التراث والحداثة وتعدد وجهات النظر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التراث والحداثة وتعدد وجهات النظر

طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري نموذجا

  نشر في 21 شتنبر 2015 .

حمزة الوهابي باحث مغربي

مدير نشر مجلة قباء الشبابية

اختلفت التوجهات الفكرية كثيرا في معالجة قضية الحداثة والتراث، وأفيض في الأمر أنهار من المداد، وذلك لمحاولة إيجاد حل لهذه القضية التي استعصى حلها منذ ما يزيد عن نصف قرن عند المفكرين والفلاسفة العرب. ولقد كان العامل الإديولوجي من بين أهم العوامل التي حالت دون الوصول إلى وجهة نظر متوافق حولها. حيث يؤكد عبد النبي الحري في معرض حديثه عن الصراع الفكري بين طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري ، على أنه في أكثر من موضع هناك درجة من الانفعالية والحدية عند كل من الجابري وطه عبد الرحمن؛ فكلما أقام الأول فكرة عاكسها الثاني. والشاهد في ذلك عنده، أن الجابري قدم قراءة إديلوجية للتراث، فقسمه إلى ثلاثة دوائر وهي البرهان والبيان والعرفان، فكان رد طه عبد الرحمن أن قسم التراث تقسيما ثلاثيا أيضا، وهو العقل المجرد والعقل المسدد والعقل المؤيد . وقد طرح الجابري أيضا حل إحياء البرهانية الرشدية لحل مشاكل التراث والتيارات العنيفة، وإقترح طه في المقابل إحياء العرفان الغزالي لمواجهة مشاكل التراث والتيارات العنيفة .

وينبني اختلاف طه والجابري على مجموعة من الأسباب الأخرى غير الإديولوجيا، وهي تعتبر عوامل مركزية في النسق الفلسفي لأي مفكر. فما هي هذه الأسباب التي حالت دون توافق وجهات نظر كل من الفيلسوف محمد عابد الجابري والفيلسوف طه عبد الرحمن في موضوع الحداثة والتراث؟

المبحث1: منطلقات التحديث عند كل من محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن:

من القراءة الأولية لكل من مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، يتجلى للقارئ اختلافهما في موضوع الحداثة والتراث منذ الوهلة الأولى. وعند وضع خلاصات المشروعين في تقابل تزداد ملامح هذا الاختلاف تجليا بشكل أكبر، فتجد أن أولى أوجه الاختلاف هو منطلقات كل منهما، فإذا كان الجابري ينطلق من الحداثة الغربية لنقد التراث؛ أي يدعوا إلى تحديث التراث ليكون مواكبا للتقدم والنهوض الغربي؛ فطه عبد الرحمن ينطلق من التراث لتأسيس الحداثة الإسلامية، أي يدعوا إلى تأسيس حداثة إسلامية انطلاقا من التراث الإسلامي، كما ويدعوا في معرض حديثه عن الحداثة الغربية إلى أسلمتها أو تخليقها بتعبيره، ويعترض على استيراد حل جاهز من بيئة أخرى مهما كانت ثماره في بيئته، ومنطلقه في هذا أنه من الواجب أن نتبع في وضع مفاهيمنا وصوغ أحكامنا قاعدتين منهجيتين نقديتين خاصتين بنا، كل واحدة منهما تفيد في التمرس بالإبداع بقدر ما تفيد في ممارسة النقد .

1- فكل أمر منقول معترض عليه، حتى تثبت بالدليل صحته.

2- وكل أمر مأصول مسلم به، حتى يثبت بالدليل فساده.

كما أنه دعى إلى تأسيس أنموذج الحداثة الإسلامية ينطلق من الأخلاق كأصول لبناء النموذج بدل العقل، ويذكر أن هذه الأصول استخرجها من معين تجربته الروحية كما ورد في مقدمة كتابه "روح الحداثة" وهي كالتالي:

-أن الأخلاق صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة لدى الإنسان، وليست هي مجرد صفات عرضية أو كمالية لا يقدح تركها إلا في مروءته.

-أن القيمة الأخلاقية أسبق على غيرها من القيم، بحيث لا فعل يأتيه الإنسان إلا ويقع ابتداء تحت التقويم الأخلاقي.

-أن ماهية الإنسان تحددها الأخلاق وليس العقل، بحيث يكون العقل تابعا للأخلاق، فيكون محمودا متى أفاد ومذموما متى أساء، وليس العكس.

-أن الأخلاق مستمدة من الدين المنزل.

-أن الإنسان بموجب أخلاقيته، لا يستطيع أن يتجرد كليا من حال التدين ولو سعى إلى ذلك ما سعى، لأنه وإن أبى التدين اختيارا ومن حيث لا يدري، فإنه يقع فيه اضطرارا ومن حيث لا يدري.

وتجدر بنا الإشارة في هذا المقام، إلى كون هذه المسلمات التي ينطلق منها طه عبد الرحمن في بناء الحداثة الإسلامية، خلص إليها من خلال الخلاصات التي انتهى إليها في كتابه "العمل الديني وتجديد العقل"، فيؤكد في معرض تحدثه عن اليقظة الدينية على أنها رغم انتشارها-أي اليقظة الإسلامية- في الآفاق إلا أنها تفتقد إلى سند فكري محرر على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة، فلا نكاد نظفر عند أهلها لا بتأطير منهجي محكم، ولا بتنظير علمي منتج، ولا بتبصر فلسفي مؤسس على حد تعبيره. وينتهي في معرض مقدمته إلى ضرورة بيان الشروط التكاملية والتجديدة التي تجب في تيقظ اليقظة الدينية، ويعزي هذه الشروط إلى صنفين من الشروط، يدخل أحدهما تحت مسمى "التجربة" ويدخل الآخر تحت مسمى "التعقل". فلا سبيل إلى اليقظة الاسلامية أو النهضة حسبه إلا بطريق ينفذ أولا إلى أعماق التجربة الإيمانية، ويبلغ الغاية في التغلغل فيها؛ حتى إذا أدرك الداخل فيها نصيبا من هذا التغلغل، كان حاملا له على الإتصاف بمكارم الأخلاق؛ ثم يتوسل ثانيا في تأطير وتنظيم وتأسيس هذه اليقظة المعززة بالتجربة الإيمانية العميقة بأحدث وأقوى المناهج العقلية وأقدرها على مدنا بأسباب الإنتاج الفكري.

وبخلاف ما ينطلق منه طه عبد الرحمن في تأسيس اليقظة الإسلامية أو التحديث الإسلامي، ينطلق محمد عابد الجابري في دعوته إلى تحديث التراث من منهج خاص ومناقض للأول، بحيث يعمل على استدعاءه للعقلانية النقدية، أو البرهانية الرشدية على حد تعبيه، في تنظيره للنهضة العربية. فقد افتتح الجابري القول في أطروحته "نقد العقل العربي" بكلام بالغ الدلالة، يكشف بشكل واضح أبعاد أطروحته، ومراميها، فيقول: «يتناول هذا الكتاب موضوعا كان يجب أن ينطلق القول فيه منذ مائة سنة. إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة. ولكن نهضتنا العربية الحديثة جرت فيها الأمور على غير هذا المجرى، ولعل ذلك من أهم عوامل تعثرها المستمر إلى الآن. وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟"

ومنه يتجلى لنا أن المنطلق الذي بنى عليه الجابري أطروحته في نقد التراث، هو "العقل الناهض"، وفي هذا المعنى يقول الجابري: "العقل العربي كما سنتناوله بالتحليل والفحص في هذه الدراسة... [هو] الفكر بوصفه أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذات، الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام وتعكس واقعهم أو تعبر عنه وعن طموحاتهم المستقبلية كما تحمل وتعكس وتعبر، في ذات الوقت، عن عوائق تقدمهم وأسباب تخلفهم الراهن". وبعد أن يأتي الجابري على بيان حدود العقل، والاستدلال على سلطته على الوجود، ينصرف الجابري إلى تفسير تكوين العقل العربي بأبعاده المختلفة اللغوية، والفقهية، والفلسفية، والكلامية... إلخ، ويحاول ربطه بشروطه الموضوعية والتاريخية، وقد استغرق منه هذا الأمر الجزء الأول من الكتاب، أما في الجزء الثاني من الكتاب فقد عكف على تحليل بنية العقل العربي، وكشف تعالقاتها الداخلية، واستخدم في هذا السياق مقاربتين منهجيتين، مقاربة أسماها "تكوينية" ومقاربة "تحليلية بنيوية" .

ثم ينتهي إلى تشخيص علَّة التخلف العربي، حيث أرجعها بشكل عام إلى استقالة العقل، التي ظهرت تجلياتها في مكونات الثقافة العربية الثلاث، البيان، والعرفان، والبرهان، بأشكال وصيغ متباينة، فالمسلمون "بدؤوا يتأخرون حينما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته، حينما أخذوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه".

وانطلاقا من المخرجات التي انداح عليها نسقه الفلسفي، يقترح الجابري إذا تأسيس حداثة في الواقع العربي انطلاقا من تجديد الصلة بالعقلانية النقدية، فلا حداثة بالنسبة له بدون تجديد الإتصال بالتراث، لكن هذا الإتصال مع التراث يكون بمعالجته ونقده نقدا عقلانيا ليساير الحداثة الغربية ! ويقول في معرض حديثه عن الإتصال: " لا نهوض و لا تطور إلا بالمراجعة والتجديد، مراجعة القديم بالمنهج الحديث من أجل استيعاب حركة التاريخ، وذلك بالاستفادة من الأصالة ومواكبة المعاصرة، فالأصالة و المعاصرة لا ينفصلان، ومن ينشد الأصالة بدون المعاصرة كمن ينشد المعاصرة بدون الأصالة، إذ الأول مقلد والثاني متبع، فالأول يقلد المتقدمين من السلف و الثاني يتبع المتأخرين من الخلف." ويقول أيضا: "إن القراءة العصرية للتراث التي نقترحها و نطبقها تهدف كما قلنا إلى جعل المقروء معاصرا لنفسه على صعيد الإشكالية النظرية و المحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي أي قراءته في محيطه الاجتماعي التاريخي من جهة و في ذات الوقت جعله معاصرا لنا من جهة أخرى، على صعيد الفهم والمعقولية ... و هذا فيما أعتقد هو المعنى الحقيقي و العميق للاجتهاد كما مارسه كبار علماء الإسلام، ولكن مع تلوينات و تنويعات و تفريعات تختلف باختلاف الموضوعات. أما القوالب الجاهزة الجامدة، سواء كانت قديمة أو حديثة، فهي لا تملك أن تقدم غير شيء واحد هو القراءة التراثية للتراث التي تجر حتما إلى القراءة التراثية للعصر: قراءة عصرنا بنفس تراثنا أو بتراث آخر وثقافة أخرى".

وإجمالا؛ إن أطروحة محمد عابد الجابري التي يقترحها للتحقق بالحداثة، وتدارك التخلف التاريخي الذي نعانيه، تنبني على استدعاء العقلانية النقدية، كشرط لإطلاق دينامية إبستيمولوجية وثقافية، منتجة للحداثة في المجالات المختلفة، وأي سعي للتحديث خارج هذه القاعدة هو ضرب من ضروب العبث، ومضيعة للوقت والجهد. في حين ينطلق طه عبد الرحمن في بناءه للأنموذج الحداثي الإسلامي، من خلال التنزيل العملي لروح الحداثة التي يجب أن تؤسس على التجربة الروحية لتتحقق بالتخلق وكذا أن تؤسس على المنهج العقلي الرصين لتمدنا بأسباب الإنتاج الفكري، فالحداثة عنده ليست هي تقليد ما عند الغير قولا وفعلا.. ولكنها إتيان ما يضاهي ما عند الغير إنتاجا وإبداعا.

المبحث الثاني: المبادئ الأساسية للتحديث عند كل من محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن:

المطلب1: مبادئ التحديث عند طه عبد الرحمن:

يبدأ طه عبد الرحمن كتابه "روح الحداثة مدخل لتأسيس الحداثة الإسلامية"، بالتركيز على ضرورة إبداع المجتمع المسلم لمفاهيمه أوإعادة إبداع مفاهيم غيره، حتى تصبح كأنها من ابداعاته ابتداء ، ثم يعرج بعدها على الاعتراض على دعاوى المقلدة، وهم على حد تعبيره زمرة من أهل الفكر تدعي أنها استطاعت أن تهتدي في هذا التيه المهلك، وهما أحد النوعين: أحدهم يضم الذين يقلدون المتقدمين من المسلمين، ويسميهم مقلدة المتقدمين؛ والنوع الثاني يضم الذين يقلدون المتأخرين من غير المسلمين، ويسميهم مقلدة المتأخرين. فالصنف الأول يتعاطون حسبه إلى اسقاط المفاهيم الإسلامية التقليدية على المفاهيم الغربية الحديثة، كإسقاطهم لمفهوم الأمة على مفهوم الدولة أو اسقاطهم لمفهوم الشورى على مفهوم الديمقراطية، ويتوسلون في تلك الإسقاطات المختلفة بخطاب يريدون أن تكون له صبغة علمية توجيهية، ولكنهم يقعون في شرك الوعظ المباشر، فيصيرون إلى رد المفاهيم المنقولة إلى المفاهيم المأصولة؛ فينتهون بمحو خصوصية المفاهيم المنقولة. وأما الصنف الثاني أي مقلدة المتأخرين، فهم زمرة من الذين يتعاطون إسقاط المفاهيم الغربية المنقولة على المفاهيم الإسلامية المأصولة كأن يسقطوا مفهوم العلمانية على مفهوم العلم بالدنيا، والقطيعة على مفهوم الجَبّ؛ ويتوسلون في هذه الاسقاطات المختلفة بخطاب يريدون أن تكون له صبغة عقلية استدلالية، لكنهم يتعثرون في القيام بشروطها، وهكذا يصرون تدريجا على حد تعبيره إلى رد المفاهيم المأصولة إلى المفاهيم المنقولة؛ فينتهون بمحو خصوصية المفاهيم المأصولة.

و من خلال هذا التقديم يخلص إلى نتيجة مؤدها أن الدعوة إلى التحديث التي تقوم على التأثر بالحداثة الغربية سينتج عنها التقليد، فالحداثة ليست هي تقليد ما عند الغير قولا وفعلا، ولكنها إتيان ما يضاهي ما عند الغير إنتاجا وإبداعا، وهذا هو روح الحداثة التي يجعلها طه عبد الرحمن مدار تأسيس أي حداثة لأمة من الأمم ، والتي تنداح في نظره على ثلاثة مبادئ وهي مبدأ الرشد والذي يقتضي الاستقلال والإبداع؛ ومبدأ النقد الذي يقتضي التعقيل والتفصيل؛ ثم مبدأ الشمول الذي يقتضي التوسيع والتعميم.

وهذه المبادئ التي تنداح عليها روح الحداثة تجعلها تتحقق بخصوصيات هامة، فمبدأ النقد المؤسس على التعقيل والتفصيل، يجعلها تتحقق بإخضاع ظواهر العالم لمبدأ العقلانية؛ ونقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير، ومبدأ الرشد المؤسس على الاستقلالية والإبداع يجعلها تتحقق بالاستغناء عن أية وصاية؛ والسعي إلى بناء الأفكار والمنطق الخاص بصاحبه، أما مبدأ الشمول المؤسس على التوسيع والتعميم، فيجعل الحداثة تتحقق بعدم البقاء حبيسة المجتمع الذي نشأت فيه وأيضا حتى لا تنحصر أفعال الحداثة في مجالات بعينها.

ومن خلال هذه المبادئ التي تحدث عنها طه عبد الرحمن يخلص إلى الخروج بمجموعة من النتائج الأساسية التي تمييز نسقه الفلسفي وهي :

- أن روح الحداثة تختلف عن واقع الحداثة.

- أن واقع الحداثة الغربية هو واحد من التطبيقات الممكنة لروح الحداثة.

- أن روح الحداثة متأصلة إنسانيا وتاريخيا.

- أن الأمم الحضارية كلها تستوي في الانتساب إلى روح الحداثة.

- أن واقع المجتمعات الاسلامية هو إلى الحداثة المقلدة أقرب منه إلى الحداثة المبدعة.

- أن ابتكار الحداثة الاسلامية الداخلية يستلزم إبطال المسلمات التي صاحبت تطبيق الغرب لروح الحداثة، وأدخلت عليه آفات تختلف باختلاف اركان هذه الروح.

المطلب2: مبادئ التحديث عند محمد عابد الجابري:

في مقابل ما قدمه طه من مبادئ للحداثة توجه منهج تعامله مع التراث، يقدم محمد عابد الجابري هو الآخر منهجا خاصا للتحديث ينطلق من مبادئ خاصة توجه هذا التحديث، فيقوم التحديث عنده على ثلاثة مرتكزات أساسية :

- ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث: أي إرسال قطائع ابستيمولوجية (بالمعنى الباشلاري) مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامدادها في الفكر العربي الحديث والمعاصر. ولا يعني هنا الانفصال الكلي عن التراث ذاته بل القطيعة مع نوع من التراث، بحيث نتحول من كائنات تراثية إلى كائنات تمتلك تراثها.

-فصل المقروء عن القارئ، مشكلة الموضوعية: أي إرساء عملية فصل مزدوج بين الذات والموضوع (فصل الذات عن الموضوع وفصل الموضوع عن الذات)، ذلك أن القارئ العربي مؤطر بتراثه مثقل بحاضره، ومن تم وجب "تحرير الذات من هيمنة النص التراث". ويتحقق ذلك من خلال منهج ثلاثي: المعالجة البنيوية (النص كنسق تتحكم فيه ثوابت وإشكاليات محددة) التحليل التاريخي (ربط النص بسياقه الثقافي والسياسي والاجتماعي) والطرح الإيديولوجي (الكشف عن الوظيفة الاجتماعية السياسية للفكر).

-وصل القارئ بالمقروء ... مشكلة الاستمرارية: أي ضرورة الحدس الاستشرافي كحق للذات القارئة التي تقرأ نفسها في الذات المقروءة مع الحفاظ على التمايز بين الذاتين.

ويعتمد أيضا محمد عابد الجابري في بلورته لمنهج حداثي في نقد التراث على دراسة بنيوية مستوحات من منهج الفيلسوف الفرنسي مشيل فوكو في التحقيب الحفري للعقل الغربي، حيث يخلص الجابري إلى التمييز بين ثلاثة أنظمة معرفية تتوزع إليها خارطة العقل العربي و هي ( البرهان؛ البيان؛ العرفان) .

نهاية وبداهة يمكن أن نقول إن النتائج التي سيخرج بها كل من المفكرين، طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، ستكون متضادة، وما ذاك إلا لأنهما انطلقا من أركان مختلفة، فطه عبد الرحمن كان انطلاقه مؤسسا على تجربته الروحية الخاصة، والتي يعزوا إليها هو بنفسه نواتج أفكاره، كما يعترف بذلك في كتابه "سؤال الأخلاق" وأيضا في مقدمة كتابه "روح الحداثة"، فإنها حسبه سر تخصصه بهذا النسق الفلسفي الفريد. أما محمد عابد الجابري فكان انطلاقه من خلال اتصاله بمنهج عقلي برهاني خاص، كان قد بنى أسسه الفيلسوف الإسلامي أبو الوليد ابن رشد منذ ما يزيد عن ستة قرون.

 1  الحري، عبد النبي "طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري: صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية"، منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر الطبعة الأولى، بيروت، 2014م

2 المرجع نفسه، ص: 179/178

3 المرجع نفسه، ص: 184 "بتصرف"

4 طه عبد الرحمن "روح الحداثة: مدخل لتأسيس حداثة إسلامية" المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية 2009 ص 13-14

5 نفسه ص 15-16

6 طه عبد الرحمن "العمل الديني وتجديد العقل" المركز الثقافي العربي الطبعة الرابعة 2009 ص10

7 محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط. 4/ 1991، ص. 5.

8 نفسه ص 14

9 نفسه، ص. 71.

10 نفسه، ص. 347

11 محمد عابد الجابري التراث والحداثة دراسات و مناقشات الطبعة الرابعة عن مركز دراسات الوحدة العربية ص.60

12 طه عبد الرحمن، روح الحداثة، ص 11

13 نفسه ص 11-12

14 نفسه ص 19-20

 15 نفسه ص 25-26

16 نفسه ص 26-28

17 نفسه ص 28-29

19 نفسه ص 67-68

20 السيد ولد أباه "أعلام الفكر العربي مدخل إلى خارطة الفكر العربي الراهنة" الشكبة العربية للأبحاث والنشر ط1 2010 ص 164-165

21 نفسه ص 165-  



  • حمزة الوهابي
    حمزة الوهابي مزداد بالعرائش في المغرب سنة 1993 طالب باحث في كلية الحقوق طنجة.. مهتم بالفلسفة والفكر والادب
   نشر في 21 شتنبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا