تحليل سياسي لانتفاضات الشعوب المسلمة في ما بات يسمى بالربيع العربي؛ الجزء الأول: مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تحليل سياسي لانتفاضات الشعوب المسلمة في ما بات يسمى بالربيع العربي؛ الجزء الأول: مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية

الجزء الاول: مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية

  نشر في 25 ديسمبر 2014  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

هذا مقال كتبته سنة 2011، و نشرته لاول مرة في صيف 2012. و نظرا للأحداث و التحولات التي لازلنا نعيشها في العديد من البلدان الاسلامية، و خصوصا ما سُمِّيت ببلدان 'الربيع العربي'، أود إعادة نشر هذا المقال لعله يثير نقاشا فكريا حول مفهوم الثورة و ما يجب ان تحققه، فالإنسان في حاجة مستمرة لإعادة مراجعة أفكاره و وضع اهدافه نصب عينيه حتى لا يزيغ عن الطريق السوي المبدئي و لا يُضيع هدفه!

و فيما يلي نص المقال: 

الجزء الاول:

إن أبعد ما كان يتصوره أحدٌ هو أن تثور الشعوب المسلمة في البلدان العربية ضد حكامها. فلطالما سكتت هذه الشعوب عن الظلم والفساد ورضيت بالهوان والذل وبالعيش الظنك، حتى حُكم عليها بالجبانة ثارة، وبالميتة ثارة أخرى.

ولاشك أن من كان هذا ظنه بهذه الشعوب، تكون دهشته كبيرة، ويكون إعجابه بها أكبر، وتتملكه نشوة السعادة والافتخارحين يراها الآن وقد قلعت الخوف الذي سكن قلوبها لعقود من الزمن واستيقظت من سباتها العميق لتعلن أنها حية وتعتزم استرداد سلطانها المسروق منها وكرامتها المنتهكة.  

إلا أن لحظات النشوة هاته لا يجوز لها أن تترك المشاعر و العواطف تتغلب على تفاعلنا مع الأحداث الجارية، فتتغلب علينا النظرة السطحية الآنية التي طالما كانت سبب فشلنا في التعامل مع كل الأحداث التي تجري في العالم منذ أكثر من قرن من الزمن، فكانت عواقب غالب تلك الأحداث علينا بدلا أن نجعلها تكون لنا.  

من هذا المنطلق أُقَدِّم هنا بحثا يتطرق للأحداث الجارية بعمق، وأطرح آراء وتساؤلات عما يجب أن تكون عليه الثورة وما يجب أن تحقق.  ويتضمن البحث نقطتين عريضتين:    

1) مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية.    

2) حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغيير جدري وحقيقي.    

الجزء الأول : مفهوم الثورة ومقوماتها الأساسية: 

 

الثورة هي القلع الجذري لنظام دولة واستبداله بنظام جديد منفصل ومنقطع تماما عن القديم ومخالف له. ويشمل التغيير المبدأ الذي تقوم عليه الدولة وتُبْنى و تنهض على أساسه الأمة، وما ينبثق عن هذا المبدأ من نظام سياسي واجتماعي واقتصادي للبلاد.  

و مفهوم الثورة هذا هو بالفعل ما حصل عقب أهم الثوراث التي عرفها التاريخ الحديث، مثل الثورة الفرنسية، والثورة البلشيفية في روسيا، و الثورة الايرانية. فهاته الثورات أسقطت أنظمة ملكية وأنشأت أنظمة حكم جديدة.    

فالثورة الفرنسية التي امتدت عبر سنوات و كانت النواة لتغيير سياسي و فكري جذري في أوربا، قامت على مفاهيم جديدة عن الدولة والحكم، و علاقة الشعب بالحاكم، و عن مصدر القوانين و كيفية وضعها. ففصلت الدين المسيحي عن الدولة وألغت الامتيازات التي كان يتمتع بها القساوسة والطبقة الآرستقراطية، وأصدرت بيانا لحقوق الانسان و الحقوق المدنية (حقوق المواطن)، وعممت اللغة الفرنسية كلغة رسمية في البلاد.  

والأساس الفكري الذي قامت عليه الثورة الفرنسية كان قد وضعه من يسمون بمفكري التنوير، أمثال جون جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau)، و منتيسكيو (Montesquieu)، و فولتير (Voltaire)، و جون لوك (John Locke) ..... فهؤلاء الفلاسفة و المفكرون درسوا واقع بلدانهم وشعوبهم و احوالهم دراسة عميقة، وتبينوا أسباب التدهور والانحطاط والفساد، فوضعوا حلولا نظرية لتغيير ذلك الوضع.  

فعلى سبيل المثال، كتاب “العقد الاجتماعي“ لروسو (Rousseau) تطرق لمفهوم المساواة والعدالة الاجتماعية. أما كتاب “روح القوانين“ لمنتيسكيو (Montesquieu) فقد تطرق لفكرة فصل السلطات التنفيدية والتشريعية والقضائية، و بَينَ بأن الفصل بين هاته السلطات ضامن أساسي لمنع الاستبداد و الحكم المطلق لفئة صغيرة. وفي بحثه “مقالين على الحكومة“ رسخ جون لوك (John Locke)، المعروف بأَبِ اللبيرالية، فكرة الحقوق الطبيعية للانسان والتي تتلخص في حق الحياة والتملك والحرية، و أن أساس وجود الدولة هو عقد بينها وبين المجتمع لحماية هذه الحقوق. إضافة إلى ذلك تُعَدُّ “الموسوعة الكبرى“ التي نُشرت في أواسط القرن الثامن عشر من الانتاجات المهمة التي ساهمت في تنوير وتسييس التفكير عند شريحة واسعة من المتعلمين و المثقفين. وقد ساهم في تأليف هاته الموسوعة عدد من المفكرين و الفلاسفة والباحثين في شتى العلوم، من بينهم دالمبرت (D’Alembert) و ديديروت (Diderot) و فولتير (Voltaire). وقد كان هدف هاته الموسوعة جمع  معلومات من مجالات علمية وأدبية وسياسية و اِجتماعية، وتقديمها للناس لعلها تقضي على الجهل والخرافات و تثير في الناس حب المعرفة و التفكير و تقلع الخوف عندهم من السلطة الاستبدادية. وقد قاد الثورة الفرنسية نوادي سياسية من أهمها نادي الياكوبينز (Club des Jacobins) الذي عمل على نشر أفكاره الثورية والثأثير في الرأي العام عبر المنشورات والمقالات الصحفية والخطب.    

كذالك كان شأن الثورة البلشيفية في روسيا التي أسقطت عهد القياصرة. فقد قامت هذه الثورة أيظا على فكر جديد شامل عن مفهوم الدولة والمجتمع والاقتصاد والحكم. وقد كان هذا الفكر نتاج بحث عميق في أسباب التخلف والظلم، وخصوصا منه الظلم الذي كانت تعيشه طبقة العمال. فكانت مؤلفات ماركس (Marx) و أنجلس (Engels)، مثل “بيان الحزب الشيوعي“ و “رأس المال“، الأساس الفكري الذي قامت عليه الدولة الشيوعية، حيث تبنت الدولة الجديدة تأميم الاقتصاد والصناعة، ومنع الملكية الفردية. وأهم قادة الثورة البلشيفية هو لينين (Lenin).      

نفس الصورة تراها في الثورة الايرانية التي قادها الخميني وقامت على أفكار دينية من المذهب الشيعي، و أُسِّست على أساسها جمهورية ايران الاسلامية.    

إذن من هاته التجارب التاريخية يمكن تلخيص الشروط التي يجب أن تستوفيها أية حركة شعبية لترقى لمستوى ثورة و تُحْدث تغييرا جذريا وحقيقيا كالتالي:    

أولا: وجود قيادة للحركة الشعبية تحدد اتجاهها وتدير تفاعلها مع الاحداث وتدعمها معنويا وتعبئها فكريا، وتكون هذه القيادة قادرة على الأخذ بزمام الأمور والتمكن من السلطة فعلا، (و ليس التمكن من سلطة وهمية باعتلاء مناصب في الوزارات والمجالس النيابية)، لتقود هي البلاد بعد إسقاط النظام السائد، لاغيرها.

و لذللك على قيادة الثورة أن تعمل، ليس لكسب قاعدة شعبية فحسب، بل كذلك قوة مسلحة تنصرها و تزيل بواسطتها كل الحواجز المادية. فإنه من السذاجة الظن بأن دَوي السلطة في البلاد سيتنازلون عن سلطتهم و يمنحوها لغيرهم. و كذلك من السذاجة الظن بأن التغيير الجذري لأي نظام في الدنيا يتأتى عن طريق الانتخابات.

فقيادة الثورة يجب أن تعتمد على قاعدتها الشعبية و قوتها المسلحة لتحدد و تفرض هي المبدأ الذي تنشأ على أساسه الدولة. و بعد استقرار الأمور وسلطة البلاد بيد قيادة الحركة الشعبية الثورية، حينها يسمح للأحزاب السياسية والافراد دخول انتخابات يتم عن طريقها اختار من ينوبون عن الناس في الرأي والحكم، على أساس المبدأ الجديد الذي حددته الثورة و قيادتها، و ليس على اساس قواعد النظام القديم الذي تمت إزالته.    

ثانيا: وجود مبدأ واضح متكامل الذي يُرَاد على أساسه تكوين الدولة الجديدة و إنشاء الأحزاب السياسية. و وَجَبَ وجود فكر شامل منبثق من هذا المبدأ يبين كيفية تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (الداخلية منها والخارجية). وهذه الافكار يجب أن تكون قناعات عند من تولوا قيادة الحركة الشعبية وتعمل على إيصالها و توضيحها للرأي العام، حتى تتبناها الحركة الشعبية.    

ثالثا: اتخاذ الموقف الصحيح و الصارم ضد النظام و كل أعوانه الذين يراد إزالتهم. فلا تفاوض و لا مساومات ولاتنازلات على المبدأ والاهداف المتبناه. و ليُدْرِك كل من يسعى لتغيير حقيقي و جذري، أنه لايتأتى له ذلك إلا إذا اعتلى مركز السلطة، فيكون هم الذي يملي الاوامر فَتُنَفَّذ، وليس بالمُتَسَلَّطِ عليه، فيكتفي بالمناشدة والطلب والرجاء.  

إذن من يسعى لتغيير جذري، عليه أن يدرك أين هو المركزالحقيقي للسلطة في البلاد، فيسعى لضمها اليه و جعلها تحت طوعه، ليستطيع بها قلع النظام وأعوانه قلعا جذريا، وفرض مبدئه الجديد وإنشاء الدولة على أساسه. وموقف مثل هذا يتطلب ولاشك تضحيات بالنفوس. فالنظام المستهدف سيقود ولاشك حربا عنيفة يقتل فيها ويرتكب جرائم بشعة، لان الامر يخص بقائه. على هذا، يجب على الحركة الشعبية وقيادتها أن يكونوا مستعدين نفسيا ومعنويا للصمود امام هذا البلاء، والثبات على الطريق الصحيح، ... و عليهم ان لا يجعلوا المحن تدفعهم إلى يَدِ أعداء آخرين وانتهازيين يريدون التسلط عليهم وعلى بلادهم و يطلبون منهم النصرة و المعونة، فلا يدركوا ثمن نصرة الأعداء لهم و العاقبة الوخيمة لذالك إلا بعد فوات الأوان.    

و انطلاقا من هذه المقدمة عن مفهوم الثورة و مقوماتها، و إذا ما تأملنا كل الحركات الشعبية القائمة أو التي قامت في عديد من البلدان العربية كمصر و تونس و اليمن، فسنجد أن هاته الحركات لا تستوفي غالبية الشروط المذكورة أعلاه، وبالتالي فالأصح أن يطلق عليها انتفاضات شعبية وليست ثورات. وسأعلل فيما يلي حكمي هذا:   

أولا، تفتقد الحركات الشعبية إلى قيادة، وهذا هو الذي جعلها مهب الريح وعرضة لأن يركبها الانتهازيون الذين لا يهمهم التغيير الحقيقي الجذري أكثر مما تهمهم مكاسب شخصية تتمثل في مناصب وامتيازات. و غياب قيادة للانتفاضات الشعبية تلك هو سبب فشلها في انتزاع السلطة حتى الآن، مما كان سيمكنها من التطبيق الفوري للأهداف والمطالب التي قامت من أجلها. بدلا من ذلك يجد الشعب المنتفض نفسه أمام القوى السابقة عينها وهي تراوغ وتماطل وترتب أوراقها من جديد بوجوه جديدة، لكن نفس العقليات المحدودة الفاقدة للارادة، لتضمن بقاء النظام السائد، اللهم إلا بعض الاصلاحات والترقيعات السطحية.    

ثانيا، تفتقد الحركات الشعبية وكذالك غالب الجماعات والأحزاب التي شاركت في الحراك الشعبي، إلى نقطة أساسية في كل ثورة وهو المبدأ الجديد الذي تعتزم بناء الدولة على أساسه والأفكار الشاملة العملية المنبثقة من هذا المبدأ التي بها تنظم حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

فمفهوم الدولة أصلا هو انها كيان يقوم على مبدأ يحدد سِرَّ وجود شعبها في العالم، ويحدد كيفية التشريع ومصدره، وكيفية تنظيم العلاقة بين الرعية ومن ينوب عنها في الحكم ورعاية شؤونها الداخلية من مأكل ومشرب مسكن وتطبيب وتعليم، والخارجية بحيث يحدد نوعية التعامل مع دول العالم وحماية البلاد من أي تسلط خارجي وحماية رعاياها في الداخل والخارج ……  إذن الدولة لاتكون دولة إلا إذا كانت مبدئية، لأن وجود المبدأ هو الذي يعطي للدولة خاصيتها ويجعل لها هوية وشخصية وسيادة ذاتية حقيقية. ومتى غاب المبدأ حصل بداهة فراغ سياسي، وصح بالتالي الحديث عن تكثل بشري أوما يسمى بجمهوريات الموز بدلا من الحديث عن دولة، رغم وجود آليات الدولة من حكومةٍ و رئيسٍ، و وُزَراء، وإدارات، و مجالس نيابية...... والفراغ السياسي في أي بلد تستغله دائما الدول المبدئية للسيطرة عليه والتدخل في شؤونه الداخلية. فتتولى الدولة المبدئية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة (عن طريق عملاء مثلا) تسيير شؤون البلاد، وإيجاد رأي عام لأفكارها وسياساتها ونمط عيشها هي، .... فتصير بلدان الموز أوالتكثلات البشرية تلك فاقدة لأي إرادة وسيادة، وتصبح بلدانا تابعة وخاضعة وخادمة لمصالح الدول المبدئية. 

إذن من يريد بناء دولة يجب أن يحمل مبدأً تنبثق عنه حلول عملية لكل شؤون الحياة ويعطي هدفا لوجود الدولة والأمة في هذا العالم.    

والعجب أن غالب الذين خرجوا يطالبون بإسقاط هذا النظام أو ذاك في البلدان العربية، ورغم أنهم مستعدون للتضحية بحياتهم، فغالبهم يتبرأ من أي توجه إيديولوجي، ويؤكد أنه غير مُسَيَّس ولا يحمل فكرا عقائديا، وخصوصا حين يتعلق الأمر بِ"الاسلام السياسي" (السياسة الشرعية)، حتى أن جماعات إسلامية نفسها تتبرأ من أي نوايا لإقامة الشريعة الاسلامية والحكم بما أنزل الله. وليبرهنوا عن نواياهم “المُرْضَى عنها”، فهؤلاء و أولائك يرفعون شعارات التعددية و الديمقراطية و يصرحون بأن المسلم والنصراني والعلماني والليبرالي، إلى غير ذلك من مسميات، بانهم كلهم إخوة ويسعون لتأسيس دولة “مدنية” تجمعهم فيها المواطنة وليس الدين، وينشئون دستورا “توافقيا” بين التيارات الاسلامية والعلمانية والليبرالية.  

هنا وجب التوقف عند هذه الظاهرة الغريبة والفريدة من نوعها لتحليلها وتفسيرها!   

أولا، لاتوجد تعددية في أي مبدأ أونظام في الدنيا أبدا. فالدولة تتأسس على مبدأ واحد ينبثق منه نظام واحد مُحَدَّد و مُوَحَّد، آمنت به فئة من الناس، فلما تمكنت هذه الفئة من السلطة أقامت على أساسه الدولة وأصبح حكم البلاد على أساس هذا المبدأ. فيخضع الأسود والأبيض من الناس، والمسلم والمسيحي واليهودي والملحد و غيرهم للقوانين المنبثقة من ذلك المبدأ. أما السماح لفئات من الناس تحمل عقيدة مختلفة عن مبدأ الدولة التي يعيشون فيها، بأن تمارس مثلا الشعائر المتعلقة بعقائدها و بتنظيم بعض الأمور المتعلقة بأحوالها الشخصية حسب معتقداتها، فهذا لا يعني تعددية، ولايعني بأن تلك الفئات تشارك - او يجوز لها ان تشارك- في تحديد نوع النظام السائد في البلد الذي يعيشون فيه، و لا يعني أن الدولة متعددة المبادئ والشرائع. بل النظام السائد في البلد يكون واحدا و هو الذي يحدد إلى أي مدى يسمح لرعاياه من ذوي العقائد المخالفة لعقيدة الدولة أن يمارسوا شعائرهم بحيث لا يخِلُّوا بالنظام العام للبلد ولايقوضوا مبدأه.  

إذن وجب التفريق بين عقائد الأفراد من جهة، و بين عقيدة الأمة و نظام الدولة من جهة اخرى. فعقيدة الدولة والأمة واحدة، لكن عقائد الأفراد يمكن أن تَتَعَدَّد.  

فأروبا مثلا التي تتبنى المبدأ الرأسمالي والديمقراطية لاتنفك تأكد أن جذورها مسيحية و عقيدتها العلمانية، وأنها لا تسمح بأسلمة أوربا، و أن على المسلمين أن يحترموا المبدأ العلماني وقوانينه. بل أبعد من ذلك، فإنها ترى مثلا حتى في ارتداء الحجاب خلل بعلمانيتها وتقويض لنظامها وفتنة لشعوبها، فتضيق بقوانين مكتوبة وأخرى غير مكتوبة على النساء المحجبات بحيث لايسمح لهن ممارسة عدد من الوظائف العمومية...... وفي بعض دول أوربا مثل فرنسا يمنعن حتى من زيارة المدارس العمومية.    

وقد يختلط عند بعض الناس بأن تعيين رئيس أو وزير ذي أصول مسلمة في بعض الدول الغربية يعتبر تعددية، وهذا خطأ. فإدماج مسلمين في مؤسسات الدولة العلمانية ليست له أية علاقة بالتعددية، ولايعني ذلك تبني مفاهيم وأفكار وقوانين من الاسلام في أنظمة تلك الدول الغربية. فهؤلاء ذوي الأصول المسلمة يشاركون في الحكم ليعملوا على تطبيق المبدأ العلماني الرأسمالي لا لتقويضه لصالح دينهم الأصل الاسلام. فعلاقتهم بدينهم الأصل كعلاقة أي وزير أو رئيس في الغرب بدينه المسيحي.  

وانظر مثلا إلى البند العاشر من بيان حقوق الانسان للثورة الفرنسية حيث ينص على ما يلي: "لا يجوز ملاحقة أي شخص بسبب فكره، طالما كان إعلانه عنه لايخل بالنظام العام الذي رسمته القوانين". و بند مثل هذا تجده في كل دساتير دول العالم ومنها الدول الغربية التي طالما تُتَّخد كمثال للحريات. فالحرية نسبية، ولاتوجد حرية مطلقة في الكون أبدا. فكل إنسان له حرية التصرف والرأي ضمن حدود معينة يضعها النظام وقوانينه التي يعيش تحتها.  

وطالما يظن الكثير بأن وجود أحزاب معارضة والإدلاء بآراء ضد الحكومة يعتبر تعددية. و هذا أيظا خطأ. فالآراء المختلفة لاتخرج كلها عن إطار مبدأ الدولة و نظامها. و كل دول العالم، و منها الدول الغربية، لها مؤسسات خاصة للحفاظ على الدستور و النظام. هاته المؤسسات تتحرى الاتجاهات الفكرية للأفراد وميولهم السياسي والديني. وكل من أراد دخول حقل السياسة لا يُسْمَح له بذلك إلا إذا أسفرت تحريات مؤسسة الحفاظ على الدستور بولائه للنظام السائد. بل و أبعد من ذلك، ففي بعض الدول الغربية لا يُسْمَح بتقلد حتى وظائف عمومية بسيطة إذا كان الشخص يحمل أفكارا مضادة للنظام. و بالإظافة إلى مؤسسات الحفاظ على الدستور، هناك محاكم ‘دستورية‘ عليا، لِقُضاتِها صلاحية إلغاء قوانين أقرتها البرلمانات إذا ما تبين لهم مخالفتها لنظام الدولة و مبدئها.   

إذن فكرة التعددية التي ترددها أطراف عديدة لا وجود لها أصلا. فعلى الحركة الشعبية أن تدرك أنه لايتم أي تغيير إلا بانفراد حركة مبدئية واحدة بزمام الأمور وانتزاعها للسلطة (لا نقصد بحركة مبدئيةٍ واحدةٍ جماعةً واحدةً، بل نقصد منهجاً و مبدأً واحداً الذي يمكن ان تنخرط تحته جماعات كثيرة اذا تبنت نفس المنهج و المبدأ، مع جواز اختلافها فيما هو متفرع من المنهج). فشعارات المواطنة و الهدف المشترك بين المسلم و النصراني و العلماني و الليبرالي ... إلى غير ذلك، لإنشاء ما يسمى بدولة ‘مدنية‘ تحكم بدستور”توافقي” بين كل هذه التيارات، هذه ميوعة ليس بعدها ميوعة، وسطحية ليس بعدها سطحية. فما نوع المبدأ الذي تريد هذه الفئات المتناقضة الأفكار إنشائه و إقامة الدولة الجديدة على أساسه؟ ما نوع القوانين وما مصدرها؟ ما نوع النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المراد تطبيقه؟ .... فالحرام عند المسلم حلال عند العلماني، والحرام عند العلماني حلال عند المسلم، والحرام عند المسيحي حلال عند العلماني ……إلخ. أم يريدون فعل ما دعت قريش إليه محمدا صلى الله عليه وسلم حين اقترحت إنهاء الخلاف معه بأن يعبد أوثانهم سنة و يعبدون رب محمد سنة!    

أنظر مثلا للثورة الفرنسية حيث ساهمت فيها عدد من التيارات السياسية، و أبرزها الياكوبينز (ِJacobins) و  الجيروندستن (Girondins). الفئة الأولى كانت ترى أن تقلع الملكية و يحاكم الملك و تقام جمهورية. في حين كان الجيروندستن يطلبون بإصلاحات للنظام القائم حيث كانوا يروا مثلا بتحويل الملكية الى ملكية دستورية يُقَيد فيها حكم الملك بدستور يضعه نواب عن الشعب. فخلافات أساسية مثل هاته لا تُحَلُّ بالشعارات الفارغة و الحلول الوسطى وائتلافات مزيفة، لكن بالحسم في من يفرض نظرته ويقود التغيير. ففئة الياكوبينز تحت قيادة أحد أهم زعامائها، ماكسمليان روبيسبير (Maximilien Robespierre)، استطاعت فرض موقفها، ففصلت الجيروندستن من صفوفها ولاحقت قياداتها واستفردت بزمام الأمور وأسقطت الملكية و أعدمت الملك.  

سيناريو مشابه عرفه حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الذي قاد الثورة الروسية. فقد كان تياران أساسيان في الحزب. الأول بقيادة لِينِين (Lenin) الذي كان يسعى لإحداث ثورة و تغيير جذري للنظام. في حين الثيارالثاني تحت قيادة يوليوس مارتوف (Julius Martow)، والذي عُرف باسم المناشفة، تبنى فكرة الاصلاح والتغيير التدريجي والتعاون مع الأحزاب الليبرالية. هنا اتخد لِينِين الموقف التاريخي الحازم الذي تتطلبه ظروف كهاته، حيث انفصل بأنصاره عقب مؤتمر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الذي أقيم في لندن سنة 1903، و كَوَّن ما عرف بالحركة البلشيفية التي احتضنت الثورة الروسية وقادت العمل المسلح الذي انتهى بإسقاط النظام القيصري.  

كذلك كان شأن الثورة الايرانية التي شارك فيها الليبراليون و الشيوعيون و العلمانيون و جماعات إسلامية مختلفة، إلا أن روح الله الموسوي الخميني وأتباعه استطاعوا تحديد مسارالثورة وقيادتها. وقد تصرف الخميني بحزم ليتمكن من السلطة بعد هروب الشاه محمد رضا بهلوي، حيث أعلن مباشرة بعد رجوعه إلى إيران في خطبته الشهيرة والقوية في مقبرة شهداء بهشت زهراء بأن السلطة والحكم لا يجوز أن يكون إلا لرجل دين، وأنه هو،الخميني، مؤهل لذلك ومن حقه هو لاغيره حكم البلاد. ولم يسعى الخميني لحكومة ‘توافق‘، بل أعلن أنه سيسقط حكومة شاهبور بختيار الذي عينه الشاه محمد رضا بهلوي (برضا من الادارة الأمريكية) رئيسا للحكومة قبيل هروبه. ففلح الخميني في كسب ولاء شرائح من الجيش والشعب، وخاض أتباعه حروب شوارع ضارية مع قوى الجيش المساند لنظام الشاه وانتصر عليهم. كذلك تصدى الخميني بحزم للتيارات العلمانية والليبرالية واليسارية التي كانت ضد إنشاء حكومة إسلامية وضد تطبيق الشريعة الاسلامية (حسب ما ثَمَّ تَبَنيه من المذهب الشيعي)، وحاولت تأجيج الرأي العام ضد مشروع الدستور الاسلامي، فقضى الخميني على هاته التيارات واستقر أمر إيران بيده، وأنشأ الجمهورية الاسلامية الايرانية.    

كانت هذه بعض الأمثلة من التاريخ الحديت تبين الروح الحقيقية للثورة والركائز الأساسية التي تقوم عليها. فقد بينا عن طريق هاته الأمثلة أن القيادة لا تكون إلا لمبدأ واحد، تحمله فئة من الشعب المنتفض، ويكون على رأس هذه الفئة شخصية (او شخصيات) قيادية، مبدئية، مؤمنة بالتغيير الجذري و شجاعة في اتخاد القرارات الصعبة التي لا يجرؤ عليها فاقدوا العزيمة والراكعين للواقع. كما أنه لا نجاح للثورة إلا إذا تمكنت قيادة الفئة الثائرة من نزع السلطة و جعل الجيش تحت إِمرتها (أو تكوين جيش مسلح خاضع لأوامرها ). فهي حينئذ لا تُطالِب وتُناشِد، بل تَأمر فَيُطاع أمرها وينفذ.    

إذن الانتفاضات الشعبية الجارية في البلدان العربية، ولو أنها أسقطت رؤساء دول، إلا أنها لم و لن تتمكن من تغيير الأنظمة إلا إذا نضجت إلى ثورة حقيقية بالمفهوم والركائز التي ذكرناها أعلاه، ونفضت عنها التافه من الشعارات و السطحي من الأفكار و الميوعة في القرارات و المواقف، واجتمعت على مبدأ واحد واضح، ينبثق منه برنامج سياسي متكامل، و وحدت صفوفها على رجل واحد تَتبعه على أساس المبدأ لا لشخصه، و تغيره إذا زاغ عن المبدأ. و لا يتأتى لهذه الحركات الشعبية أن تزحف لإزالة العفن و النفاق و الديوثية التي تراكمت عبر عقود من الزمن إلا إذا كانت هي نفسها صافية من أي نفاق فكري و سياسي و مشاعري. فقد عاشت هذه الشعوب منذ زمن طويل تنافق حكامها وتَخَافهم. فلا تتكلم إلا بما يحبون سماعه و يرضون عنه، فأقصت بذلك نفسها من الوجود، وباتت عبدًا لِسَيِّد. و الآن و بعد هذا الاستيقاظ المفاجئ، و قلعها عقدة الخوف من حكامها المتسلطين عليها، و صُراخها في وجههم بأنهم باطلون و تريد قلعهم، إلا أنها لازالت لم تقلع عقدة خوفها من الغرب وخنوعها له. فتجدها تتجنب في مطالبها وشعاراتها ما يمكن أن يجلب سخط هذا الأخير. وهذا ينقلني إلى النقطة العريضة الثانية لهذا البحث: {الجزءالثاني: حل “عقدة الغرب“ عند الشعوب المسلمة شرط أساسي لإحداث تغيير جدري وحقيقي}.

(يتبع)


  • 3

   نشر في 25 ديسمبر 2014  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا