الدنيا في قصة قصيرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الدنيا في قصة قصيرة

  نشر في 11 نونبر 2018 .

لم تلبث الأيام أن انقضت كثوان لم تلبث السنين دهرا حتي مضت

قالوا يوما أن جبال الحزن تفنيها السنين كما تفني المراود ما تكتحل به العين لكن هيهات لأيام مزقتنا كلما بسمتنا وآلمتنا كلما أطعمتنا .. لا أري المرء في هذه الأرض الا كمن تناول سما منذ ولد .. لكنه سم اسمه الحياة ... تلك الرخيصة تحيا علي آلامنا بين صراخين نصرخ عندما تسكننا الدنيا ولكنا لا ندري أنا حقا نصرخ لألم سنحياه وصراخ من أحبونا يوم نفارقها .. يسر الناس لصراخ تلك القطعة الضعيفة لأنهم يعلمون أنها حية .. ولكنها حية .. قد غرست توها سما في ضحية جديدة ومدت لسانها وابتسمت بعدما تعلقت بعض قطرات دم الضحية بنابيها .. وانصرفت مسرعة بحثا عن دم جديد . هذه النجسة لا تكف ولا تشبع من دماء جديدة .. لا يعلم الناس حقا أن ما يفرحون به توا قد بدا عمره يتناقص جراء السم .. يحملونه ويطعمونه ويلاعبونه لكنه لم يفق بعد من السم قليل أيام ستمضي وينسي .. يتبسم ويلعب .. يضحك كما لم يضحك .. يحب و يثمل من الحب كما لم يثمل قط سكران .. يأكل ويسر ويحيا كما لو أن ليس طارقا بابه يوما طارق هو آخر طارق له .. ويسكن الغرف ويمدد ولكنه لا يعلم أنه غدا ممدا كقطعة متاع .. اذا أتاه الزائر ليقبض ما فيه من حياة .. عندها يفيق الثمل وينتبه الغافل

لا أري في تلك الدار سوي صليب يرفع عليه المرء كلما أريد له.. الي جلاد بسياط غليظة يجلده وهو ظان أن يوما ما سيأتي لينزله من صليبه الي حيث يجد يوما من رفق لكن هيهات

ان لذاك الجلاد لميقات عنده يؤتمر بأن كف يداك قد غدا مسكينك كعظام نخرة اذا مستها سياطك تمزقت .. عندها يسارع الجلاد بالتوقف ويحل وثاقا قد بلي من سياطه تعلقت به ذراعان نحلتها الأيام كما تنحل سواكن الأجداث طعامها ويمتد نظره الي أكتاف قد تمزقت لحومها وانفجرت دمائها وجفت كمن جف دمعه .. وظهرا قد استحال كجبال وأخاديد ويعلوهما رقبة مائلة كفلك تلاعب بها موج بحر غادر فطحنها وألقاها الي كلاب الدهر بعيدا علي جزيرة لم يسكنها يوما رجلا يخشي ربا ولا يعرف قط خيرا من شر .. تدلي أعلاها بقايا شعر أغبر .. أشعث كدروب الدهر أعوج .. ممزقا كشعر من ناحت بعلها يومها وما ملكت نفسها أن مزقت دروب شعرها كما مزق الدهر دربها

أفق يا سكران .. يزعق الجلاد .. قد فرغنا منك .. يضرب كتفه المزقة بقبضته كمطرقة مزقت ما قد عاش وأيقظت من أسكرته الضربات حتي غدا ميتا يتنفس .. يخبر الطبيب أنه حي ولكنهم لا يعلم عن الحياة سوي بضع أنفاس ودقات ويظن أنها تحمل بينها حقا حياة .. كان يمر عليه كل يوم ليخبر الجلاد أن مصلوبك ما زال حيا فاشرع في تمزيقه .. فلا يلبث في المباشرة ككلب عقور

أفق فان لغيرك دورا .. يقبضه من كتفه عاصرا فيرتعد المسكين من أظافره التي قد انغرست في أحد تلك الطرق التي خطتها السياط في أعلي الكتف ولكنه لا يقوي علي الصراخ .. قد امتص صراخ الأيام ما تبقي من ذاك الصوت .. يديره اليه يجلو وجه قد حكي من الدهر حكايات .. جبهة تكاثرت خطوطها حتي أن الناظر لها قد يتيه كما قد توه الدهر صاحبها .. تدلت أعلي حاجبان راكعان يائسان .. كمن يطلب الرحمة من شيطان .. تساقط الكثير من شعرهما كأشجار ابتلعت أوراقها عواصف و أحرقت شعوبها رعود جائعة .. يسكن أسفلها جفنان قد سقطا كشراعا فلك مزقا بعدما غدرتهما ريح شر .. أو كمن أغلق نوافذه حتي لا يصيبه من جراد الدهر ما قد أصاب ما حوله وأسقط ما قد عاش يوما .. وغدا مرتعبا من نور النوافذ ومن كل ما يحمله له .. قد اصطف فوق الحاجبين صفان من أهداب سوداء كنساء قد اجتمعن في عزاء .. يرتفع الجفنان في بطء كمن أثقل عجوزا بجبال من حجر .. فانكسر ظهره .. وانمحي أثره وغدا ميتا ينتظر الاكرام بعدما يحمل صاحب الأحجار أحجاره .. يرتفعان ليجلو أسفلها عينان كالأرض اليابسة التي بزلت ما فيها من حياة ونضحت ما فيها من مياه .. وتشققت وسكنها الموت .. يمتد تحت كل عين من عينيه خطان .. اجتمعت فيهما من الألوان الكثير .. ومن الآلام الوفير .. فيهما أحمر كبراكين حارقة انفجرت وأتت علي كل حي فأحرقته .. أو كأنهر دماء من قد طعن توه وفقد ما كان يبقيه حيا ما بقي .. فيهما من السواد كريش جوارح سكنت ديار قوم أكلهم الموت الأسود وصارت تقتات يومها عليهم .. تجامعت عليها ذرات الغبار كما تتجامع ضباع الغابات بعدما يفرغ الأسد من طعامه .. بين الخطان أنفا لا يعرف الأنفة .. دس في التراب كموؤدة .. وتحطم كما تحطم زلازل الدهر أعتي الراسيات .. أسفله فم أظلمت شفتاه كليل مكلوم .. أو كدهر سقيم مشئوم .. قد يعرف الماء كما قد يعرف ابليس ذكر ربه .. وقد عرف العذب كما قد يعرف العذب شاربو الحميم وآكلو الزقوم .. تحوطه شعيرات كضرير ضل في بلد صم يحسب أنه مهتدي ولا يهتدي ..

ينحل وثاقه فيخر صريعا ويحمله الجلاد الي غرفة كالقبر تعصر ساكنها من وحشتها .. ويلقيه الي الأرض وينصرف بحثا عن مصلوب جديد .. تمر الساعات ساكنة لا يقطع سكونها سوي أزيز قوارض تبحث في الأرض .. الزمن قد انقطع فلا ليل ولا نهار .. والحس قد امتنع فلا حزن ولا سرور .. قد جف الدمع بعدما جري أنهارا .. قد اسود القلب بعدما تألم أدهارا فصار كالحجر بل أشد قسوة .. لا يعرف طعما سوي المر ولا يذكر ملمسا سوي الشوك وأفاق صاحبه علي شدة آلام في ظهره وحرارة في جسمه وضعفا فوق ضعف فوق ضعف ... تتسارع دقات قلب مات ألف ألف مرة .. ينازع الحياة كصغير تخنقه قاتلة تخشي الفضيحة .. أنفاسه تسكن .. وعيناه تظلمان .. وينام الصغير وتحيا القاتلة .. لقد توقف كل شئ لم يعد وجود سوي للسكون .. الزمان كله ليل .. تعدو الايام سريعة حتي يأتي الجلاد علي رائحة الموت فيحمل الجيفة الي كلابه الجائعة لتنهي ما ترك منها الدهر



   نشر في 11 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا