي خليها على الله ، أو في أحسن الأحوال يقول لك : سنتقابل بعد صلاة العصر مثلا !


في مجرة العربان المتخلفة ، يجوز أن تنتظر زائرا طيلة اليوم ، و يأتيك آخره ، لمجرد أنه لا يستطيع ترتيب يومه ، و يفضل راحته المرضية على أن يحدد زمانا و ميعادا معينا يأتي فيه إليك ، و المشكلة الكبرى أن مصلحته هو تكون معك ، أي أنك تكون مكلفا بقضاء حوائجه !


في مجرة العربان المتخلفة ،أن يتصل بك أحد في منتصف الليل ، و يسألك في سماجة : هل أزعجك ؟ ألم تنم بعد ؟ يحدث أن تذهب إلى مصلحة عمومية ، فتجد أغلب موظفيها في غير أماكن عملهم بحجة أو غير حجة ، و عليك أنت أن تنتظر إلى أن يأتي الموظف ، و يا ويلك لو أبديت انزعاجا أو احتجاجا ، لأنك ستسمع من الكلام الجارح و التبرم ما سيجعل يومك أسودا بدايته و باقيه !


و لا أعلم صراحة كيف لأناس يعيشون في مثل هذه الأجواء ، و يرضونها سلسبيلا لحياتهم ، كيف يقدرون على جعل اللانظام أيقونة لمجتمعاتهم ، و يعيشون في سلام نفسي هكذا بدون انزعاج ، ربما لأني أنتمي إلى تلك الفئة الشاذة التي تعتبر احترام المواعيد احتراما للنفس و للآخرين ، الذين يأخذون مواعيدهم قبل موعدها بأسابيع ، الذين يحضرون إلى مواعيدهم ، خمس دقائق قبلها ، و يذهبون إلى حال سبيلهم بعده بخمس دقائق إذا لم يحضر المواعد ، الذين يجعلون من أنفسهم ، أجندات متحركة ، و يحترمون مواعيد الإستئذان التي ألح على فرضها الإسلام ، و أصر على عدم تجاوزها من أجل مجتمع فاضل سليم .


و إني أذكر ، أني و حينما حططت الرحال في مجرة الجرمان السعيدة ، في سن العشرين ، كُنت شخصا مبرمجا ، أحترم الوقت إلى حد التقديس ، رغم أني عشت لمدة 19 سنة كاملة في مجتمع مريض ، فوجدتني في عالم فريد ، اندمجتُ فيه كما تذوب قطعة السكر في كوب ماء ...


المجتمع الألماني مجتمع صارم جدا فيما يخص احترام الوقت و المواعيد ، فعشتُ هناك أجمل سنين حياتي .. و يكفي أن أسرد عليك قصة قصيرة حدثت معي هناك لتعلم درجة الصرامة التي يطبقها الألمان في معاملاتهم .


كُنت طالبا في الجامعة ، و كانت عطلة الصيف ، فرصة للطلاب من أجل البحث عن فرص عمل يتقوون بها على مصاريف الدراسة و المعيشة هناك ... اشتريت صحيفة المدينة المتخصصة في إعلانات الوظائف ، و اتصلتُ برقم احد الإعلانات و كانت وظيفة مكلف بصندوق الأداء في أحد المحلات التجارية الكبرى ..


*هالو .. اسمي جيكوب ، و أود الحصول على موعد من أجل المقابلة للحصول على وظيفة مكلف بالصندوق ..


*حسنا ، هل أنت طالب في الجامعة ؟


*نعم سيدتي بالظبط ، أنا أتمم دراستي بجامعة المدينة


*حسنا يسعدنا استقبالك ، فالوظيفة ليست طويلة الأمد ، فقط من أجل سد فراغ السيد مارتن الذي أجرى عملية جراجية في انتظار تعافيه


*حسنا سيدتي شكرا جزيلا


*حسن ، سأعطيك موعدا ، غدا في الساعة الواحدة و سبع و ثلاثين دقيقة .. العنوان مدرج بالإعلان ، و حينما تحضر اسأل عن السيدة بيترا أرجوك !


*حسنا سيدتي اتفقنا إلى الغد !


*إلى اللقاء


في اليوم الموالي ، و كعادة الكثير من الطلاب هناك اقتنيت دراجتي الهوائية ، لأن الألمان بالمناسبة يحترمون سائقي الدراجات الهوائية ، و القانون هناك يطبق عقوبات زجرية على كل من لا يحترم أصحابها ، تصل حد الحرمان من رخصة القيادة .. كان مكتب الشركة في الربع الجنوبي من المدينة ، خرجتُ من منزلي على الساعة الواحدة زوالا ، و وصلتُ إلى مركز الشركة على الساعة الواحدة زوالا و ثلاثين دقيقة ، أسعتُ و أتممت إقفال دراجتي بقفل في أماكن مخصصة لذلك ، و صعدتُ إلى المكتب ، الذي يبعد عن المكان مسافة خمسين مترا  طرقتُ الباب على الساعة الواحدة و أربعين دقيقة فُتح لي فكان الحوار التالي :


*أهلا سيدتي ، أنا على موعد مع السيدة بيترا


*هلا ذكرتني باسمك من فضلك ؟


*اسمي جاكوب مهدي ...


*أوه نعم ، لقد أعطتك السيدة بيترا موعدا على الساعة الواحدة و سبع و ثلاثين دقيقة ، أنت متأخر لثلاث دقائق .. معذرة منك سيدي ، أنا مجبرة على إعطائك موعدا آخر يوم غد .. إذا كانت الوظيفة لا تزال شاغرة .


*حسن شكرا لك ! هلا أعطيتني وعدا آخر غدا ؟


*غدا صباحا على الساعة العاشرة صباحا هل هذا يناسبك ؟


*نعم لا ضير ، و غدا سأكون قبل الموعد بخمس دقائق تجنبا لأي تأخير ، قال ضاحكا ..


*حسنا ، سيكون ذلك أفضل !


لم أتعجب مما حدث ، فقد كنت و لا زلتُ متطرفا في مسألة المواعيد و احترامها ، بل و زاد فخري أنني أنتمي ظرفيا كنت لتلك البلاد المسماة ألمانيا ، التي تنتمي لمجرة تحترم نفسها ، و تجعل من إتقان عملها عنوانا لمكانتها في العالم ، و طابعا لجودة منتوجاتها ..

و الآن و بعد مرور أكثر من عشر سنوات على دخولي إلى مجرة العربان المتخلفة مرة أخرى ، و بعد عشر سنوات قضيتها هناك ، لا يزال قلبي يجتث من جذوره لهفة و شوقا كلما تذكرتُ سنين حياتي هناك ، كيف أن كل شيء مرتبا كان ، و جميلا ، و محترما ، كيف أن الحياة هناك على برودة مناخها ، و شح عواطف أهلها في التعامل ، كانت كما اللؤلؤ المنضود ، ضمن قانون لا يستثني أحدا ، يكمله احترام تام للوقت ، كأساس للنجاح و الرقي . كان الإنسان في هذا البلد يبني الإنسان ، و كانت الأخلاق هي العنوان و الإمضاء الذي به خُتم على دستور التعامل بين المواطنين ! كان الكل يعلم ، أن الرحمة أجمل ما في الإنسان ، و أنهم يتشاركون في جل الأماني ، و هي السعادة ، و يعلمون ان السعادة لا يمكن أن تكون في بلد بدون تظافر جهود الكل ، كان الكل يرقى بالكل ، و كانت المبادئ تعتز بالمبادئ ، و كانت القيم التي تجمع بين أفراد هذا المجتمع ، تتمثل في عدل يبسط هيمنته على كل فرد من أفراد الدولة مهما كان منصبه ، و دون انتقاص من قدره ! كان هذا العدل الذي يسيطر على المجتمع ، يقيم حياة مليئة بالطمأنينة و الرضى ، بين كل فرد هناك …




طيب الله أوقاتكم !




مهدي يعقوب  





  • 9

  • يعقوب مهدي
    اشتغل في مجال نُظم المعلومات .. و اعشق التصوير و الكتابة
   نشر في 21 مارس 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 8 شهر
ذكرتني باحد اقاربي وهو منزعج ويقول ،لماذا تمشون ببطئ في الشوارع؟،و آخر لا يستطيع قيادة سيارته في طرقنا،حالنا تبكي فعلا ، تطرقت فعلا الى موضوع مهم وهو اهدار الوقت في العالم العربي ،نشكرك،دام قلمك سيدي ،تحياتي.
1
Ahmed Tolba منذ 8 شهر
شخص يحس بغربة في مجتمع مليئ بالتشوهات
صدقت وأضف لذلك من يحب النظافه والنظام يراه من لا يحترمهما شخص مريض فى حاجه إلى علاج!!!
0
Heba Al-Sanawy منذ 9 شهر
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا