كتبٌ أقلقتني (2) : المرجعية والمنهج - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كتبٌ أقلقتني (2) : المرجعية والمنهج

محمد ابن ادريس العلمي

  نشر في 04 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2016 .

كان المنهج ولا زال أبرز قلقٍ واجهني في رحلة طلبِ المعرفة، وعندما طالعتُ كتابنا الذي نتدارسهُ اليوم ضمن الحَلقة الثانية من هذه السلسلة؛ اكتشفت مَقصوده الذي أجابَ عن مجموعة من الأسئلة الجَوهرية التي كانت تعترضني رغم سياقه الواسع الذي يناقش فيه قضايا بعيدة قليلا عما أريد أن أركز عليه في إشارات ست دقيقة وموجزة عن الكتاب.

كثيرة هي الملاحظات التي تُطرح على طالب العلم وضرورة التزام المنهج وتشكيل رؤية نسقية واضحة تستوجب وضع فلسفة موجهة لبوصلة البحث عن الحقيقة. لكن عند البحث نرى أن هذا المنهج لا يُحترم (إن صح التعبير) ونمارسه في استغباء تام بعيداً عن الارتباط المرجعي بالمطلوب؛ لماذا؟ وماذا نريد؟ !

كتابُ المرجعية والمنهج "دراسة نظرية تطبيقية" صادرٌ عن المجلة العربية وهو للدكتور أحمد مرزاق، وهو مغربي من عاصمة الشرق مدينة وجدة، وقد تتلمذ على يد المفكر الإنسَاني عبد الوهاب المسيري، يحتوي على رؤية ذكية في مقاربة إشكالية المنهج والمرجعية عبر بلورة الرؤية المعرفية للمرجعية وإيجاد العلاقة الرابطة بينهما.

كخلاصة محورية عن الكتاب أقدم إشارات ست، قبل أن أركز النظر في تجميع يوضح القلق الذي انتابني وأنا أقرأ هذا الكتاب.

الإشارة الأولى : إشكالية الانفتاح على المناهج المُتعددة تضعنا أمام حقول دلالية مختلفة باختلاف سياقاتها الحضارية، وهذا ما يؤدي بالحقل الدلالي إلى تشويه لا يصل بنا إلى مزاعم التكامل كما يروج لذلك بعضُ المفكرين في سياق التركيب بين المناهج.

الإشارة الثانية : هناك تناقضات منهجية خطيرة وقع فيها العديد من الباحثين والتي تعاملت مع الوافد بروح استسلمت للنقل في انبهار تام بالآخر وفقدان للآلية المفهومية التي تكرر بدل أن تنحت، وقد أدى ذلك إلى إسَاءة فهم المادة المعرفية. وفي غياب النقد المنهجي الذي لا يسمح بالتماهي أو حذو النعل بالنعل في تلقي علوم الآخر سَقط الكثير منهم في أنساق مختلطة غير واضحة المفاهيم؛ بالتالي ضاع الخيط الناظم وافتقدت روح النص المشكلة لبنيته.

الإشارة الثالثة : الصرامة المنهجية تغيب في الكثير من الأحيان عن بعض الكتابات، وهذا ما نشهده بالأساس عند بعض المفكرين كحسن حنفي مثلا عندما سئل عن ضرورة المنهج في الكتابة، فقال : لو سألت شكسبير كيف كتب مسرحياته لصعبت الإجابة، ولو سألت أي شاعر كيف كتب قصائده لصعبت الإجابة، هنا يجيب الكاتب أحمد مرزاق بقوله : هل صحيح أن حنفي يكتب مقدمة في علم الاستغراب ونحن نعرف عمق هذا الكتاب الذي يلخص جبهات مشروعه المعنون تحت إشكالية التراث والتجديد، وكذلك كتابه من العقيدة إلى الثورة في خمسة أجزاء كما يكتب الشاعر قصائده، وأين هي الصرامة المنهجية في كتاباته وغيره من المفكرين ؟ ! فحسن حنفي يتهرب دائما من الإجابة ويُرجع المهمة إلى الناقد.

الإشارة الرابعة : المرجعية في بعض الأحيان تختزل في اختيار واحد وهذا يقلص من إمكانية المراجعة والنقد السليم، فعندما نبحث مثلا في المرجعية الغربية كما يحددها بعض الباحثين أمثال عرفان عبد الحميد فتاح في كتابه إسلامية المعرفة ومنهجية التثاقف الحضاري يحصرها في نتاج ثلاث مكونات : الفلسفة اليونانية والتراث الروماني إضافة إلى المسيحية. لكنه أغفل ذكر بعض المصادر الأخرى كالأصل الإسلامي والتراث اليهودي، ويضيف حسن حنفي مصدرا آخر سماه البيئة الأوروبية نفسها، والمثال على ذلك بناء مشروع الحداثة الغربية على أسطورة برومتيوس وفاوست.

الإشارة الخامسة : المرجعية مرتبطة أساسا بالمنهج، لكن السؤال الذي يقلقنا دائما عن أي مرجعية نتحدث أو سنعتمد؟. عندما نتحدث في إطار متجرد نقول : هل العقل أم الحس يمكن لنا أن نتخذه منهجا (طبعا بتوفر البنية الذهنية التي تشكل أنساقه) أم هما معا؟ ومن يحدد أيضا مشروعية هذه المرجعية ومنهجية المنهج نفسَهُ ؟ .. حاول أبو القاسم حاج حمد في كتابه العالمية الإسلامية الثانية أن يجيب عن هذا السؤال بقوله: إن لكل فكر منهجه الضابط و المنظم له، وبالتالي العلاقة بين المرجعية والمنهج تحكمها طرائق من الاشتغال لا تخرج عنها سوى بعض المحاولات البائسة التي تُراجَعُ في نهاية المطاف وينهال عليها بوابل من النقد الذاتي في كثير من الأحيان، كالذي يحاول أن يطعم الماركسية بالنزعة الإنسانية وهي نزعة خارجية ذاتية، لأنها تجرد الماركسية من جبريتها وهو أمر غير ماركسي كما يقول أبو قاسم حاج حمد في كتابه الضخم الذي يناقش فيه جدلية الغيب والإنسان والطبيعة.

الإشارة السادسة : إن آلية النقد الذاتي ضرورة منهجية لكل مرجعية معتمدة أو سيتم دراستها، ولاستيعاب أنموذج معرفي معين وتفكيكه لا بد من ممارسة عملية استنطاقية عميقة كما يقول المسيري للإطلاع على الأنموذج التفسيري الذي يحرك الظاهرة المكونة للرؤية المرجعية التي ينتمي إليها.

في تجميع للرؤى التي استخلصتها من الكتاب والتي شكلت منطلقا جديدا أعطاني نظرة أخرى للتعامل مع المعرفة كمنهج، أولا : في التلقي وذلك لضرورة التقعيد المعرفي الذاتي. وثانيا : للنظر من أجل استيعاب الرؤية المكونة للمعرفة المدروسة، وإمساك خيط مفاهيمها دون تحيز قد يودي بعملية النقد والاستنطاق إلى الفشل. وثالثا : تكوين خريطة إدراكية لعملية البحث عن المعرفة التي هي بحثٌ دؤوب عن الحقيقة، للسير منهجيا وبمرجعية صلبة نحو مدافعة الأفكار والمنظومات السائلة التي تفكك كل شيء يقف أمامها في هدم صارخ للخصوصية أو بالأحرى الهوية.

لا بد لطالب العلم إذن أن يستيقظ أثناء البحث، وأن يكون حريصا وفطنا في الابتداء على تكوينه الذاتي لتوفير أرضية متينة يستطيع من خلالها الوقوف جيدا من أجل النظر والمحاججة، وهذا لا يمنعنا طبعا من الغوص في المرجعيات المناقضة لتصوراتنا ومحاولة فهمها وتجاوزها وربما التعلم منها، لكن بمنهجية صارمة لا تجرف الباحث إلى التماهي والحلول. أما الذين يلجون باب المعرفة في عمى للبصر والبصيرة ونسمع عنهم انحرافا منهجيا في التحليل والاستنباط، فلنتأكد بأن جيل كبيرا منتشرا بيننا لا يفقهون شيئا في المنهج، وعندما تحدثهم محاولا توصيف الأمر والتنبيه عن الأخطاء الفادحة التي يكررونها دون فقه أو علم، يقلبون الطاولة في تبرير يؤكدون به بأنهم ينطلقون من المنهج ويدافعون عنه في تناس تام للخلفية المهتزة التي ينطلقون منها والتي ستنهار عليهم يوما ما بلا شك أو ريب.


  • 3

   نشر في 04 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا