حكم الحب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حكم الحب

في الماضي كنا نحارب اللحظات، نصارع الوقت لنخلو ببعضنا، لنسرق قبلة خلف الأسوار المرتفعة وكان لدينا الكثير من الأحلام، لكننا اليوم نعيش الحب ببساطته، بصمته.. لم تعد لدينا الكثير من الأحلام، لكن كان يكفينا ذلك الحلم .. أن نعيش بحب وسلام ونموت في أحضان بعضنا البعض.

  نشر في 02 نونبر 2018 .

كنت أجلس على أحد المقاعد في الحديقة، أراقب تلك الشابة التي كانت تجلس قبالتي وهي تمسح دمعها بسرعة كل ما جرى فائضاً من عينيها. تبتسم لي بين الحين والحين وكأنها تمثل علي دور السعادة. تبتسم وهي تتنهد .. يا إلهي كم أن في قلب هذه الفتاة من ألم، لكن كبرياءها منعها من أن تبوح حتى للغريبين بنظرة حزن.

بعد مدة انقضت قررت أن اقترب منها وأحاول أن أفهم قصتها، همتت واقفاً بعد أن ترددت لمرات ثم اقتربت منها وجلست بجانبها مستعيناً بعكازي الغليظ. كانت تمسح دمعها بسرعة .. أخرجت منديلاً من جيبي وأعطيتها إياه وأنا ابتسم لها، أخذته وهي تشكرني بصوت هامس .. 

" الحياة لم تكن يوماً سهلة يا ابنتي، لكن علينا رغم ذلك أن نكون أقوى منها حتى ننتصر على خيباتنا .. لا داعي لأن تخنقني دموعك، الدموع في كثير من الأحيان تريح القلب وتهدأ روعه ..". قلت لها وأنا أقدم لها قطعة من الشوكولا كنت احتفظت فيها بجيب معطفي!

"اليوم عرسي يا عم، وأنا لست راضية بنصيبي لكن أهلي أجبروني على هذا الزواج.. إن الشاب مهذب، فاضل وخلوق .. لكنني لا أحبه يا عم، لا أستطيع أن أتخيل أن حياتي كلها ستمضي برفقة هذا الرجل .. ". قالت لي وقد سمحت لدموعها بأن تجري مستكينة من عينيها.

" هل تحبين أحداً غيره؟".. سألتها مبتسماً، فمالت بوجهها عني محرجة وقد اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر .. 

"عندما أتكلم فإنه لا يصغي، وعندما أعتقد بأنه يصغي يقاطعني فجأة بحديث آخر وكأنه لم يكن يسمعني، إنه كريم بكل شيء إلا بالكلام اللطيف واللمسات الرقيقة، تشعر به قاس رغم أن قلبه طيب، لكننا لا نشبه بعضنا بشيء .. ". قالت لي وهي تتنهد .. 

" لكنه بالمقابل هناك ذلك الشاب الذي يسمعك وأنت تتكلمين، يصغي إليك بكل جوارحه، كريم بكل شيء حتى بالغزل وبالعناق، قاسي لكنه معك يصبح طفلاً صغير، تشعرين بأنه يشبهك بكل شيء، بأن الوقت معه ينقضي سريعاً .. ".

تشيح بوجهها مرة أخرى وهذه المرة تعود الدموع لتنسكب من عينيها. كان الموقف مؤلماً لكلانا، لم يكن من حقي أن أبدي أي نصيحة أو أن أبت في أي شيء. منذ سبعة وثلاثون عاماً مررت بنفس الموقف، ونفس التجربة القاسية .. 

" كنت أحضر حفل زفافي ملكوماً، الألم يعتصر في قلبي وكلي إحساس بالأسى والحزن. . لكن انقضى سبع وثلاثون عاماً .. لم أحبها .. لكن كان بيننا ود ورحمة، اختلفنا لثلاثة عشر عاماً، لكننا بعد العام الخامس عشر استسلمنا لفكرة أننا لا يمكن أن نفترق، كنت لها العون والسند وكانت لي الدفء والنور .. وعندما وارت الثرى .. تناثرت حياتي ولم يعد لي من بعدها خاطر للحياة .. في ليلة زفافنا اعتقدت أن حياتي تحولت لجحيم، أنني دخلت سجناً وحكم علي بالضياع والألم، لكن .. ".

التفت إليها فوجدتها وقد اختفت، استندت على عكازي ورحت أسير في الشارع، أراقب بعين الحسرة الطريق والمارة. بعمرين العشرين يشعر المرأ أن الحب وحده يغير العالم، في الثلاثين يدرك أن الحب يحتاج إلى مودة والاحترام أوجب من الحب .. في الأربعين يدرك المرأ أن الحب ما هو إلى رحمة .. وفي الخمسين يكفي الإنسان أن يجد يداً تطبطب على كتفه.  . وأما بعد .. فإنني لهذه اللحظة ما أزال أشعر بقلبي يرجف عندما أراها في حيينا، أعود سبعة وثلاثين عاماً إلى حبها، أتدلل بعيوني عليها .. أغازلها وأنصت لعتابها .. أفقدها وتفقدني. 

منذ أسبوع مضى كان عيد ميلادها الواحد والستون، أخذت لها باقةً من الورد الأحمر وعلبة شوكولا فاخرة، عندما التقت عينها بعيني عاد إليها بريق الحياة، اختفت تجاعيد السنين وعاد اللون الغزالي لشعرها الأبيض، ابتسمت ولم تظهر أخاديد الوجع عند شفتيها، أخذت مني الباقة وعانقتني بكل جرأة. ثم ضحكت كطفلة صغيرة وقالت لي بصوت مرتفع إذ أنه كان من الواضح أن سمعها قد خف مع مرور السنين :" إييه يا أبو كرم، لقد أعدتني إلى أربعين سنة مضت من عمري". ضحكت وقلت لها :" سبعة وثلاثون عاماً". غمزتها .. فاحمرت وجنتاها ثم قبلت يدها .. 

تلك المرأة التي أحنى ظهرها العمر كانت قوية جداً، لقد ترملت في عمر صغير لكنها رغم ذلك أستطاعت بكل صبر وقوة أن تربي طفلها الوحيد وتجعل منه رجلاً عصامياً قوياً وشهماً وناجحاً في حياته. كان ابنها "عزيز" يعرف قصتنا، وكان يغدو سعيداً جداً عندما أقوم بزيارتهم. كنا في كل مرة نلتقي نعود إلى صبانا، نتبادل نظرات العشق والهيام، نحب بعضنا بصمت أكثر من الماضي.. 

في الماضي كنا نحارب اللحظات، نصارع الوقت لنخلو ببعضنا، لنسرق قبلة خلف الأسوار المرتفعة وكان لدينا الكثير من الأحلام، لكننا اليوم نعيش الحب ببساطته، بصمته.. لم تعد لدينا الكثير من الأحلام، لكن كان يكفينا ذلك الحلم .. أن نعيش بحب وسلام ونموت في أحضان بعضنا البعض.

قالت لي ذات مرة معاتبة :" لو كنا نعرف أننا أقوياء كفاية لحاربت كي أكون معك يا أبو كرم، فصعوبة الحياة لم تختلف عندما أحنيت رقبتي لزواجي التقليدي، لكنها كانت عسيرة كثيرة دون الحب!". 

" لقد كان علي أن أكون أكثر جرأة حينها وأرفض الأمر الواقع .. لقد مرت سنوات كثيرة يا أم عزيز، فقدت فيها الكثير لكنني كنت أدعم نفسي بذكريات حبي لك. لطالما تساءلت عن حالك، كيف تمضين .. وعندما علمت أن زوجك وافته المنية رغبت كثيراً في أن أجعلك زوجتي الثانية، لكنني كنت أضعف من هذا القرار.. الحياة علمتني أن القوة هي الحب، وليس هناك من سلطة تقوى عليه .. واليوم أريد بكل جرأة أن أتقدم لطلب يدك .. فهل توافقين على الزواج مني؟".

ابتسمت كعذراء شابة، وردت علي بكل ثقة :" إن كان هناك ما أريده من أيامي المقبلة، فإنما أريد أن أمضي ما تبقى من حياتي معك، وأموت بين ذراعيك!".

عندها دبت بي قوة الحياة، حملت العكاز الغليظ ورحت أجري باحثاً عن الفتاة في زحمة الشارع، ولحسن حظي استطعت أن أجدها وهي ما تزال تسير مستكينة على الرصيف ودموعها التي لم تتوقف، وضعت يدي على كتفها فالتفتت مرتعبة .. 

" كوني أقوى من هذا القرار وحاربي لأجل من تحبين، فالحب وحده قوة قادرة على أن تجعلك تتحدين كل صعوبات الحياة، كففي دموعك ولا تجبري نفسك على اختيار يحني ظهرك عندما تشيخين، إن حق الإنسان المقدس ليس الحياة فقط .. بل أن يحيى بحب وسلام". قلت لها، وقد لمحت على وجهها ملامح سعادة لم ألمحها من قبل، عانقتني تلك الشابة المشاكسة بكل قوة وقبلتني من وجنتي ثم حملت عني عكازي وطلبت مني أن أتكئ على كتفها ثم قالت لي بكل ود :" أنت بطل حقيقي يا عم، ولأجل كلامك هذا سأحارب الدنيا كي أكون مع من أحب، وستكون أنت عراب زفافي وليسقط كل حكم في العالم، فحكم الحب ليس فوقه حكم".


  • 3

   نشر في 02 نونبر 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 2 أسبوع
أه على الحب ، روعة هي قصص الواقع ، وقصص الحب ا قوى من كل القصص ، ابداع تام ، وأورد احكام الشرع في هذه القضية لمن يرغب في إقامة حكم الله :
وجاءت إليه امرأة بكر، قالت: يا رسول الله! إن أبي زوجني وأنا كارهة فخيرها النبي ﷺ، فالواجب على الآباء والأولياء جميعاً أن يتقوا الله، وأن لا يزوجوا مولياتهم إلا بالإذن بالموافقة، الحق لها والحاجة لها، لا تزوج إلا بإذنها، فإذا كرهت الزوج الخاطب لا تزوج عليه، بل يلتمس لها من ترضاه من الطيبين الأخيار، فإذا خطبها الكفء وجب تزويجها عليه، وإن كان بعيداً ليس من أقاربها، ولا يجوز جبرها على ابن خالتها أو ابن عمتها إذا كانت لا ترضاه، فالزواج هذا منكر وباطل ما يصح، إذا كانت مكرهة على ابن عمتها هو نكاح فاسد لا يصح، ويجب على والدها التوبة إلى الله، ويجب عليه أن يسعى في خلاصها من هذا الرجل من طريق المحكمة، أو من طريق إعطائه حقه وهو يسمح ويطلق حتى لا يكون النزاع بينهم، أو من طريق الأخيار يشيرون عليه وينصحونه حتى يطلق، المقصود أن الزوج عليه أن يطلق، يجب عليه أن يطلق ولا يحل له أن يأخذ امرأة تكرهه وتجبر عليه هذا لا يجوز له، بل يجب عليه أن يرجع عن هذا الرأي، وأن يرضى بحقه الذي دفع إليهم ثم يطلقها طلقة واحدة، حسماً لمادة التعلق بها وخروجاً من خلاف العلماء الذين يقولون: بجواز جبر الوالد لبنته البكر هو قول مرجوح، يقوله بعض العلماء: أن له أن يجبر بنته البكر، ولكنه قول ضعيف مرجوح مخالف لقول النبي ﷺ: لا تنكح البكر حتى تستأذن، وقوله ﷺ: والبكر يستأذنها أبوها وإذنها سكوتها، نسأل الله للجميع الهداية.
3
مريم
أخي محمود لو تمسكنا بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام لصلحت أمور نا جملة. لكن ..وكلنا نعلم أننا نعيش وفق تقاليد وعادات نتوارثها حتى لو تتعارض مع سنن الرسول. وقلة هم من ينهجون الطريق الصحيح.
محمود بشارة
صدقت يا مريم ، اللهم اهدنا الى سبيل الرشاد .
Rim atassi
من أعظم ما قد نتبعه هو سنة رسولنا الكريم .. كل الشكر لهذا التعليق الراقي ذو المحتوى الجميل والمؤثر وفيه من الصدق ما يكفي أنه من حديث رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم
محمود بشارة
عليه افضل الصلاة والسلام وعلى اله واصحابه اجمعين .
مريم منذ 2 أسبوع
الحب...يالها من كلمة ..على قِلة حروفها إلا أنها أكثر الكلمات دفء وحنان...حيرة ووجع..
الحب.. أكثر مشاعرنا ضجة.
ماذا اذا وجدنا الحب فى خريف العمر ...فى وقت لا نملك فيه أنفسنا..ولا نملك إرادتنا؟ بأى شيء سنحارب لأجله؟ وكيف نضحى لأجله؟
يا ريم ..مقالك راقي فى رسالته ...وأنتِ راقية فى فكرك.
دام نبض قلمك.
3
Rim atassi
دام وجودك عزيزتي
إن الأسئلة التي وردت في تعليقك أضافت على ما كتبته الكثير من المعاني العميقة
شكراً لمرورك العطر

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا