لعنة الوثيقة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لعنة الوثيقة

  نشر في 08 غشت 2015 .

كَما يذوبُ السكرُ في الشّاي كَانت قلوبنَا تذوب سعادة ورضا من كلمة " حنسافر بكرة الى غزة " سعادة تُنهِي مَشقةَ عَام من الغربة الشاقة فتتفتَحُ لنا الرُؤى والأحلامَ في الوطن كَما أَليس في بلادِ العجائِب، وكأن السفر بساط سحرِي نستقلهُ كما استقلهُ سندباد ليطوفَ العالَم دُونَ حواجِزٍ أو تأشيرات. لو دخلتَ الى عقلِ الأطفالِ وصورت تخيلاتهِم عن معنى كلمةِ سفَر؛ لتشكلَت لكَ غيمةٌ تمطرُ صوراً ينشدُها طَارقُ العربِي، في أولِ مسلسلٍ كرتونِي شاهدتُه " في جعبتِي حكاية "

تصحبنا السيارة أو نصحبها لا أدرى قرابة 15 ساعة الى نقطة " المدورة " - الحدود الأردنية السعودية - نجتازها سريعا كوننا من حملة الجنسية الفلسطينية ، بينما لا يتوقف جنود الحراسة على المدورة من الدعاء لنا ولأهل فلسطين بالنصر القريب أما على الحدود الأردنية فالأمر مختلف فلفلسطين الحصة الأكبر لدى الهاشميين يرحبون بك كل الترحيب الممكن يسمحون بدخول بسيَارتك التِي تحملُ أرقاماً سُعوديَة، نقضِي فِي الأردنِ أسبوعاً كاملاً بمنزلِ أحدِ الاقاربِ، خلالَ هذا الأسبوعِ يكون والدي قد أتم إخراجَ التصاريحِ التي تمكّنه من مغادرةِ الأردنِ الى غزة.

جمالُ المناظرِ بين الأردنِ وغزةَ لا يمكنُ وصفُه بدقة سوى أن الخالقَ جمعَ جُل الجَمالِ فيها, ويزدادُ هذا الجمالُ بإحتضانِ الوطنِ لكَ. تشرقُ شمسُ غزةَ وتخترقُ أشعتَها قضبانَ معبرِ" إيرز " لتحيِي العائدَ، وتهبُ نسَماتها مداعبةً جدائِلَ شعر أختِي الصُغرَى علها تتركُ أثراً طيباً فِي نفسها، فهي أولُ مرةٍ ترَى غزة. نقضِي 30 يوماً فيها تبدأُ بحنين اللقاء، يتوسطُها الحُب وتنتهي بدموعِ الشوق، ودعوات اللقاء، مجدداً. كغمضةِ عينٍ ينتهِى هذا الشهرُ ونعود سالمينَ حيثُ مَكان إقامتنا بعد أن وزعنَا سَيلاً من الإبتسامات لمن قابلنَا.

" الشاي زي ما بتحبه يا حوده " عبارة ايقظتني من حلمي الجميل بالعروبة وما تمنحه للفلسطينيين من عذابات على معابرها ، يخاطبني صديقي بتفكر لليوم في أن تسافر دون عناء! غادر أحلامك وعش واقعك فأنت فلسطيني وأحلامك معلقة على بوابة معبرين . بوابة المصريين سحبت أفكاري الى الوثيقة المصرية ولعنتها وتذكرتها حين كانت المستند الوحيد للعبور من والى غزة مرورا بالأردن أو بمصر يبدو ان الوثيقة المصرية لعنة التصقت بجدي منذ زمن وستلحق بي حتى آخر فرد من نسلي .

أذكر تنهيدة والدتي ونحن نغلق حقائبنا استعدادا للسفر وانفاسها المتقطعة وهى تقول الله يجيرنا من عذاب السفر، لم يكن عقلِي الطفولي في ذاك الوقتِ يدركُ ما قالتهُ أمّي ولكنّ الأطفال يتعلمونَ بالممارسةِ او قل عندما يتعرضون للألَم.

اتجهنا الى الحدودِ السعوديَة الأردنيَة براً، بالسَيارة كخطوةٍ أولى على طريقِ الوصول لغزة. على الجانبِ السعودِي تعاملُ معاملةَ المقيمِ المسافرِ وتتاحُ لكَ كافَة الخدمات التي تقدمُ للمواطنِ المسافرِ من سرعة انهاء إجراءات المرور، وسرعةِ التفتيشِ واحترامكَ كشخصٍ دونَ النظرِ الى ماهيتك. ينهي والدي كافةَ الأمورِ ثمّ يرفعُ لنا الحاجزِ لنسيرَ بضعَ متراتٍ بشكلٍ رتيبٍ، تقابلنا يافطةٌ باللونِ الأخضرِ منقوش عليها( المملكةُ الهاشميةُ ترحب بكم).

أتوسط أنا المقعدَ الخلفي لسيارتنا أناظرُ تعبيراتِ والديّ من المرآة وقد تغيرت, جَبين والدِي تشكلُ عليه العرقُ ووالدتِي منشغلةُ في اخراجِ الوثائقِ والتأكدِ منها، ويبدو عليها التوترُ الشديد، نقتربُ من الحاجزِ العسكّري، ندخلُ منطقةَ التفتيشِ، يقتربُ جندي من السيارةِ يطلبُ من والدي الأوراقَ الثبوتية ينظر الجندي فيها يطالعه أكثر من مرةٍ ينَادِي علينا بالاسمِ يطلبُ منّا مغادرةَ السيارةِ، دون الوالدِ ويطلب منه الإتجاهَ يميناً لتفتِيش السَيارة،ِ نحن كأطفالٍ إعتقدنا أننا مهمُون، فهم سيفتشُون السيارةَ حرصاً علينا، لكن أمي أنهَت هذهِ التخيلات بقولهَا أنه إجراء روتينِي؛ للتأكدِ من أنّ السيارةَ لا تحمُل ما يضرُ أو خوفاً من تهريبِ بعضِ الأمورِ.

اتجهنا للصالة الداخليةِ وقد امتلأت عن آخرهَا تسيرُ الأمورُ بينَ السرعة ،ِ والبطءِ , سلم والدي الأوراق الثبوتية لشخص قَصير القَامةِ، ممتلئُ القوام، شديدُ بياضِ البشرةِ، أزرقُ العينينِ، يخالطُ شعرهُ الأسودُ كمٌ لابأسَ بهِ من الأبيض، ويدورُ بينهما الحوارُ التالي:

_ إلى أينَ تتجه؟

_الهاشمي الشمالي

_لكم يوم؟

_أسبوع على الأكثرِ، ثم التوجه لغزة، ثم العودة للأردن.

_حسناً أنتَ فلسطينِي تحمِل الوثيقة المصرية لو سمحت أخرج عن الصف،ِ وابقَ في الصالةِ حتى ننظر في أمركَ، يعودُ والدي إلينا يضربُ كفاً بكفٍ، يشتاطُ غضبا،ً تتحول خضرةُ عينيهِ إلى لونِ الدم! تحاولُ أمي أن تهديء من روعه دون جدوى، تنتقل إليها عدوى التوتر فتتلبدُ الغيوم في الصالةِ ويمطرُ علينا خوفاً وفزعاً من شبح العودة.

صالةُ الانتظارِ كئيبة , البلاط اسود اللون خالي من أي معاني الترحاب ، المقاعد حديدية بائسة , الجدران مائلة للصفرة تُحاكِي واقعنَا العربي! المريض...

تمر ساعة؛ ثم ينادي الموظف على والدي ليخبره أن الأوراق الثبوتيةَ ناقصة! وأنهم بحاجة الى التصريح الاسرائيلي - هذا التصريح يتيح لنا دخول الاراضي الاردنية من غزة - يخبرنا والدى أنهم بحاجة الى ذاك التصريح، الذي تركناه في الاردنِ كما تجري العادةُ قبل ثلاثِ سنوات؛ لعدم حاجتنا اليه في التنقل بين الدول العربية - لكنّ هذا الطلب في هذا التوقيت متروك لمزاجِ الموظف الأردني .

تتغيرُ ملامحُ أمي ويبدأ نقاش شديدٌ بينهما، كيف ولماذا ومتى وما العمل ؟! تحتسب أمي أمورها لله تعالى، يحاولُ والدي الاتصال على عمّان من هاتفٍ عمومي لمحاولة استخراج التصريح، وإرساله عبر الفاكس على نقطة الحدودِ بين المملكتين. صراعٌ مريرٌ عبر الهاتِف، وابتهالاتٌ منا لله أن يرزقنا معجزة تمكننا من الدخول الى أرضِ ( الهاشمين) الوقت يمرُ، وعقاربُ الساعةِ تتجاوزُ الثانيةَ صباحاً بعدَ منتصفِ الليل. ليأتيّ أحدُ الموظفين طالباً من والدِي البشارة! فيعطيهِ 20 ديناراً ليبتسمَ ويسلم والدي صورةَ التصريحِ ليتممَ الوثائقَ ونصل عمان- الهاشمي الشمالي- السابِعة صباحا ! لا تسألونِي كيف قطعَ والدي المسافةَ بهذه السرعة وبهذا نكون أنهينا أول معاناتنا مع هذه الوثيقة.

بعدَ قضاءِ مدة لابأسَ بها في الأردن، نتجه الى غزة ونقضي فيها 30 يوماً ثم نعُد العدةَ للعودة مرةً أخرى! نخرجُ تصاريح السفرِ من غزة الى " إيرز " ومنها إالي أريحا، وهذه الرحلةُ تستغرق 10 ساعات، على الرغمِ من قصرِ المسافة - وذلك بسببِ التعنتِ الاسرائيلي - ثم الى جسر الملك حسين. يتقدمُ والدي مثقلاً بالهموم، يقدم خطوةَ ويؤخرُ أخرَى يستقبلُه الموظفَ بابتسام، سرعانَ ما يتحول إلى تجهمٍ، ما أن يرى الوثيقةَ المصريةَ وكأنه قد أصابه شيء من المسّ، أو ظهرت له " أمنا الغولة"، يطلبُ من والدي التراجعُ والانتظار، حتى ينادي عليه وفي هذه الحالة لكُم أن تتخيلوا حجم المسافرينَ من الضفةِ الذين يحملونَ التصاريحَ الإسرائيلية، أو الجوزات الأردنية، الذين يدخلون الى الأردن بسلام آمنين.

تمر الساعات، كما السنين ببطءٍ شديدٍ يزيدُ توتركَ، وحالة الإعياء تنشط جراءَ الجلوسِ على الكراسي الحديدية، والجو الرطب الحار يلعب دورا في معاناتك , يمر من جانبنا موظفون كثر ينظرون إلينا بنظراتٍ مختلفة بين الاشمئزازِ من كونِك غزاوياً تحملُ وثيقةً مصريةً، ونظرة عطفٍ تلعنُ ما أوصلنا لهذا الحال، تمر الساعات دون نجاحٍ في الحصولِ علي ختم على الوثيقة يسمح لنا بالدخول إلى الأراضي الأردنيةِ، أهمس في أذن أمي: أن تترك لأطفالها زمامَ الأمورِ، علنا نقدرُ على مالم يقدر عليه والدي بفناجين القهوة وكم السجائرِ الموزعة علي فلان وعلان! يبقى للأطفالِ القدرةَ على صنعِ المعجزات فنحن أكثرُ الكائناتِ إزعاجاً إن أردنا أن نكونَ كذلك.

أتبادلُ أنا وإخوتي ابتسامات خبيثة، لنعلن عن بدءِ جولة أخرى من محاولات الإقناع، نبدأ بالصراخِ وإحداث المشاغبات والجري في أروقة الصالةِ صارخين بصوت عال: _بدنا نفوت الأردن! نلحنَها كيفما شئنا يصلُ الإزعاج حَده الأقصى ليأتِي الموظفُ مهدداً إن لم نصمِت فلن ندخُلها! هنا نعلم أن أمر الدخول بات وشيكاً، نصمت هنيهة. ثمّ نعاود وصلةَ الرجاءِ والبكاءِ المصطنع، ليأتي إلينا موظفٌ طويل القامة، حليقُ الدقن، يفصلُ أنفه عن فمِه شاربٌ كثّ الشعرِ أسود، قاتِم يرتدي زيه العسكري، يضعُ سلاحَه على جانبهِ الأيمن يقفُ بجانبِي واضعاً يديه على كتفي مخاطبني: _أنت محمد ؟

_أدَيت لَه التحيةَ العسكريةَ

وأجبته:

_ " مبتسماً " نعم

_إلي أين تتجِهون؟

_إلى الهاشِم الشمالي

_كم تحتاجونَ من الأيامِ

- أجيبُه عن مدةٍ بحجمِ الشوقِ والحُبِ20 يوماً قد تكفي

يبتسمُ لإرتفاع سقفِ آمالي ثم يشيرُ لوالدِي بالموافقةِ على دخولنا للأرضَي الأردنية، لمدة لا تزيدُ عن 48 ساعة! وعليها يختم الوثيقةَ المصريةَ، نطير فرحاً، ينظر إلينا مستغرباً الحال، كل هذه الفرحةِ العارمة لأجل 48 ساعة ؟!

أتحدثُ إلي نفسِي وكأنني أبوح لَها سراً قائلاً: مسكينٌ ذاك الرجل يعتقد أن هذا الفرح كله من أجل هذه الساعات فقط. كيف لو يعلم أننا مبيتو النية للمكوثِ 3 أسابيَع كاملة، إن أردتم معرفةَ سرِ ذلك؛ يكفِي أن تمتلكَ مزيداً من الدنانير لتلقييهَا على أول نقطة جمركية على الحدودِ الأردنية السعودية. وأنت مبتسماً رافعاً إشارة النصرِ فالنقودُ أحياناً تنسيكَ لعنةَ الوثيقة المصرية.


  • 10

   نشر في 08 غشت 2015 .

التعليقات

Ramzy Albirouty منذ 1 سنة
شي فخم صديقي رغم اني بعرف قصة سفركم اللي حكتلي اياها اكتر من مرة بس كنت مشدود للاخر انت بتمزج الكتابة بالسيناريو والوصف الدقيق مع الاسلوب الجذاب بيطلع عندك كوكتيل فخم ع الاخر .. استمر
0
محمد نشبت
شكرا لك صديقي :)
وصف رائع للمعاناة كأنني أعيشها معكم نسال الله لكم العون
0
محمد نشبت
الله يكرمك ونسأل الله ان يخفف عنا
تصوير فني أكثر من رائع لأحداث حقيقية، شكرا لك أستاذ محمد نشبت، دام قلمك
0
محمد نشبت
شكرا جزيلا لك انما المعاناة هي من يحركنا
أي و الله ..كم هي ملعونة أيّ و ثيقة بيروقراطيّة تختزل كرامة الإنسان العربي عموما و كرامة الفلسطيني خصوصا .. مقال أكثر من رائع .. دام قلمك .
0
محمد نشبت
هي المعاناة الي ارتبطت باسم الفلسطيني . نسعى ما استطعنا الحصول على حقوقنا .. اشكرك سيدي :)
سرد رائع ، جعلتني اعيش معك فرحة السفر الطفولية ، حب الوطن و معاناة العروبة ، سلمت يا محمد . تحياتي
0
محمد نشبت
شكرا لك :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا