جنة آدم.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جنة آدم..

جنة آدم أرضية

  نشر في 29 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 27 نونبر 2018 .

"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)" [البقرة]..

قصة خلق آدم هي قصة حُفرت في كياننا، فمنها نعلم كيف كانت بدايتنا، وكيف وُجدنا على هذه الأرض.. ومع بداية رحلة العقل الحتمية إلى النضوج تتشكل في أذهاننا عدة أسئلة بخصوص هذه القصة، وندور نسأل الكبار وأهل الاختصاص ولكننا لا نجد الإجابة، بل ويقال لنا إن من علامات الإيمان الصحيح هو عدم الأسئلة، فأنت إن تجرأت وسألت فستدخل في دوامة لن تخرج منها إلا باصابات بالغة في ايمانك، بل ويطالبك بعضهم بالاستغفار، فقد دخلت طريق الشيطان، وأتيت أمراً نُكُرا؛ منا من يستسلم ويرضى وتبقى أسئلته حائرة هائمة على وجهها لا تجد لها أرضاً ولا استقرارا، ومنا من يحاول البحث عن إجابات تُشبع رغبته الملحة في اكتشاف الحقيقة، أحيانا يصل البعض لمبتغاه، وفي أكثر الأحيان تتحول الأسئلة الى شك كبير يؤدي في النهاية إلى انكار قصة الخلق بل وانكار الخالق عز وجل..

من أكثر الأسئلة التي تدور في أذهاننا بخصوص هذه المسألة: إن كان آدم من أقدم على اتيان الخطيئة فما ذنبنا نحن لنكفر عن خطيئة لم نرتكبها، ربما ان كنت أنا في مكان آدم لما استسلمت للشيطان، وبهذا كنت وفرت على ذريتي الشقاء في هذه الدنيا؟ اللّه يعلم كل شئ، لماذا اذاحدث كل هذا؟ لما لم يرسلنا إلى الأرض من البداية؟ هل كان هذا اختبار لآدم؟ ولماذا وضع اللّه آدم في اختبار وهو في الجنّة أصلاً؟ ..

البداية كانت عندما أخبر اللّه عز وجل الملائكة بأنه سيخلق آدم ليكون خليفة في الأرض، إذاً قدر لآدم قبل خلقه بأنه سيكون خليفة، في (الأرض)، إذاً ليس من المنطقي أن تكون حياته الأرضية نتيجة لعصيانه لربه فحقّ عليه العقاب، هذا هو مصيره المقدر له قبل خلقه، وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة التي ذكرتها في بداية المقال.. وبهذا نصل إلى فكرة أن الجنة كانت بالنسبة لآدم مكان الخلق ونقطة الانطلاق وليس مكان حياة طرد منه لأنه ارتكب معصية..

خلق اللّه آدم في السماء في وجود الملائكة وابليس وعندما طلب اللّه منهم جميعا السجود لآدم، رفض ابليس وتكبر بل وتحدى اللّه عز وجل وتوعد بني آدم بأنه سيملأ بهم النار، ليثبت بأننا متشابهون وأن آدم ليس أفضل منه لذلك طرد من الجنة ولم يستحق توبة اللّه وقد ناقشت هذا الأمر في مقال سابق.."وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)" (البقرة)..

رفْض ابليس السجود لآدم واستخدامه لنعمة اتخاذ القرار في أن يتمرد على خالقه جعله من المطرودين من رحمة اللّه بل طرد من الجنة نفسها رغم أنه كان يعيش فيها وهذا نراه في هذه الآية:"قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)" (الأعراف).. اذن بعد أن طرد ابليس من الجنة أكرم اللّه آدم وحواء بأن يسكنو (الجنة) وبأن لهم الحرية فيها ولكن أمرهم بعدم الاقتراب من شجرة معينة وحذرهم من الانسياق وراء أهواءهم، ولكن ابليس وسوس لهما وزين لهما الأكل منها وشجعهما على الاتيان بالمعصية: "فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)" (الأعراف).. السؤال الذي يلح هنا كيف يمكن أن يكون ابليس مطرودا مذموما من رحمة اللّه ومن الجنّة ويتجرأ ويعود إليها ويمرح ويصول ويجول بل ويوسوس لآدم ويشجعه على الاتيان بالمعصية؟ هل هذا منطقي؟ كيف نرضى بهذه الفكرة العبثية؟ إن المنطقي والبديهي هنا أن آدم وحواء كانا يعيشان في الأرض السبب الأساسي لخلقهم ولكنهما كانا يعيشان في رغد من العيش لذلك أطلق عليها (جنة) فكلمة جنة ليست بالضرورة تعني جنة اللّه في السماء، فقد ذكرت في عدة مواضع أخرى لم يكن هذا تفسيرها، مثلا في هذه الآية الكريمة: " وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)" (الكهف).. هنا يصف اللّه قصة صاحب الجنتين وهنا هي بمعنى البستان الجميل، فليس من الضروري أن تكون الجنة التي أسكن اللّه فيها آدم أن تكون جنة السماء، أيضا لماذا يأمر اللّه آدم وحواء بأن يسكنا الجنة التي في السماء ويخبرهما بأن لهما فيها حرية الحياة ان كانا فيها أصلا.. فمن المنطقي أن يكون آدم قد بدأ حياته الطبيعية التي خلق لأجلها والتي هي في الأرض، كما أنه كيف يكون لآدم تلك المشاعر البشرية التي ترغب وتتمرد وتتمنى الخلود والملك وهي في حضرة صاحب الملك، كيف يمكن لأن تصاب نفسه بالعطب البشري وهو في جنة الرحمن التي تسكنها الملائكة، كيف يمكن ان تتملكه تلك المشاعر وهو لم يختبر الحياة كبشر، كيف استطاع فهم رغبة البشر في الخلود والطمع في الملك وهو مازال مخلوقا في بداية خلقه في جنة السماء بكل نقائها وطهرها؟ الجنة التي ستكون مكان المؤمنين بعد يوم القيامة، التي لن تسمع فيها لغوا ولا قول سوء: "لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)" (الواقعة)..

هناك شيء آخر، بعد أن قام آدم بالاستجابة لابليس كشفت له ولزوجه سوءاته وآتاه نداء ربه أن يخرج من الجنة التي يحيا فيها لتبدأ معها حياة شقاء وتعب لم يعرفها أو يختبرها،"فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (24)" (الأعراف).. لماذا ينادي عليهما ربهما وهما في حضرته في الجنة؟!، لماذا ترك هذا يحدث في الجنة إن لم يكن الاختبار قد بدأ بالفعل وبأن آدم قد ترك جنة السماء ونزل الى الأرض ليحيا ماهو خلق لأجله، عمارة الأرض..

ومما سبق وصلت الى الفكرة التي اطمأننت إليها والتي أجابت عن أسئلة كثيرة كانت تدور بداخلي، وأردت أشارككم بها وهي أن آدم عند حدوث حادثة الشجرة لم يكن في جنة السماء بل في جنة أرضية حرم منها بسبب عصيانه، الحادثة التي تركها لنا أبونا آدم حتى نتعظ ولا نغتر فكل شخص له نقطة ضعف ومعرض بأن يستمع لوساوس الشيطان، كما أنه يخبرنا بأن التوبة نعمة عظيمة منحت لنا، ودائما يوجد لنا فرصة، فقد حدث هذا مع أبو البشر نفسه، أول الخلق..

نحن لا نعاني بسبب خطيئة والدنا، ولم تكن جنة السماء هي مكاننا وطردنا منه، بل هي جزاء احساننا في الدنيا عندما تقوم القيامة وينتهي الحساب، خطيئة آدم كانت مثال وعظة لنا وليست غلطة ابٍ انساق وراء رغباته وعانت بسببه ذريته كلها..

البداية كانت هنا، الأرض، في جنة آدم الأرضية..











  • آية مصلح
    دائما ما تهرب الكلمات مني عندما أحاول أن أكتب عن نفسي، رغم أن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة التي اعرفها للتعبير عما يجول بخاطري، فكل ما أستطيع أن أخبره عن نفسي أنني أعشق الكتابة فهي تجعل مني شخصا أفضل..
   نشر في 29 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 27 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا