مجــرد ســـراب .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مجــرد ســـراب ..

  نشر في 06 يونيو 2018 .

تلك اللحظة التي ينتهي فيها كل شئ أقف لأتأمل وأتشرب من ذلك المشهد الغريب الذي رغم قصر مدته إلا أنه ذو تأثير طويل الأمد في خاطري ونفسي , وبه أعود من جديد لأضع أرجلي على أرض الواقع والحقائق التي كنت ولازلت أدركها ولكن بين الحين والأخر نحتاج لهذا الجرس ليجعلنا نستيقظ من غفوتنا قليلاً .. جرس الإنذار الذي يرن صداه في اذن إنسانيتي ولا يتوقف عن الرنين , ولا أعرف من أين هو آت وإلى أين هو سيذهب وينتهي بعد إنقضاء تلك اللحظة والحالة وهذا الشعور الغريب الذي يُلقيه داخلي ويتركه كمن يترك طفله الرضيع على أعتاب الطرقات في محاولة للتخلص منه لأنه لا يقوى على تحمل مصاريفه وما يجده في نفسه من فقر .. فقر إنسانية هي بالطبع ..

أراكم قد وصل بكم الفضول أقصى درجاته ومراحله , وتتساءلون بعزم ما اوتيتم من فصاحة وفكر راقي : ما هي تلك اللحظة يا ترى ؟ , وكيف هي تحدث في النفس البشرية كل هذه التقلبات والمواجهات ؟! .. أثناء كتابتي لهذا المقال أعذروا رجفة حروفي التي حتماً تشعرون بها , فأنا لا أجد لحظة مؤثرة بكل ما فيها أكثر من تلك اللحظة الجوهرية والتي لن تترك من يمر بها في حاله , ولن يستطيع أن يعود ليُمارس حياته من جديد بكل بساطة بعدها , لن تتركه كما كان , بل هي أساس لمواجهة كم وددنا أن نصل لها ..

دعوني أشرح لكم هذه اللحظة بشيئاً من الإختصار وفي نفس الوقت بالتفصيل " المُمل " , فاتركوا لي الآن مسامع نبضكم وأنصتوا لي إنسانيتكم جيداً , فقد لن تجدوا مُفسراً لهذه الحالة مرة أخرى .. وهذا إحتمال وارد وليس مؤكداً , ولكن فلتنتهزوا الفرصة التي أتشوق لها أنا قبلكم .. المشهد كالتالي :

" تقف في شباك غرفتك المتواضعة ذات الجدران البسيطة التي قد تهالك دهانها وطلب التجديد منك كل ليلة ولكنك ترفض وتتركه يتأكل ويفقد بريقه , وتُقرر كأي إنسان طبيعي أن يسرح في طرقات الحياة التي هي أسفل مبنى إقامته , في لحظة ملل أو " تغيير جو " , تسرح وتُطيل النظر في أعين المارة ووجوههم , فمنهم طويل القامة الذي يسير بالطريق لُيعلن عن عدم وجود أحداً غيره وغيره إن وُجد سيُمسح بأستيكة حتماً , ومنهم متواضع القامة بالنسبة لصديقنا الذي سبقه في الوصف وبهذا الطول البسيط هو قنوع وراضي ويجد نفسه أطول من أطول طويل ! , ومنهم البدين ومنهم النحيف ومنهم العجوز ومنهم الشاب ومنهم السيدة التي لم تترك الطريق منذ الصباح الباكر في سبيل بيع مصدر رزقها ومنهم من يركن عربته في دلالة عن إنتهاء يومه وخلوده إلى النوم بعد دقائق من صعوده إلى منزله الذي لا يبعد عنك بالكثير .. والمسجد , الذي هو بركة الطريق كله , وتجد في لحظة مُفاجئة تُقاطع ثبات نظرك في حركة السيارات المتسارعة في شارعك المزدحمة موقفاً يتكرر كل يوم .. سيارة أخرى تركن أمام المسجد لدقائق .. ولكنها لا تدل على إنتهاء يوم أحدهم , بل تدل على إنتهاء حياته كلها .. إنها سياره تكريم الموتى " .. نعم هي التي ظننتها منذ قليل ..

تنظر لجسد من يخرج منها مُحمل على الأكتاف ويتسارع كل قاطني الحي في كسب الثواب في حمله وإدخاله للمسجد للصلاة الأخيرة عليه , وتقف أنت صامتاً عاجزاً عن الحركة مشلول اللسان والنفس حتى , وبعد لحظات من إدخاله إلى المسجد وسماع شيخه يبدا في الصلاة تبدأ أنت في التأمل بشأن تلك الحياة .. الزائلة , فقد وجدت تلك اللحظة تحمل في أعماقها معاني عديدة وحقائق صادمة حتى وإن كنت على دراية بها وتعلمها جيداً .. حقيقة الموت وحقيقة زوال الحياة في لحظة بسيطة ..

أنت لم تمت , أنت حياً تُرزق , تقف الآن في شباكك الخشبي وتنظر وتتأمل وتستطيع أن تتحكم في حركتك , تقف وتُكمل مشاهدتك لهذا المشهد العميق الذي وإن كان مُحزناً فهو مشهداً لابد أن تُدرك معناه , أو تسحب كرسيك وتجلس في محاولة لتهدئة أعصابك لما قد شاهدته من منظر صعب حتى وإن كان المتوفي لا يقرب لك لا من قريب أو من بعيد , مجرد منظر قد أثار فيك التأثر وقد يصل هذا التأثر إلى حد البكاء , وتلك هي الإنسانية التي بحثنا وفتشنا عنها ولم نكن ندري أن ذلك المشهد البسيط قادر وكفيل أن يُظهرها لنا بمنتهى البساطة والسلاسة , فقد تبكي على فراق محبوب أو فرداً من أفراد أسرتك التي هي من لحمك ودمك ولكن .. هل تبكي وتتأثر في فراق غريب ؟! .. لا تعرف إسمه إلا بعد أن نادى شيخ المسجد إسمه بميكروفون المسجد ليُعلن للناس أن إنساناً مننا قد إنتقل إلى رحاب رب العالمين اليوم .. تلك هي أقصى درجات الإنسانية ..

ولك أن تتخيل أن ذلك هو أول معاني تلك اللحظة القاسية .. يخرج الحشد من البشر الذين يحملون على الأكتاف بعزم ما يملكون من قوة " نعش " المتوفي .. ذلك المتوفي الذي قد كان يتناول غداؤه منذ ساعات في جلسة ممتدة مع الأسرة وفجأه لم يعد له وجود .. ليضعوه في سيارته التي فتحت أبوابها في إنتظاره طيلة العشر دقائق التي مرت عليك دون أن تدري بها ولا تستشعر بالزمن في تلك اللحظة , وبهذا الخروج يتقطع عليك تأملك الذي كان يحوي تساؤلات عدة تدور في عقلك حيال أمر الحياة والبشر والنهاية التي سنذوقها جميعاً , ولكننا مع تسارع نغمة الحياة أصبحنا نتناسى ونتغافل عن تلك الحقيقة : زوال الحياة .. نتغافل ونحن نُدرك الحقيقة هذه أشد الإدراك , فمن منا يُسأل عن الموت ويُكذبه أو يهرب منه ؟! , كلنا بلا إستثناء ندرك تلك الحقيقة ولكن من لم يتغافل عنها لحظة هو الفائز ..

ومع غلق باب السيارة وركوب كل أسرة المتوفي وبدأ التحرك نحو المقصد " المقابر " , ينتهي المشهد مع أقصى درجة يصل لها بصرك في رؤية تلك العربة .. وتعود الحياة لطبيعتها من جديد , طويل القامة وقصير القامة والبدين والنحيف والعجوز والشاب والبائعة وصاحب العربية المركونة و و و , ولكنك لا تعود لطبيعتك بعد هذا المشهد !! .. فتتيقن أن تلك الحياة ماهي إلا دار ضيافة لنا , تأخذ واجب ضيافتنا فيها ونستكمل المسير من جديد , لن نبقى فيها كثيراً حتى وإن طالت علينا السنين , فهي في حساب الموت لحظة .. مجرد لحظة , ولكنها لحظة بمثابة جرس إنذار لنا ..

تلك هي اللحظة " التي عايشتُها منذ قليل بكل ما أملك من حواس ونبضات ووجود " , وحتى الآن أنا لم أخرج من تأثيرها القوي على نفسي فاعذوني من شدة تأثري بها في كل مرة أعيشُها , وأتمنى أن يكون الوصف شاملاً لما شعرت به , ولو أني أشك في ذلك فمع كل لحظة تمر أكتشف أني لم أوفي تلك اللحظة حقها ولم أوصف ما أشعر به حق الوصف .. ولكنها محاولة .

فلا تحسب أن الحياة تدوم , ولا بشري يُخلد , تلك هي الحياة , وما نحن سوى ضيوف وموعد الرحيل آت لا محالة , فلا تستبدل الرحيل بالبقاء المُزيف ..


 


  • 1

   نشر في 06 يونيو 2018 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 4 شهر
تحياتى لك استاذة نورا على هذه الكلمات والأحاسيس المعبرة التى بالضبط ماتدور بذهنى كلما انتقل اى شخص لرحمة الله أو أشترك فى تشييع جنازة حتى لو لشخص لاأعرفه ولاأكون مبالغا اذا قلت أن كل هذه الأفكار كما عبر عنها قلمك لم يكن لقلمى أن يزيد عنك فى ذلك شيئا .. أرجو لك التوفيق دائما
1
نورا محمد
بارك الله في عمرك يا استاذي الفاضل ورزقك فيه كل خير وصحة وسعادة , أسأل الله أن يُحسن خاتمتنا ويتوفانا وهو راضياً عنا .. تلك هي الحياة ولابد أن نلقي على حقائقها نظرة بين الحين والأخر حتى لا يجرفنا تيارها بعيداً عن النهاية المُحتمة .. أشكرك يا استاذي لكلماتك الراقية تحياتي يا مبدع :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا