بدايه و نهايه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بدايه و نهايه

  نشر في 13 أبريل 2018 .

-1

كانت الساعة تقارب الحادية عشرة ليلا عندما نهض من سريره.. كانت زوجته قد ذهبت في نوم عميق ولم يعد بمقدوره أن يتظاهر بالنوم أكثر من ذلك.. نزل عن السرير ببطء.. حمل سجائره وهاتفه.. وغادر الغرفة على أطراف أصابعه.. وخطر له قبل أن يذهب إلى المطبخ أن يطمئن على أطفاله..  كان الثلاثة نائمين كملائكة.. لكن الصغيرة الشقية – كعادتها-  كانت قد نزعت عن نفسها الغطاء.. عدّل الغطاء.. قبّل جبينها الصغير.. ألقى عليهم ابتسامة راضية.. وخرج..


على تربيزة المطبخ كان هنالك بعض فتافيت الخبز ونصف تفاحة وسكّين.. أحسّ ببعض الجوع.. فكّر في أن يأكل نصف التفاحة لكنه في النهاية اكتفى بشرب ماء.. أشعل سيجارة.. وبدأ ينفث منها بعض الدخان وهو ينظر ببلاهة إلى ما حوله.. لماذا تستخدم زوجته هذه السكين لقطع التفاح؟ إنها حادة جدا.. سيعاتبها غدا.. أي غد هذا؟ أراد أن يضحك ساخرا من نفسه.. لكنه لم يستطع..


لقد انتهى كل شيء إذن.. بهذا البرود وهذا الهدوء.. في الصبح سيتم اعتقاله..  يعلم هذا يقينا.. ولا يعلم بالتحديد كم سنة سيلبث داخل السجن.. عشرة عشرون؟ ربّما.. لا يعلم.. لكن جريمة اختلاس بهذا الحجم ليست سهله على أي حال.. والأسوأ أنه لا يملك قرشا واحدا مما اختلسه.. ابتلعت شاشات البورصة الرقمية كل شيء.. كل شيء تحطّم في لحظة عابرة.. كل شيء تحطم في نزوة فاجرة..


أراد أن يضحك مرة أخرى على هذا الاقتباس السخيف.. لكن لم يخرج من صدره سوى ابتسامه صغيرة..  لا يستطيع حتى تخيل ماذا سيحدث.. سينهار العالم غدا صباحا.. كل شيء سيختلف.. غدا لن يكون هنا.. سيكون في زنزانته.. وهؤلاء الصغار ماذا سيحل بهم؟ زوجته؟ أمّه؟ زملاؤه؟ بدا أن التخيل أسوأ من أن يتم التفكير فيه حتى.. شرب  شربة ماء أخرى وفتح هاتفه .. لا يريد أن يفكر بشيء الآن.. سيضيع.. فقط سيضيع.. 


بعد فترة لا يدري كم هي من التصفح العشوائي وجد نفسه يتصفح حساب إحدى الفتيات على تويتر.. أعجبته تغريدة ساخرة لها.. لكن يبدو أنها لم تعجب أحدا غيره.. مع أنها مضحكة جدا... وجد هذا غريبا فعلا.. تصفح الحساب أكثر.. فعلا لا أحد يتفاعل مع حساب الفتاة.. نظر إلى صورتها.. بدت طيبة وهادئة.. معظم تغريداتها ساخرة.. لكنها سخرية ذكية.. إنه يعرف هذه النغمة.. هذه الفتاة وحيدة.. وحيدة جدا.. يعرف ذلك جيدا بخبرته.. هو أيضا كان يفعل ذلك عندما كان وحيدا.. قبل أن تصبح الوحدة آخر مشاكله..


 انتهى به الأمر يدقق في صورتها.. ثم انتبه أن لديها ما يقرب من الألف متابع ولم يكلف أحد نفسه عناء أن يعلق على صورتها الجديدة.. أو أن يضع عليها إعجابا واحدا.. الأوغاد..  ألا يعلمون ما يعني هذا الأمر لفتاة؟ إنها تريد أن تسمع منكم أنها جميلة.. ولو كذبا.. أوغاد مراهقون سفلة.. قرر هو أن يتصرف.. لا بأس ببعض العبث في آخر ليالي الحرية..  نسخ رابط حسابها على صراحة وبدأ في كتابة رسالة لها.. 

وكان نص الرساله... 


" مرحبا.. أنا معجب سري.. سرّي للغاية.. زي احمد عز كده النهارده أول مرة اشوف حسابك.. وأدهشتيني فعلا.. عندك حس سخرية ودعابة مش موجود حتى عند مشاهير الكوميديا بتفكريني باحمد حلمي او كريم عبدالعزيز اودنيا سمير غانم او ياسمين عبدالعزيز بصي انتي فيكي كل حاجه منهم لو يمكن تشوفيني الان انا ابكي من الضحك علي جميع تغريداتك.. بس أنا مش باعت لك عشان انت ذكية ..لا.. أنا باعت لك لأنك حلوة..  حلوة  جدا يعني.. وجذابة.. وصدقي لولا أنا متزوج ومش لاقي اكل كمان.. كان ممكن أكون دلوقتي امام بيت ابيكي لاتقدم لخطبتك بس للأسف مقدرش.. يعني حتى لو تخطينا موضوع إني متزوج.. بيفضل موضوع إني مش لاقي اكل هو اللي ياثر اكتر .. حتى الورده اللي جوا كيس من البلاستك اللي بتتباع علي كوبري قصر النيل ب 5جنيه ما بقدر أجيب لك.... أيوا اضحكي.. ضحكتك حلوة.. أصلا على قد ما انت حلوة.. متخيل لو شوفتك  فجأة كده  الدنيا هطلع قلوب حب وورد .. ويطلعوا لنا هنود يرقصوا حوالينا..

مرة ثانية ..  أنا مش باعت الرسالة دي عشان تضحكي بس.. أنا باعت أقول لك إني فاهم إنه الدنيا ممكن تكون مظلمة.. بس هذا هو قدر النجوم .. إنهم يظلوا منورين.. طول ما كانت الدنيا حواليهم مظلمة.. عشان عايزك تفضلي دايما منوره.. زي نجمه في السماء .. ولما تتوجعي.. اسخري  من نفسك ومن الأشياء زي كده ؟  

اضحكي.. وخليك منوره.. واعرفي انه في ركن من هذا العالم البائس.. في رجل شايفك قمر.. 

وحتى ألقاك مرة أخرى.. 

معجبك السري للغاية.

-2

تعبر الكاميرا المدينة.. لتصل إلى بلكونه لشقة على الطابق الرابع.. حيث تجلس فتاة عشرينية على حافة البلكونه وتنظر نحو هاتفها بعيون اذابها البكاء.. تضغط الفتاة على شاشة هاتفها بسرعة جنونية منتقلة بين تطبيق وآخر وهي تنظر بغضب.. ثم تغلق الهاتف وتنظر نحو الأسفل.. يلزمها فقط أن تميل إلى اليمين قليلا لتسقط من هذا الارتفاع.. تغمض عينيها.. تأخذ نفسا عميقا.. وتشد بعصبية على الهاتف بينما تبدأ بتمييل جسدها قليلا قليلا نحو اليمين.. عندما يصدر الهاتف صوت رسالة.. ترتكز بظهرها على الحائط مرة أخرى وتبدأ بتصفح الهاتف..

تبدأ بقراءة الرسالة.. ورويدا رويدا تظهر عينيها الباكيتان طيف ابتسامة.. تتسع ابتسامتها لتصبح ضحكة بعد عدة ثوان.. تصمت.. ثم تضحك مرة أخرى.. لدرجة أنها كادت أن تفقد توازنها.. تنزل عن حافة البلكونه.. وتجلس على الأرض وتبدأ بقراءة الرسالة مرة أخرى.. وهذه المرة تختلط دموعها بابتساماتها..

تدخل نحو غرفتها.. تضع الهاتف جانبا.. تأخذ نفسا عميقا جدا.. ثم تقفز فرحة في فضاء الغرفة.. قبل أن تقرر أن تأخذ حماما ساخنا..

-3-

تعود الكاميرا إلى المطبخ.. حيث لا تزال هنالك فتافيت الخبز فوق الطاولة.. ونصف التفاحة أيضا.. ,والهاتف والسجائر.. لكن الرجل نفسه لم يعد جالسا إلى الطاولة.. كان ممددا على الأرض شاخصا ببصره إلى السماء.. وبقربه السكين وقد تلطخت بالدم.. ويبدو خط الدم ممتدا من شرايين يده اليسرى حتى المصرف.. مشكلا في النهاية بركة كبيرة حمراء..



   نشر في 13 أبريل 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا