أحمد راشد .. للواقعية أجفان أيضا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أحمد راشد .. للواقعية أجفان أيضا

أمـل ممـدوح

  نشر في 14 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2017 .

    

ربما لن تملك أن تمنع تدفق صوته نبيل الطابع خجول الملمح صادق الخلجات وما يحمله من روح رقيقة مرهفة إن كنت تعرفه؛ إلى ذهنك ملتحما بنسيجه السينمائي وأنت تشاهده.. أو ربما تستنتج ملامح شخصيته وهذه الروح من بصمة عالمه الفني إن لم تكن تعرفه حيث يتناغم هنا النبع مع مائه فيدل كلاهما على الآخر كعادة الصدق الفني إذا ما حضر، فمعه تشعر بأن الواقع الذي عشق تسجيله.. له أجفان أيضا تستطيع أن تحلم قليلا لتفرز خياله الكامن والموازي، وربما كان لكاتبة هذه السطور أن تعرفه طفولتها بشكل روحي لتعيد معرفته ذهنيا ومنهجيا كبيرةً من أفلامه فإذا بالجانبين ينسجمان بلا تضاد..




   هو المخرج التسجيلي أحمد راشد ( 1938 - 2006 ) أحد أهم المخرجين الرواد للسينما التسجيلية المصرية .. حاملو شعلات الشغف الأولى، والشغف النقي ملمح يفرض نفسه عند التعرض لأفلام أحمد راشد؛ شغف الإبحار في الحالة وتتبعها حتى عمقها الصادق بلا ادعاء أو افتعال أو تعمد لاختلاف وذلك برغم حالة الوضوح التسجيلي في أفلامه بسماتها التقليدية وربما في الكثير من أفلام هذه الفترة، لكن التناول والخيارات يظهران ذلك، تستطيع من مشاهدة عدد من أفلامه والتي تزيد عن الثلاثين فيلما أن تعرف ملامح همه وتوقه ومزاجه الفني بل تركيبته النفسية والشخصية ..هذا الدارس للفلسفة الذي فتن شغفا في صباه بالسينما التي نشأ تحيطه الكثير من دورها في حي عابدين واعتاد ارتيادها حتى صار حريصا على حضور ندوات الأديب يحي حقي السينمائية في دار الكتب منذ عام 1957 ففاز في مسابقة النقد التي نظمتها عن فيلم " المثال مختار" بلجنة استشارية كان عضواها الأديبين نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير، ليؤسس بعد خطوات أخرى في عالم العمل السينمائي وبعد توقف هذه الندوة مع رفقائه هاشم النحاس واحمد الحضري ويعقوب وهبي وعبد الحميد سعيد وغيرهم جمعية الفيلم المستمرة للآن والتي أغرم من خلال عروضها التسجيلية الكثيرة بهذا العالم فكان " شهر الصيام" فيلمه الأول كمخرج هاوٍ يتدرب بعده على يد مخرج تشيكي للأفلام التسجيلية تمت الاستعانة به لتدريب السينمائين بعد إنشاء المركز القومي للسينما التسجيلية عام 1967 ليكون فيلم "العار الأمريكي" بنفس العام بالاشتراك مع المخرج سعد نديم أول أفلامه كمخرج محترف، وقد عرض كثيرا في التليفزيون في ذلك الوقت بسبب إغلاق دور السينما وقتها بسبب أجواء الحرب، فيؤسس مع رفاقه مجلة "الثقافة والحياة " مع مشاركته في تأسيس جماعة السينما الجديدة وجمعية النقاد السينمائيين المصريين وجماعة السينمائيين التسجيليين المصريين، وقد كتب وأخرج على مدار مشواره العديد من الأفلام التسجيلية التي نال عنها الكثير من الجوائز وشهادات التقدير خارج وداخل مصر كما ترك عددا من المقالات النقدية و الكتب السينمائية المؤلفة والمترجمة.





الشغف والتدفق .. وأسلوبه

  الميل للسير الذاتية سيكون أول الملاحظات عند استعراض أفلامه باستعراض أفلامه؛ "أم كلثوم واللحن الأخير، توفيق الحكيم (عصفور من الشرق)، يحيى حقى عطر الأحباب و"فنان الباتيك علي دسوقي"..، لتكون ثاني ملاحظة ميل آخر للأفلام الوطنية أو السياسية القومية التي شكلت عددا كبيرا من أفلامه مثل "العار الأمريكي، لماذا، بورسعيد 71، من أجل مصر، أبطال من مصر، إحنا شباب النصر،.."، أفلام على مباشرة موضوعاتها ووضوحها التقليدي تحوي صدقا حيا جاذبا متدفق الإيقاع بمحتوى متنوع مع وحدة عضوية لا تنفلت رغم الحراك الغني وذهاب ومجيء وثراء الصورة، أستطيع القول أن أكثر سمة تميز بها راشد كان انضباط وحيوية الإيقاع وتنويعه بين بصري وسمعي بما يجعل حتى السيناريو العام التقليدي غير تقليدي في تنفيذه والمتوقع من السياق البسيط عميقا ثريا غير متوقع، مع إطلالة شغف واضح بالتعليق الصوتي وتنويعاته الصوتية ومن ذلك الاستعانة أحيانا بصوتين معلقين بمستويين مختلفين من السرد أو استخدام صوت أحد الفنانين بما يعطي إيقاعا ودفئا للفيلم في تكسير دائم لجمود التلقي والرتابة وهو ما قد يصاحبه أيضا تنويعات سردية وأدائية للتعليق متنوع الصوت في الفيلم الواحد أحيانا؛ بين تعليق تقريري أو تعليق روائي لمن هو أقرب لراو أدبي قد يستعير لسان أعماق الشخصية كما مثله صوت الفنان محمود مرسي في تعليقه بضمير المتكلم في فيلم عن يحي حقي "عطر الأحباب "، مما يخلق للفيلم روحا حية وإن بدا تقليديا، لدينا أيضا في أفلامه حركة كاميرا مركزة تعلم تماما ما تفعل وأين تذهب بحيوية دون ثرثرة أو تشتت ودون أيضا رتابة بتنوع في الزوايا الدرامية والنفسية.. بحركة كاميرا متجددة دون فقدان هويتها ورؤيتها أو خطها الدرامي..قد يبدأ بك من بيئة الحدث لينضم لها موضوع الصورة أو يبدأ به في لقطة طويلة في خلفية الكادر( باك جراوند) ليصبح رغم الموقع الخلفي الأكثر جذبا بحركة يمثلها وحده ليسير للكاميرا أو تسير إليه بسلاسة حتى يصبح موضوع الصورة مركزيا أو في المقدمة ( فور جراوند) ، وعادة قبل أن تسنفذ الصورة محتواها وطاقتها الدرامية والجمالية يبدأ التقديم للمشهد التالي بصوت ينتمي لعالمه كربط دائم مستمر لا يفلتك ويسلمك للجديد قبل أن تنفصل عنه أو تشعر بالاكتفاء والتشبع من المشهد القائم الذي قد تتنقل الكاميرا في أجوائه الجانبية مع استمرار محورية بطله وحدثه، مع وجود متكرر للقطات تشكيلية درامية من بيئة الصورة لا تفسد الحالة التوثيقية بل تضيف إليها عمقا من خامها، فكل شيء يحكي قصته بما يشير لملامح روائية بشكل أو بآخر في سينما أحمد راشد.. ولعرض أكثر تفصيلا لأسلوبه السينمائي سنتوقف مع فيلم أراه من أهم وأبدع أفلامه وقد نال عنه أكثر وأهم جوائزه سواء من مصر وخارجها كجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان لايبزج بألمانيا..فهو نموذج لصناعة فيلم تقليدي الفكرة بشكل إبداعي فني في كل تفاصيله يفيض بالعذوبة والصدق الفني؛ هو فيلم " أبطال من مصر" إنتاج 1974 التسجيلي القصير فلا تتجاوز مدته الربع ساعة وقد أنتجه المركز القومي للسينما بتكليف من الشؤون المعنوية للقوات المسلحة في أعقاب حرب أكتوبر حيث عرض على راشد عدد من البطولات فانتقى منها قصتي بطلي فيلمه؛ "مكارم" ضابط السلاح الجوي والشهيد المجند "فتحي عبادة" .



"أبطال من مصر" .. يروي عنه

  طفل عارٍ في صورة رمادية مزرقة..شاحبة بغموض بلا كآبة .. بإضاءة طبيعية وقت الغروب بعدما أسلمت الشمس وهجمها الدافىء فلا أثر لضوئها المباشر في لمسة سحر أسطورية شعرية..يتقدم نحو النهر منسابا فيه ملتحما بالطبيعة الأصل كجزء منها ..متدفقا بمهارة وطاقة تألف فعلا جينيا نحو متدفق أكبر .. فيفيض بجسده الحر الصادح في البرية في ماء النيل كما طقس تعميدي تبدأ به الحياة والهوية، وذلك في مشهد افتتاحي ( أفان تتر ) تعبيري يربط الكيانين البشري والبيئي ( الإنسان المصري والنيل ) ممهدا لموضوع الفيلم بشكل شعري روائي بخامات الفيلم الأولية لا دخيلة عليه.


حكايتان ورحلة ..

   ينقسم الفيلم لقصتين الأولى قصة الضابط "مكارم" قائد إحدى كتائب سلاح الطيران في حرب أكتوبر والتي أسقطت 7 طائرات وقد عاد سليما منتصرا والأخرى للشهيد فتحي عبادة، لم تسد الفيلم حالة تقريرية أو دعائية مستدرة أو لتعاطف أو معظمة لحالة الفقد وإن ساد شجن هادىء يسعى لابتهاج أو ابتهاج يكسوه لمحة شجن كما الثيمة الرئيسية للحن الموسيقي المميز الذي وضعه الموسيقار جمال سلامة المتشرب لمذاق البيئة المصرية آلة الفلوت بتأثير صوت الناي مع آلة القانون بزخرفة حيوية هادئة تنسجم مع الحالة الدرامية ومع حضور النيل وسيادة روحه معا، يبدأ الفيلم بعد التتر بطريق سفر لا يخل من المفردات الحميمة للبيئة المصرية كجزء من النيل على الضفة الأقرب للشاشة والشجر والنخيل على الضفة الأخرى خاصة مع حضور الشمس أيضا والتي تعددت حالاتها الضوئية في الفيلم الذي لم يتخطاها لليل أو الظلام وإن كانت أبرزه حالاتها في وقت الغروب بدرجات أيضا متفاوتة لا تحمل جميعا كآبة رغم ذلك..هنا في هذا المشهد لبدء الرحلة تبدو الشمس مبكرة قليلا عن وقت الغروب .. نرقب سيارات الطريق السريع حتى تمر سيارة التصوير التي تتبعها الكاميرا وتصحبها باتجاه حركتها حين تأتي بحركة كاميرا " tracking" ، فالحالة التسجيلية ليست مستترة تماما في الفيلم بل إن المشهد يصاحبه تعليق صوتي لمخرج الفيلم وهو يعبر عن حيرة صنع فيلم عن أبطال مصر مقررا ضمنيا أن البطولة تتضمن الشعب نفسه وأهله البسطاء، كما يظهر في مشهد آخر وهو يجري الحوار مع أهل البطل الثاني أو أحد أفراد طاقم العمل وهو يسجل صوتيا ..وهو ما لم يكن سائدا في الأفلام التسجيلية لكن هذا الظهور وكسر الإيهام من الواضح تعمده كحالة تقترب للفيلم داخل فيلم، ربما لتأكيد واقعية فيلم بدت عناصره وعالمه الغني روائيا أي ككسر متخوف من طغيان هذا البناء الروائي الدرامي للفيلم السابق أسلوبيا لعصره باقترابه لشكل "الدوكيودراما" كأحدث أنواع الفيلم التسجيلي الآن، فالدمج التسجيلي الروائي أكثر ما ميز هذا الفيلم على وضوحه التسجيلي وفكرته المقررة مسبقا فبدا فيلما دراميا صادقا تلقائيا معا نابعا من حكايات الناس والمكان.


الشكل الروائي التسجيلي .. الواقع راويا صوفيا

   اعتمد الفيلم وهو سيناريو أيضا أحمد راشد؛ الشكل القصصي كشكل سردي من خلال تقسيمه لقصتين تم دمجهما لتنبع إحداهما من الأخرى بسلاسة دون فصل حاد وبتجانس محكم طال كل الفيلم مما يعد أقوى ما يحسب له، فاشتفت الحكاية الثانية من رحم الأولى بشكل سلس حيث يتجه بنا ضابط الحكاية الأولى في نهاية حكايته إلى المقابر ببدلته العسكرية زائرا قبر زميله الشهيد فتحي عبادة في لمسة وفاء خاشعة في وقفة مستقيمة باتجاه القبر تعلو معها الكاميرا وتبتعد بهدوء موحية بتحية روحية كقراءة الفاتحة أو تشريفية باسم الوطن يؤكدها ارتداء البدلة العسكرية، لتبدأ بذكر اسم الشهيد فتحي عبادة في نهاية المشهد السابق حكايته في المشهد اللاحق والانتقال لتعليق بصوت أبيه مع مشهد لجريان النيل ثم طريق السفر بلائحة تشير إلى بني سويف بما يقدم حالة الارتحال في أرجاء مصر لأبطالها الملتقين في نفس المعركة وتتبع سيارة التصوير في الطريق من جديد وتكرار تقديم الطريق كبداية لكل حكاية مما يزيد ترابط الفيلم وتأسيس وحدة عضوية بصرية تربط أجزاء الفيلم وتدعم الحالة الروائية بماء متجانس بين القصتين..كماء النيل الحاضر دوما كضلع درامي بصري له دلالته، مع سيادة لحن موسيقي واحد في تجدد ..يتسارع إيقاعه أو يتباطأ ويطول أو يقصر .. يعلو ويخفت باعثا حالات متنوعة بحسب السياق من بهجة وتأمل وشجن وإن كان دائما شجنا مبتسما حانيا، فوحدة البناء الكلي حاضرة دوما بلا افتعال، كلا القصتين تبدآن بصوت كل أب ساردا عن ابنه.. وهذا الخيار بحد ذاته معبر بشكل مؤثر عن مدى بطولة المحيطين وأكثر المعنيين؛ الأول عاد إليه ابنه والآخر فقده .. لكن كلاهما فخور قوي راض بلا ندم، وهذا التنوع في مصير البطلين أضاف للحالة العامة ودعمها خاصة حين نعلم أن الأب الأول غامر طوعا بابنه الوحيد الذي كان يسهل إعفاءه من التجنيد تقديسا للنداء الوطني، وباختيار الفيلم ترتيبه بتقديم قصة البطل الحي عن البطل الشهيد يخدم المقارنة التلقائية اللاحقة حين تضيق الهوة ولا تتسع في ردة فعل الأسرة الثانية بالنسبة للأولى رغم فارق الحالتين، فبعكس المتوقع نفاجأ بفخر وتماسك صلب يخشع من يتأمله وإن أفلت الحزن من جنباته كزخات هادئة راضية لا جزعة تفرض تلقائيا لا إملائيا اتساع كادر البطولة لخارج الميدان وتسليط الضوء على خام البشر الصانع لها.

   بالطبع كان المشهد الافتتاحي بسباحة الطفل في النيل أهم مظاهر الشكل الروائي في الفيلم برؤية شاعرية ميثولوجية تعمق حالة الانتماء البيئي الروحية، ليجيء صوت المخرج في تعليقه البادىء للسرد بعد التترات بما لذلك أو عليه؛ كراو مجازي يقدم للحكاية بما يشبه البورولوج المختصر وهو أحد أضلع المسرحية الإغريقية كان يلقيه ممثل أو مدير المسرح بالتوجه المباشر للجمهور لتهيئة ذهنه وتوضيح فكرة العمل وخطوطه الأولية ممهدا للأحداث قبل بدء العرض، بما يعكس ميلا للحالة الروائية الدرامية متأثرا بأصولها المسرحية دمجها بالحالة التسجيلية بالتوازي فحتى أن معدات التصوير ظهرت في أحد المشاهد مع تعليق خاطف أبقي عمدا من الأهالي الظانين أنها لتركيب الكهرباء، مع ظهور سيارة التصوير في الطريق عند بدء القصتين، فالدمج المتعمد واضح وهو ما يعيدنا لما سبق وطرحناه حول رؤية المخرج الذي في الأغلب رأى كلا الحالتين تضيفان للآخر حيث الواقع حكاية، فلم يستطع التخلي عن أحدهما بل خشي أن يفقد غياب أحدهما ثراء الحالة الغنية بالروائية والواقعية معا وإن كان اجتماع الخيارين أيضا موضع التباس.

  إذن فحالة الحكاية حاضرة.. هناك سرد متكامل مشبع بالشخصيات والتفاصيل والأحداث سواء السابقة أو اللاحقة للحدث الذروة ( المعركة )، يتكشف عالم الشخصية القريب والأبعد ونتعرف على ملامحها سواء كانت حاضرة كالبطل الأول أو غائبة كالشهيد الثاني بما يفسح الطريق لسريان العاطفة الخاصة بكل حكاية عبر السرد والشخصيات، بسرد مكتمل التتابع لكن ليس متسلسلا بالضرورة، فالسرد متنوع أسلوبا وترتيبا، في الحكاية الأولى تبدأ ببطلها حيا سليما يلعب مع ابنه ضاحكا في حديقة ثم يبدأ الأب في سرد ما قبل المعركة ثم نصل للمعركة بمشاهد ممثلة لها مع مونتاج متوازي لأسرة البطل الصغيرة وقتها بدمج بين المشهدين والحالتين من خلال خطاب تتلقاه الزوجة من زوجها المقاتل يروي لها عن المعركة ويطمئن على أسرته ليذهب بنا للحظة الحاضرة لنفس الموقع حيث الأب العائد مع ابنه فوق إحدى الدبابات المتبقيات من المعركة يتفقدانها بحالة من اللهو تغذي حالة ومذاق النصر ليذهب بنا في مشهد انتقالي بعده ليزور قبور رفاقه وخاصة بطل الحكاية القادمة بما لتلك النقلة من حي لميت من شجنها خاصة مع ابتعاد الكاميرا في اللقطة الطويلة واتساع مشهد القبور المتراصة كحالة منح جامدة مستمرة ، لنترك القصة الأولى وما تمثله من حالة عصرية تبدو في المدينة وهو تنوع جيد لنبدأ القصة التالية وهي في الصعيد بسرد جديد لأب جديد عن ابنه دون ظهوره مع تأمل جريان النيل ومشهد للطريق إلى بني سويف يلعب على ضفاف نيله البط ثم وصول لمقر الأسرة ؛الأم والأب والإخوة والتعرف على شخصية الشهيد وعالمه النفسي من خلال كتبه وخطه وخطاباته وحكايات الجميع الخالية من المبالغات والافتعال، مع التعرف على عالم وعمل الأب مفتش ري الطرق والأم الفراشة في وحدة صحية اللذان ينفيان بصمودهما حالة الرثاء لتتحول لإعجاب وتقدير بما لا ينفي حزنهما الذي يظهر بشكل أو بآخر سواء بفخر الأب بحزن دفين يحس وهو يقرأ جملا من خطاب ابنه أو بالتركيز على خط العلاقة بين الأم وابنها وما يضمه من عاطفة لا يغفلها أحد رغم عدم بكائها ومنها حديثها عن زيارة ابنها لها في أحلامها قبل موته بلمحة ميتافيزيقية جاذبة أو الحشرجة الصادقة لصوتها وهي تنفي اعتراضها على موته بكونها مؤمنة بجملة صارت شهيرة في الفيلم" لكن الفراق صعيب"، وباكتمال الحالة التي لم يتطرق فيها السرد لواقع المعركة مكتفيا بتصورها حيث تم استشهاده وهو خيار شديد البلاغة والاتزان خاصة مع تطرق الحكاية الأولى لذلك ومع وصولنا لشجن لا بد منه؛ يأتي الخيار الأقوى باختتام الحكاية بمنح ابن جديد "عبادة" الأخ الأصغر لفتحي ليقدم بصلابة ورضا للوطن في مشهد كموكب الوداع صيغ تشكيليا وضوئيا بكاميرا سعيد شيمي مدير التصوير بحساسية وثبات كما مشاهد كثيرة بعمق بارع وجمالي كان منها المشهد الافتتاحي ومشاهد الأم التي التقطت شاردة في وضع جانبي كلوحة مكتملة التكوين، وهذا المشهد الوداعي الأخير الذي قدم بحالة تسليمية يتسع معها الكادر؛ لنرى بيوت القرية وبضع شجيرات نخيل بعيدة ..ونرى الأهل مجتمعين ككتلة واحدة..هم في الظل وهو في نطاق ضوء الشمس الهادىء يبتعد مع علو وتدفق إيقاع الموسيقى بحالة بهجة ممزوجة بشجنية الموقف ومبشرة معا بالأمل دون بكاء أو صراخ .. بل بثبات له جلال، تتابعه الكاميرا ليتغير وضعه في الكادر مع حالات الإضاءة من جانبي جزئي معتم "سلويت " ليصبح في مركز الصورة واضحا مبتعدا بخطى قوية باتجاه الشمس التي تلوح في منتصف الأفق هادئة حنونة كمشهد للنهاية موح بالأمل يتصل مكانيا وزمانيا بلحظة ولقطة البداية في المشهد الافتتاحي كالتسليم والتسلم لحالة تتابعية حيث نفس المكان والتوقيت ودرجة إضاءة الشمس ونفس اللحن الموسيقي بدرجته، نفس المكان لكنه يظهر مكتملا بالارتفاع قليلا بالكاميرا والرجوع للخلف في مشهد البداية ليبدو فرع النيل الذي يؤدي فيه الطفل طقس هويته وتعميده النيلي المجازي .


أمومة بيئية وظلال أسطورية ..

   بدت ملامح البيئة صوتا وصورة جلية حاضرة طوال الفيلم ، سواء في الأصوات الحية أو أصوات الطيور كالديك أو صوت المياه بشكل هادىء أو واضح بصبه في البلاص مع صورت الحركة الطبيعية للحياة وحضور النخيل والأشجار والنيل والمياه والطيور كالبط في مياه النيل وحيوانات البيئة، فتعميق حضور البيئة جزء أساسي من نسيج الحالة المصرية الجذرية للفيلم ، حتى الموسيقى اصطبغت بنفس الحالة ، بينما كانت الحالة الإضائية دائما طبيعية منحصرة في النهار لم تتعد غروب الشمس كجزء من حالة احتفائية بلا بكائية مكتفية بشجنها الداخلي الشفيف، الإيحاء الأسطوري أيضا جاء متلائما مع الحالة الروائية الشاعرية مضيفا امتدادا روحيا جذابا سواء في لقطات الطفل العاري عند النيل أو لقطاته حرا في البراري إثر حديث عن نبوءة من الطفل أخو الشهيد بأن أخيه في الجنة مع حديث الأم عن زيارات الإبن في المنام.


أداجيو.. التعليق الصوتي والإيقاع

   جاء التعليق الصوتي كجزء أساسي في الفيلم وأسلوبه لكنه لم يكن تعليقا من خارج الفيلم بصوت دخيل ..حتى تعليق المخرج في البداية تعليق بنائي لصانع الفيلم لم يتكرر، فالتعليق الصوتي كان طوال الفيلم بلسان شخصياته الأساسية سواء ظهرت شخصيا أو كانت غائبة كالحالة الوحيدة لصوت الشهيد فتحي عبادة في قراءة خطاباته، هذه التعليقات جاءت في سياق سردي طبيعي لكنها أحيانا ما كانت تسمع دون ظهور الشخصية إما في حالة حكي في الزمن الحالي باللهجة العامية كالأب في كل قصة والأم والإخوة والأصدقاء في القصة الثانية، أو كاسترجاع للذكرى وانتقال زمني يصبح باللغة الفصحى كتمييز لمستوى السرد، كالتعليق بصوت الشهيد أو تعليق الضابط العائد الذي نسمعه من خلال خطاب مسترجع أثناء المعركة لزوجته وإن كان يقطع للحظة آنية بالعامية عن أحداث المعركة ليعود للحالة السابقة ثانية بعد ذلك،ويجيء الصوت عادة سابق لبداية المشهد بما يلفت الانتباه وقد يصاحب لقطة أساسية أو معبرة ثم ينتتقل لصاحبه ، فتنوع حالات وشخوص التعليق الصوتي وتعدد مستوياتها السردية جاء مضفيا المزيد من الثراء والتدفق الإيقاعي المميز للفيلم مشكلان معا أداجيو.. تلك الرقصة الثنائية في الباليه، فهناك انسيابية في تكشف المعلومات وتدفق الإضافات الدرامية بحالة تكثيفية دون تكدس ..فبعد الدقيقة الأولى من الفيلم على سبيل المثال كنا قد انتقلنا لمشاهد في المعركة بعد تسلسل سابق وهو ما يحسب أيضا لمونتاج كمال أبو العلا، واستكمالا للحديث عن الإيقاع فهناك تنويع في التنقل بين الصورة الحية والفوتوغرافية واستعراض الصور الفوتوغرافية الثابتة باعتبارها مشهدا مستقلا بتقريب الكاميرا والتحرك بها ( pan) لاستعراضها أفقيا أو بالتقريب والبعد التدريجي " زوم إن ، زوم آوت "، مع الاهتمام عموما بالحركة وخلقها بشكل طبيعية ولو كانت بقفزات بط في الماء، وإيفاء للحالة الإيقاعية فيكفي أن نتذكر أن كل هذه الرحلة والتجوال البشري والمكاني العميق الثري والتنقل ذهابا ومجيئا عبر الزمن والمكان لم يستغرق سوى خمس عشرة دقيقة..في أوردة مصرية. 


( نشر في مجلة "الفيلم" عدد سبتمبر 2017 )




  • 1

   نشر في 14 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 أكتوبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا