ليتنا كنا مامدو!! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ليتنا كنا مامدو!!

ليتنا كنا مامدو!!

  نشر في 01 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 يونيو 2018 .

ليتنا كنا مامدو!!

هيام فؤاد ضمرة


ليتنا كنا مامدو لنفوز فوزاً عظيماً عند رب كريم، ونربح تكريما يقدمه لنا رئيس دولة بحجم فرنسا، وما مامدو إلا ذلك السبايدرمان الإفريقي من جمهورية مالي البطل المنقذ للطفل الفرنسي الذي كان مشرفاً على السقوط والموت المأساوي، ليتنا كنا هو أو حتى مثله وكانت لنا فطرته السليمة وقوته العجيبة واندفاعه البطولي الذي ما جاء استعراضا وإنما لدافعية ذاتية نقية من أي شوائب، وجد نفسه ضمن الحدث والصورة مستعداً للتضحية وفعل المعجزة، موقف عظيم وضع مامدو في مصاف الأبطال.. شخصية مميزة لن تغيب أبدا عن الأذهان على مدى زمن غير قصير، والفيديو المصور لعمليته البطولية يدفعنا لمشاهدته المرة تلو الأخرى دون ملل والدهشة تعقد ألسنتنا، إذ من أين واتته كل هذه القوة وهذا الثبات في الاندفاع ليتسلق عمارة من عدة طوابق بكل بساطة ولياقة وخفة وبسرعة قياسية مذهلة ليصل حافة شرفة الطابق قبل الأخير حيث تعلق الطفل وجاره القريب يفشل بالوصول إليه وإنقاذه رغم قربه، ولولا مبادرة مامدو لكانت حصلت فاجعة مأساوية للطفل وأهله.

فشكرا كثيراً لفرنسا احترامها لانسانية الانسان وتقديرها الموقف البطولي الفريد ومنح مامدو الإقامة والجنسية والوظيفة المناسبة لكفائتِهِ الجبارة، وشكرا لمامدو نفسه الذي نسي أمر دخوله فرنسا بالطريقة غير الشرعية وإمكانية تعرضه للتسفير واندفع دون تردد وبقوة جبارة متسلقا طوابق عمارة شاهقة عبر الشرفات طابق في إثر طابق وبدا أمام العيان وكأنه يصعد سلم عمارة بكل بساطة وخفة دون افتعال قوة أو اهتزاز أو تردد، حتى وصوله الطابق الذي تعلق فيه الطفل الفرنسي ليرفعه بيد واحدة ويضعه في مساحة الأمان وقد بدا لنا وكأنما يرفع ريشة من مكانها.. وشكرا لله أولا وأخيراً وقد أرسل مامدو للتواجد بالمكان الصحيح في تلك اللحظة وألهمه الله روح الاندفاع لفعل ما فعل في خلال زمن قياسي وإنقاذ الطفل قبل أن تضعف يديه في حمله مدة أطول.

يا رب الرحمة ما أروع هذه البطولة النادرة وما أسمى فطرة هذا الشاب البطل الأسطوري الحقيقي بكل ما بالمصطلحين من تناقض، لا أظن شركات السينما ستترك هذا المشهد يمر مر الكرام مجرد خبر يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الأخبار، فهذا الشاب من المؤكد سيكون في وقت قريب متصدرا لصور الاعلانات والأعمال البطولية الخارقة في السينما هذا ما عودتنا عليه سينما هوليود وعبقرية مخرجيها

ما فعله مامدو في دقائق قليلة بل ربما ثواني لإنقاذ طفل معلق على شرفة بيته في غياب أسرته أذهل العالم، وأعاد إلى الأذهان الشخصيات الاسطورية التي تقوم بالأعمال الجبارة بكل بساطة ومرونة وكأنها تحرك قطعة أثاث صغيرة من مكان إلى مكان

يا لهذه النفسية الايجابية النقية الرائعة التي حملها مامدو، ويا لفطرته السليمة التي أهلته للموقف العظيم دون حساب المخاطر، شأن تلقائي لا يحتاج لتفكير، كل ما في الأمر أن يحمل بنفسه الاندفاع لفعل الإنقاذ، كل ما أراده الموقف في تلك اللحظة توفر بشخص مامدو في لحظات خاطفة، ولم يدخل ذهنه ساعتها غير وجود حالة انسانية معلقة على حافة شرفة في الطابق السابع تكاد تتحول لكارثة مخيفة، هكذا هي المواقف التي تختبر البطولات في المواقف والأزمات، فالمنقذ يتجرد من كل شيء ولا يبقى في ذهنه غير قدرته على فعل شيء ينقذ الموقف، فيتقدم مضحياً بنفسه وحياته من أجل أناس لا يعرفهم، يكفي أن يكونوا بشرا تنتفض بهم حياة وأحاسيس وتحيطهم هالة الأنفاس الإنسانية.

حالة بطولية فريدة في فرنسا جوزيت بالحصول على الجنسية، فما بالكم لمن يمارس حياة كاملة بكل مواقع خدماتها ومبادراتها الايجابية في بلاد العرب فيطالب بدفع جزية إقامة عنه وعن كل فرد من أسرته، ويضيق عليه العيش بغلاء المساكن وتخفيض الأجور ثم يطالبونه بعد انقضاء عشرات السنين من إقامته وعمله بإنهاء إقامة الأبناء عند سن معينة، ليضطر إلى ترك العمل والبحث عن دولة أخرى تمنحه فرصة العمل والاقامة، دولة أجنبية تمارس الرحمة الإنسانية ولا تفتت العائلة الواحدة إكراما لإنسانية الإنسان وإكراماً للترابط الأسري فيما دولة عربية تتنكر لكل تضحيات الوافد وسرعان ما تلقي به خارج الحدود دون أن تردهم المواقف الإنسانية.

ألا ترون معي أننا في بلاد العرب أحوج ما نكون إلى القلوب الرحيمة وتفعيل الانسانية التي قامت عليه مبادئ قيم الدين الاسلامي في كتاب الله وسنة نبيه العظيم، ألا ترون أننا نستبق الأحكام ونحن نمارس عنصريتنا وأنانيتنا تجاه كل ما هو أجنبي عربي، فلو أنّ الحادثة حدثت في دولة عربية ولتكن خليجية مثلاً؛ كونها ملاذا للعمالة الخارجية، لتم القبض على مامدو بعد انتهاء الأزمة وجره إلى السجن تمهيداً لتسفيره إلى بلده دون مناقشة ولا تبرير وخلال أربع وعشرين ساعة فقط كون دخوله غير شرعي، دونما تمكينه من تخليص أموره المالية والتجارية إن وجدت والمسارعة بتسفيره دون الالتفات لوضعه الانساني..

وأذكر حادثة لأسرة نعرفها جيداً، فقد تم ضبط صاحب محلات تجارية عربي مقيم في دولة خليجية شقيقة وهو يقود سيارته دون رخصة سواقة لأنهم يضيقون هناك على الأجنبي العربي مسألة الحصول على رخصة السواقة ويضعون أمامهم العراقيل من كل نوع، فكان العقاب الذي تعرض له ايداعه السجن ومن ثم التسفير من السجن مباشرة إلى بلده الأصلي، ومرت زوجته في ظروف عصيبة واجبرت على بيع محلات زوجها التجارية بخسارة كبيرة وبيع ممتلكاتهم من أثاث وأجهزة كهربائية وسيارة ببخس التراب، وترك الأبناء لمدارسهم والخروج من البلد بحقيبة متاعهم الشخصي فقط خلال مدة قصيرة حددتها لهم الجهات المسؤولة لم تفي بحاجتهم، وضاع أثر عشرين عاما من وجود ذلك الشخص في ذلك البلد وهو يفيد ويستفيد ويشارك في بناء حضارة البلد المضيف ليخرجوه بالنهاية كأي مجرم سفيه.

حادثة مامدو والطريقة التي تصرف فيها رئيس دولة فرنسا لم تكن عادية ولم تكن بعيدة عن صلب الاسلام لكنها بعيدة عن فهم المسلمين لتحكم الأنانية بهم والتعامل بعنصرية بالغة، ويذكرني هذا الكلام بالشيخ محمد عبده رحمه الله حين زار فرنسا فقال قولته الشهيرة: دخلت بلاد غير المسلمين فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين وعدت إلى بلاد الشرق فوجدت مسلمين ولم أجد إسلاما ، معادلة مؤلمة ليست تفي حق الدين وتأثيره الايجابي على أهل الملة، وبغض النظر إن كان صاحب المقولة قد فاته أن في الغرب يصنعون شخصية الإنسان أولاً ويبثون فيه قيم الوطنية ويحملونه مبادئ العمل الجاد والالتزام بالقانون ولهذا هو يبدو كما يجب أن يكون عليه المسلمون، لكن الحقيقة التي لا يجب أن نغفلها أنّ الغرب للأسف بعيدين عن أخلاق الفضيلة وإن حملوا الأخلاق في كثير سواها..

وأينما تواجدت العدالة والإنسانية والرحمة تواجد الانتماء والتضحيات والإلتزام بالمبادئ الناصعة، فالتضحية عمل بطولي تطوعي نابع من أعماق الإنسان دون تدخل ثانوي للعقل في سبيل هدف سامي وإنساني، فيندفع المضحي بهمة وعزم للقيام بالتضحية بكل جوارحه ولا يطلب مقابل ذلك ثمناً لأنه يقوم بتصرفه هذا مدفوعاً بعفويته التلقائية المتجاوبة مع الموقف، إنما المسؤولين في العادة يتبينون فاعلية تضحيته فيكافئونه على عمله من باب تعميم هذه الخاصية النبيلة في الناس

والتضحية تحتاج لشجاعة غير عادية ولقيم أصيلة ونبيلة ثابتة في العقل الواعي واللا واعي فلا يستقيم فعل نبيل إلا بوجود مبادئ وقيم سامية وعالية تدفع المضحي للقيام بمهمة التضحية لإنقاذ أرواح إنسانية..

ففي وقت مضى كرم جلالة المفغور له الملك الحسين شاباً أنقذ طفلين من الغرق المحقق في سيل جارف معرضا نفسه للخطر.. وأنقذت امرأة مسلمة طفلة استرالية كانت عالقة على قضبان القطار في احدى المحطات بضواحي العاصمة الاسترالية سدني.. وخاطر متعهد سوري يعيش في أمريكا بحياته على مدى ستة أيام في قارب صغير لينقذ عشرات المحاصرين بالمياة في أعقاب إعصار كاترينا في ولاية نيو أورليانز عام 2005م، والمثير في الأمر أن نفس هذا الشخص وإسمه عبد الرحمن زيتون كانت اعتقلته السلطات الأمريكية مدة ثلاثة أسابيع بتهمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة في عهد بوش وتم إطلاق سراحه بكفالة قيمتها 75ألف دولار، وحفزت قصة هذا المنقذ العظيم الكاتب الأمريكي ديف إيدجير لتأليف كتاب يروي فيه قصته عام 2009م .. وقام المهاجر الإفريقي المسلم لاسانا بائيلي البالغ من العمر 24عاما باقتياد 15 رهينة بينهم طفلين للاختباء داخل ثلاجة مأكولات بإحدى متاجر العاصة الفرنسية حين دخل مسلح مهووس وفتح النار على الزبائن وقتل عددا من الموجودين

وهناك الكثير من حالات البطولة من شأنها أن تقول أنّ أهل المبادئ والقيم الناصعة دوماً فاعلون في مواقف التضحية لإنقاذ المتعرضون للمخاطر وما مامدو إلا واحد بطل يضاف إلى قائمة الركب المؤمن.


  • 5

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 01 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 19 يونيو 2018 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 1 شهر
مقال رائع أستاذة هيام .
رغم العنصرية في الدول الغربية إلا أننا في المقابل نجد أمثلة على الرحمة و الإنسانية مما يجعل الأمر متزناً إلى حد ما . أما في الدول العربية للأسف نجد العنصرية مسيطرة حتى بين أبناء الوطن الواحد .
أدعو الله أن يلطف بنا و نتخلص من تلك العنصرية البغيضة .
دام قلمك .
2
hiyam damra
تتفاوت السلبيات والايجابيات بين عادات وقيم أهل الدول المختلفة لكن ما هو متوقع أن يتشارك كل الناس على اختلاف جنسياتهم بالقيم الانسانية البحته وهذا ما هو منتظر، ونتألم أن تغيب هذه القيم بمن دينهم يحثهم على مثل هذه القيم ولا يفعلوا بها بحجة المواقف السياسية والمصالح الذاتية.. أهلا بك أستاذ عمرو يسري
في الصميم حقا ...
شاملة كاملة .. و ليس لي الا ان اضيف ..
دام نبض قلمك ..موفقة ..
1
hiyam damra منذ 1 شهر
كم أنا سعيدة سيدتي بهذه المداخلة الرائعة حول موضوع القيم الأصيلة التي تستقى من التربية الدينية السليمة وكم أثرها جميل على النفس بأن تأتمر بالحسنى والخير والثقافة الانسانية .. الدين في المفهوم الشرعي هو الأخلاق العليا وقد وصف نبينا العظيم بأن خلقه القرآن وحين تفطر النفس على الخير لا يصدر عنها سواه.. أحييك وأرحب بك أديبتنا الراقية ورمضان كريم
1
كاتبتنا القديرة نقلتنا في براعة لنعيد معك مشاهدة فيديو ممادو..وطرح نفس تساؤلاتك عن القيم الإسلامية في أوطاننا
شدتني جملتك :وأينما تواجدت العدالة والإنسانية والرحمة تواجد الانتماء والتضحيات..صحيح والله
قلمك مميز سيدتي ..شدني إليه
3
hiyam damra
أهلا بك عزيزتي فوزية الهلال تتصفحين مقالتنا وتضعين بذخ تعليقك بهذا الكرم الجميل.. دمت قائة وأديبة تتألق الحروف بين أصابعها

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا