التشهير بالمعاصي و تتبع عورات الناس: تذكرة و موعظة! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التشهير بالمعاصي و تتبع عورات الناس: تذكرة و موعظة!

  نشر في 30 يوليوز 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

إن من أهم واجبات المسلم التفقه في الاسلام، فَكُلّ مسلم مُلْزَمٌ شرعا بِتَعَلُّمِ من يكفيه من الأحكام الشرعية من حلالٍ و حرامٍ ليستطيع تسيير شؤون حياته حسب ما يرضي ربه، فلا يجوز لمسلمٍ أن يغفل و لو لِلَحظةٍ أنه في هذه الحياة الدنيا عابر سبيل فقط الى دار البقاء و الخلود، خلود في جنة النعيم أو في نار الجحيم! و دار العبور هاته تحتاج الى زَادٍ من علمٍ و تقوى ليفلح فيها المسلم فيلقى ربه و هو راضٍ عنه فيدخله جنات الخلود! ... فمن لا يعرف حلال الله و حرامه لا يستطيع بداهة إقامة الاسلام!

و من الطوام العظام التي ابتلي بها بعض المسلمين اليوم و الناتجة عن الجهل بأحكام الاسلام هو فضح المسلم لنفسه بالجهر بما ارتكب من معاصي، و فضح المسلم لأخيه المسلم بتتبع عوراته و إفشاءها، ... فمثلاً ترى المسلم يجاهر و يتباهى أمام أصدقائه أنه زنى بفلانة أو قام معها بالفحش، .... و تجد مثلا المسلم يجهاهر بقضاء بعض مصالحه بدفع الرشوة، .... و تجد مثلا الزوج يسأل زوجته هل و مع من كانت لها قصص غرامية قبل زواجه بها، و هي لسذاجتها و جهلها تخبره إذا كان لها شيئ من ذلك، و تسأل الزوجة زوجها نفس الشيء و هو لجهله و سذاجته يخبرها بقصصه الغرامية إن كانت له قصص، و الأصل شرعا ألا يسأل أحدهم أسئلة من هذا النوع و ألا يجيب أحدٌ على أسئلة من هذا النوع، و أن يُزجر السائل و يُذَكَّر بأحكام الاسلام بخصوص أسئلة من هذا النوع! .....

بل و الأخطر من هذا كله هو انتشار آفة و طامة عظمى في السنوات الأخيرة، اقتبسها المسلمون من عند الغرب و قلدوه فيها، و هي الجهر بالمعاصي أمام ملايين الناس عبر برامج تلفزية، فتكاثرت البرامج التي يستضيف فيها جهلةٌ انتهازيون من الإعلاميين الناسَ ليسألوهم أمام ملايين المشاهدين و يناقشوهم عن أمور شخصية و معاصي ارتكبوها، فنجد الضيف يحكي مثلا عن قصصه الغرامية و عن أبناء زنا فيُشَهِّر بنفسه و بأطفالٍ لا ذنب لهم فيما اقترف أبويه، و يظن أنه يفعل خيرا بهذا التشهير و أنه بهذه الوسيلة يريد تعريف الأبناء بأبيهم أو أمهم البيولوجين، .... فيرتكب الى جانب معصية الزنا معصية التشهير بفعلته و معصية التشهير و فضح أبنائه امام العالمين! ...

فالمجاهرة بالمعاصي ليست صدقا و لا صراحة، بل هي رِجْزٌ من الشيطان يغوي به الجهلة بأحكام الاسلام فَيُزين لهم ذلك {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ (48)}(الأنفال)، و المُجاهِرين بالمعاصي و القائمين على البرامج التلفزية التي تستضيف المسلمين ليجهروا بمعاصيهم أمام الملأ، كلهم يرتكبون إثماً عظيما، فهم يساهمون في إشاعة الفاحشة و في تهوينِ ارتكاب المعاصي لذى الناس و جعلِ المجتمع يَأْلَف المعصية و يقبل بفعلها و فاعليها: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)}(سورة النور)، ....

فنذكر المسلمين هنا بحرمة المجاهرة بالمعصية، إذ يقول نبيكم محمد عليه أزكى الصلوات و السلام: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ"(صحيح البخاري)

و نُذَكِّر المسلمين أيضاً بأحكام شرعية هامة متعلقة بوجوب ستر المسلم عن أخيه المسلم و حرمة فضحه و تتبع عوراته، فهناك من يتلقف و يتتبع زلات المسلمين الغير متعلقة بحقوق العباد لِيُشَهِّرْ بها بين الناس، ... فنذكر بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم بخصوص ذلك: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"(صحيح مسلم)؛ و قال صلى الله عليه و سلم:*"يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ ، وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ"(جامع الترمدي)؛ .... و في رواية للإمام أحمد، قال رسول الله: "لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ"(مسند الامام أحمد)؛

و ننصح المسلمين الذين يسعون فعلا للصلح مع أقاربهم أو أصدقائهم ألا يلجؤوا الى البرامج التلفزية، فهذه ليست بالوسائل الصحيحة، فهي تعمد للفضح و الإثارة بقصد جلب أكبر عدد من المشاهدين و أكبر ربح تجاري ممكن، و بالتالي هذه الوسيلة الإعلامية من أجل "الاصلاح بين الناس" ليس مبتغاها رضوان الله، بل الربح المادي و جلب أنظار الناس و نيل إعجابهم، فلا بارك الله في إصلاحٍ ليس مبتغاه وجه الله!

فمن أراد الصلح نذكره بقول الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)}(النساء)؛ ...... {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)}(النساء)، فالإصلاح لا يكون بفضح المتخاصمين بعضهم لبعض، و لا بذكر المساوئ، و لا بتحكيم إعلاميين جهلة بينهم يفتونهم بغير ما أنزل الله ....، و لكن الإصلاح يكون في أجواء خاصة مغلقة ليس أمام الملأ و بوساطة بعض أهل الفضل و العلم بدين الله ليبينوا لطرفي الخصومة حدود الله و الحقوق الشرعية التي يجب أن تؤدى للتمكين من قلع اسباب الخصام، و ليبينوا لهم أجر و عظمة العفو عند الله، و ليذكروا طرفي الخصام بتواب الله و بعذابه! .....

فما أعظم و أحكم أن تُذَكِّر مثلا شخصا لا يريد العفو عمن أخطأ بحقه، تذكره بما قال الله سبحانه و تعالى ذكره للصديق ابي بكر رضي الله عنه حين حلف ألا ينفع ابن خالته الفقير مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بنافعة و أن يقطع عنه النفقة التي كان ينفق عليه بعدما قال مِسْطَح في عائشة ابنة ابي بكر و زوجة الرسول ما قال في حادثة الإفك، فقال الله لأبي بكر: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22)}(النور)؛ فقال الصديق ابو بكر رضي الله عنه: بلى، والله إنا نحب - يا ربنا - أن تغفر لنا. ثم رجع إلى مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ما كان يصله من النفقة، وقال رضي الله عنه: و الله لا أنزعها منه أبدا، قالها في مقابلة ما حلف من قبل: والله لا أنفعه بنافعة أبدا! ... فالذي يصلح بين الناس و يُأَلِّف بين قلوبهم هو الله وحده و ليس أي أحدٍ غيره سبحانه، كائنا من كان، و لا أي شيئ مهما كانت قيمته: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}(آل عمران)!

...


  • 1

   نشر في 30 يوليوز 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا