البراءَةُ وَ الاتّهامُ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

البراءَةُ وَ الاتّهامُ

صفاء الرؤية من صفاء البحث

  نشر في 04 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2018 .

من البديهي و الجلي لمن له أدنى نصيب من الإدراك و الفهم أننا لا نُحاسَب على الغباء و لا نؤجر على الذكاء لأنها أشياء لسنا مسؤولون عنها على غرار القبح و الجمال و اللون و القامة مثلا. و الغباء الإنساني ليس معناه الغياب الكلي للذكاء بل يعني نقصَه فقط مثلما أن البرودة ما هي في الحقيقة إلا نقص الحرارة و الماهرون في مجال التبريد يعلمون جيدا أن مبدأ التبريد الأولي و الأساسي هو استخراج الحرارة من الحار من أجل تبريده لأن الحرارة طاقة متحولة و متنقلة و البرودة ليست طاقة بل تعني غيابها أو نقصانها إذ تُمثل الجانب السلبي لها تماما مثلما يمثل الغباء الجانب السلبي للذكاء بنقصانه أو غيابه غير أنه عند الإنسان لا يغيب كلية إلا في حالات معلومة مثل الغيبوبة و الجنون و فقد الحياة و ما شابه ذلك.

يتضح مما سبق أنه لا يحق لنا أن نلوم إنسانا و لا غيره من الأجناس العاقلة على الغباء الذي صاحبه غير مسؤول عنه و ليس هو الذي أراده واختاره و يقتضي عدل الإله ألا يحاسبه عليه مثلما يحاسبه على النوايا و الأعمال خيرا كانت أو شرا و بصفة متناهية الدقة خارجة عن نطاق عقولنا و قدرتنا و إدراكنا نحن بني الإنسان.

إن المتحرِّي للحق من أجل الحق و اتباع الحق واضعا نصب عينه معرفة الحق فقط، ذكيا كان أو غبيا، بدون اعتبارات و نوايا أخرى لابد أن تتضح له الأمور في النهاية على حقيقتها و يسعد و يلتذ بذلك و لكن المدعي العقلانية و المنطق في التحليل و التمييز و الاستدلال و هو في حقيقته يهدف إلى شيء آخر مثل الغلبة من أجل الغلبة أو محاولة النيل من اعتقاد أو دين يبغضه قلبه لسبب أو لآخر و كل ما شابه ذلك مما لا يتسع المجال لذكره.... فمثل هذا الشخص يبعد نفسه بتصرفه ذاك عن العثور على الحقيقة المجردة و حتى حقيقة نفسه كمن يخشى أن يصطدم بها و لا يريدها في الواقع الصرف لأن كل اعتبار آخر غير استهداف العثور على الحقيقة المجردة تعميه و تضله أكثر فأكثر و من العجيب أنه من سنة الإله في خلقه أن يصل الكاذب على نفسه إلى درجة الإقتناع و تصديق نفسه أنه في طريق الرشاد و الهداية.

فمثلا يدعي أحد الملحدين المسيحية كمنطلق لانتقاد الإسلام و المسلمين بأي شكل كان و بكل ما يتاح له من أساليب المراوغة و التدليس فإنني أحلف أن هذا الشخص ليس مسيحي و لا نصراني في حقيقته ناهيك أن يكون من الذين ينتقد دينهم فهذا يبدو بعيدا عن الحق -و إن لم يكن محالا- و لا محال عند الإله. و أحلف ثانية أن هذا الشخص أضاف إلى أعراض الغباء (التي أعذره فيها لما قلت سابقا) سوء النوايا و النفاق الظاهر البيّن لِذِي الخبرة المتفرس. و ما لا يخفى يقينا على الخالق المطلع على خبايا النفس و الذي يعلم السر و أخفى من السر و هو بكل شيء عليم، لا يمكن لأي كان من مخلوقاته مهما بلغت عظمته و قوته و ذكاؤه أن يخدعه أو يغلّطه فكيف بالغبي الضعيف الذي تُعْرضُ عليه باستمرار رحمة الإله الواسعة فيرفضها من أجل رغبات دنيوية تافهة و مشبوهة و يتشبث بالضلال بدل الهدى بصفة مثيرة للشفقة و محزنة و مؤسفة؟.

■ إن الأديان السماوية كلها و العرفية و الوضعية البحتة و الإيديولوجيات و المذاهب السياسية كلها لكي تكون كاملة لا بد أن تحتوي على العناصر التالية:

1- العقائد أو القناعات أو الاعتقادات الإيمانية بالنسبة لذات الأصل السماوي و العقلية أو الفلسفية لذات الأصل الوضعي.

2- الطقوس أو العبادات أو الشعائر و الأعياد و الاحتفالات و الرموز.

3- تحديد و توضيح المبادئ الأخلاقية و العرفية و الاجتماعية و الإنسانية في الديانة و في هذه تشترك معظم الديانات و تتشابه مثل تحريم السرقة و الإعتداء و الظلم و التمييز العنصري و العرقي و الجنسي و الكذب، و الخيانة، إلخ..

4- تقنين السياسة و الاقتصاد و القضاء و المجتمع و الأعراف و المعاملات المالية و المواريث و العقود و المؤسسات و الأسر و التنظيمات و التقسيمات الإدارية.

5- تقنين العلاقات مع مختلف الدول الخارجية و انشاء منهج تسير عليه في ذلك.

6- تنظيم و تقنين الجهاز الأمني الداخلي و من يسمون رجال الأمن الذين هم عادة مؤسسة حكومية و تعمل مع الجهاز القضائي على مكافحة الجرائم بكل أنواعها لوجود أناس جبناء في المجتمعات لا يزعهم وازع الضمير و لا الايمان و لا المبادئ الأخلاقية عن ارتكاب الجرائم و يردهم الخوف من القانون و العقاب و قد جاء في الحكمة العربية أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالإيمان.

7- تكوين و إنشاء الجيوش و تنظيمها و تقنين الدفاع و الحروب في حالة الحرب و السلم و لا توجد أمة حضارية و لا دولة في العالم ليس لها جيش و قوانين للحرب و أخلاقيات لها.

فالعجب كل العجب أن يأتي شخص يدعي الحكمة و الذكاء و التنوّر العقلي مثل الدكتورة وفاء سلطان فتتساءل كيف قتل محمد مئات الرجال من يهود بني قريضة بما فيهم رؤساؤهم و سبى النساء والأطفال و أخذ غنائمهم. و أغفلت عن قصد أو عن جهل (ويبدو أنه عنهما معا) أنه كانت بينه و بينهم معاهدة سلم فنقضوا العهد و خانوا و انضموا إلى الأحزاب التي حاصرت المسلمين في المدينة في معركة الخندق فعاملهم بذلك بعد أن حكَّمَ فيهم محاكمة قضائية أحد مواليهم سعد بن معاذ الذي طبق عليهم شريعتهم هم و ليست شريعة الإسلام التي هي أرفق و أرحم و لا يستحقونها لخيانتهم العظمى للمعاهدة بينهم و بين المسلمين حين هاجموهم مع الأعداء في أضعف و أحوج حال المسلمين إلى احترام المعاهدة، و في أخطر أوقات المحنة التي لولا خيانتهم لاستفادوا من المعاهدة هم أيضا استفادة عظيمة لكنهم خانوا و هاجموا مع باقي الجيوش المتحالفة ظنا منهم أنها نهاية محمد و أتباعه فنالوا ما نالوا إضافة إلى خيبة ظنّهم. و كان المفروض أن ينضم بني قريضة إلى المدافعين المسلمين حسب ما تنص عليه بنود المعاهدة لكن الرغبة في الخيانة أمرتهم أن يفعلوا العكس مما أدى إلى حتفهم و هي حماقة أخلاقية سياسية مصيرية كبرى. ثم إنهم لو حاربوا محمد دون تلك المعاهدة -التي نقضوها خيانةً- لتُركوا و شأنهم و عوملوا كباقي الأعداء حسب ما تقتضيه القوانين الشرعية و آراء و قرارات أولي الأمر. كان كل ذلك حسب ما أملته الشريعة و الأوضاع و ظروف الحرب و ملابساتها.

لكن الدكتورة كأنها لا تعلم أن دولة الإسلام الفتية في ذلك الوقت كانت كأي دولة لها أخلاقيات و قوانين حربية و دفاعية و تعاني الهجومات و كانت في حالة حرب و لم تذكر سوى القتل و السبي و تناست -المسكينة المثيرة للاشمئزاز و الشفقة معا- خيانة بني قريضة للمعاهدة وابتدائهم بالهجوم ثم تحكيم شريعتهم اليهودية عليهم من طرف سعد بن معاذ و ليس محمد هو الذي أصدر الحكم. و كبار السياسيين و العلماء و الفلاسفة و المؤرخين لا يشيرون إلى هذا الجانب من الشرائع بالنقد لفقههم و علمهم بها اللهم إلاّ في بعض الحالات التي يحدث فيها ما يسمى جرائم الحرب فذاك شيء آخر.

وقس على هذا كل الاتهامات التي يتهم بها الرعيل الأول للإسلام لأسباب و أهداف و أغراض شتى و مما زاد الطين بلة التخلف الذي يعانيه اليوم العرب و المسلمون و تأويل البعض الغير الصحيح للنصوص و مخالفتهم الكبيرة للشريعة الإسلامية بالتخبط في الأوهام و الضلالات و التفسيرات الفاسدة و التشبث بالأفكار البالية التي لا تناسب العصر و إحداث ما تأباه الفطرة الإسلامية و تنكره بشدة و سبق الجهال إلى الميادين بدعم و عون و توجيهات تآمرية من الأدمغة و الأيد الخفية المتخفية ذات الأغراض الشريرة المشبوهة و الاعتداء على الأبرياء دون قيود و لا تمحيص و لا تعقل و لا تمييز لأنه فيما يبدو و للأسف الشديد الجهل و الغباء هما المسيطران و الخلط و اللبس هما القائدان و النفاق و الكبر هما الرائدان و الظلم و التعسف هما السائدان. كثير من المسلمين اليوم ليسوا مسلمين إلا بالإسم و الإسلام الصحيح الصافي منهم بريء ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) قرآن159:06 

سعيد يوم: 2018.06.04

بريد: jobmail2000@gmail.com



   نشر في 04 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا