أسرها طواعية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أسرها طواعية

  نشر في 25 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2018 .

أسرها طواعية

كان عائدا للتو من عمله, تناول الطعام وتوجه الي شرفة المنزل لاحتساء القهوة متأملا الحديقة المقابلة لمنزله بأشجارها وزهورها.

بعد عدة دقائق, خرجت فتاة شابة في المنزل المقابل الي شرفة منزلها, اتكأت الي سور الشرفة واضعة يدها أسفل وجنتها وهي تنظر الي حديقتها. لطالما تسائل الشاب عن تلك الفتاة التي تظهر من حين إلي اخر في احدي الشرفات المواجهة لمنزله, صباحا ومساءا, إما تحتسي قهوتها أو تقف صامتة متأملة حديقتها الصغيرة. في اليوم التالي وهو ذاهب إلي عمله وقعت عيناه علي الشابة تقف أمام منزلها وهي تتحدث في هاتفها الجوال فسارع إليها وألقي عليها تحية الصباح والتي قابلتها بجفاء واضح وصادم. اندهش الشاب من ردة فعلتها وهو لم يخطئ بل تحدث بأدب شديد وهي تتجاهل حتي رد التحية. نظر إليها باستغراب نظرة مطولة لعلها تراجع نفسها ولكنها لم تفعل بل

توجهت نحو سيارتها وغادرت مسرعة. في المساء, وبعد أن عاد من العمل وتناول طعامه, أراد أن يستمع إلي الموسيقي وهو يعد قهوته التي سيحتسيها في الشرفة, خرج لشرفته ليري الشابة في المنزل المقابل ملقية نفس النظرة الحزينة نحو حديقتها. فتعمد رفع صوت الموسيقي لعله يلفت نظرها إليه ولكنه أخفق وهي لم تحرك ساكنا. كلما أمعن لها النظر راودته استفسارات عديدة حول تلك الشابة الغامضة والمتكبرة, بعد دقائق لمحها تغادر الشرفة تاركة العديد من علامات الاستفهام أمام ناظريه.

ذات يوم, وأثناء التسوق في إحدي المتاجر رأي الشابة فأسرع نحوها, وقف أمامها ونظر إليها وإذا به يطيل النظرة وتغيب عنه الكلمات وهو محدقا في عينيها, فأدارت وجهها عنه وأرادت استكمال التسوق. استدار نحوها مرة أخري وعمد علي تقديم نفسه،

في عبارات مقتضبة وهو لا زال يبحث عن الكلمات وسط عينيها الجميلتين. فجأة حدقت فيه لتنزع عن رأسها  غطاء الرأس الخاص بالمعطف الذي ترتديه وتسحب من أذنيها سماعات  الهاتف الجوال لتخبره بسخرية أنها لم تستمع إلي حرف مما نطق به وأنها اذ تلجأ دوما

إلي تلك الحيلة ليس حبا في سماع الموسيقي وإنما رغبة في تجاهل بعض الحمقي.

لوهلة, شعر الشاب بأنه ليس علي مايرام وأنه لربما لم يستمع إليها جيدا, حتي أنه لم يصدق أذنيه, وغادر المكان خجلا. في ذلك المساء رفض الخروج إلي الشرفة تجنبا لرؤيتها فينفجر غضبا, واستطاع بالفعل أن يتجنب الخروج  للشرفة ليومين متتاليين ولكنه لم يستطع أن يتجنبها لأكثر من ذلك. ذهب إلي أحد متاجر بيع الزهور واشتري لها باقة غاية في الجمال وانتقي مع البائع الورود بعناية واختار لون الشريط والورق الملون الذي سيزين الباقة. اتجه إلي منزل الشابة وطرق بابها فإذا بها تخرج له مندهشة وتسأله عن سبب الزيارة وخلفها شابة أخري قد تكون صديقتها, فقدم لها باقة الورد معتذرا عن ازعاجها في المتجر وأثناء التسوق ولكنها رفضت ليس فقط الزهور بل أيضا قبول الاعتذار. ألقي الشاب باقة الزهور علي الأرض وغادر المكان عائدا  إلي منزله ولكن تلك المرة كان يلوم نفسه علي فعلته وأنه يحاول مرة أخري معرفة سر الشابة المتكبرة التي أهانته ولم تشعر لوهلة بالذنب نحوه وهو لم يخطئ في حقها.

في أحد الأيام قرأ لافتة إيجار معلقة علي المنزل المجاور بل الملاصق لمنزل الشابة المتكبرة ووجدها فرصة جيدة لعلها تقربه منها, واتجه إلي صاحب المنزل لاستئجاره والذي قبل فورا عرض الشاب واتفقا علي موعد لتسليم مفاتيح المنزل والتعرف علي جيرانه الجدد والترحيب به. أخبر صاحب المنزل الجيران ومنهم الشابة بالموعد وطلب منهم أن يأتوا للترحيب بالشاب. في الموعد المحدد أتي الجيران إلا هي, لم تحضر ولم تعتذر. فاستأذن الشاب من الحضور وذهب إليها طارقا الباب بلطف ليتسائل إن كانت علي ما يرام وليخبرها بنفسه أنه هو الجار الجديد لها وأنه يقطن حاليا المنزل الملاصق لمنزلها ويسعده التعرف عليها ويشرف بحضورها لقائه مع الجيران المجتمعين لديه بالمنزل لاحتساء القهوة. فرفضت دون أن تبدي أية أسباب, أراد أن يتركها ويعود آسفا إلي ضيوفه, لكنه لم يكن مؤهلا نفسيا لصفعة جديدة من تلك المغرورة. فلم يع ما يقول وانفجر فيها بكلمات غاضبة وبنبرة عالية مهددا إياها أنه يوما ما سينزع عنها أعز ما تملك.

صراخ الشاب في وجه الفتاة المغرورة لم يكن مجرد تفريغ لشحنة غضب نتيجة اساءاتها المتكررة له ودون وجه حق, الشاب شعر فجأة بأن قلبه ينبض حبا لتلك المتكبرة التي بادرت مشاعره الجميلة بردة فعل أقل ماتوصف به أنها صادمة وموجعة. كلمات الشاب وتهديده وقع علي مسامعها وكأنه رعدا أخاف قلبها كثيرا حتي أنها ارتعشت وسارعت باغلاق الباب لتختفي من أمامه. أما هو فقد عاد إلي ضيوفه محاولا اخفاء غضبه ولكنه لم ينجح. لم يعد ليرحب بضيوفه, لم يستطع مواصلة الحديث معهم وخرج مسرعا إلي الشرفة لربما يراها هناك تنتظره لتعتذر منه علي تصرفها الغير لائق. لكن مع الأسف, لم يرها وتعجب كم هي عنيدة ومتكبرة حتي أنها لا تأبه لما يظنه الناس عنها. لكن تلك هي المرأة الغامضة تتركك لتظن بها ماشئت, فلا تأبه لظنونك ولا تلتفت لثناءك عليها. تعطيك الفرصة كاملة لتفسرها فلا حسن ظنك سيلبسها رداء الكمال ولا سوء ظنك سيضعف من قوتها.

كل ليلة, وحينما يخرج إلي شرفته يري الشابة, فإن رأته غادرت الشرفة, كل يوم وهو خارج إلي العمل يراها أمامه فيحدق فيها لثواني قليلة فتسرع إلي سيارتها وتختفي. استمر الحال بينهما شهور طويلة وهي تتجنبه وترتعش كلما رأته وهو كلما راها أمعن

النظر إلي محبوبته المتكبرة. حاول مرارا أن يتجاهلها ويتجنب التفكير في تلك المغرورة, حاول أن يستغني عنها ولكنه فشل. كان يفتقدها ويجد الدنيا في غيابها غربة وكأنه أتي اليها بصحبة الشابة, هو يحبها حقا وقد سكنت روحه حتي أنه غفر لها ذلاتها وقسوتها. إلي أن  أتي ذلك اليوم، وكان عائدا من العمل ليراها تخرج من سيارتها وتتوجه لاخراج العديد من الأكياس وفي يدها حقيبة أوراق وكان باب منزلها مفتوحا, فلم يهم بعرض المساعدة عليها. في لمح البصر وهي تعبر الشارع إلي منزلها تعثرت قدمها لتسقط علي الأرض وتناثرت أكياسها حولها يمينا ويسارا ومن ثما الاوراق حولها يمينا ويسارا فتسقط أرضا  ويسقط قلبه خوفا عليها. أسرع إليها وانتزع المفاتيح من يدها وحملها رغما عنها وهي تصرخ ليس من الألم ولكن خوفا منه أن يقترب منها وطالبة منه أن يتركها. حملها بين ذراعيه وتوجه إلي منزلها وفتح الباب ودخل مسرعا نحو غرفة النوم وهي لاتزل تصرخ وتطلب منه أن يتركها وحالها وتتوسل إليه ألا يفعل, وضعها في سريرها وأخرج هاتفه وابتعد عنها قليلا متجها نحو الغرفة المجاورة ليتصل بالطبيب الذي أتي مسرعا. بينما الشابة كانت تموت خوفا منه ولا تري إلا وحش سينفذ تهديده لها وينتزع منها أعز ما تملك، فجأة يتجه الشاب نحو باب المنزل ليستقبل الطبيب، والذي بدوره طمأنه بأنها علي مايرام وليست مصابة بأية كسور إنما هي مجرد كدمات وتحتاج إلي الراحة.

مرت الأيام والشابة في منزلها لا تخرج للشرفة ولا من البيت. بعد أن تعافت وأول مرة تخرج لتري حديقتها، لاحظت أن ثمة شجرة ورد تتسلق جظار شرفتها، تسللت موسيقي خافتة إلي أذنيها واستمعت إليها فكانت رقيقة وهادئة, ولكنها لم تر أحدا. يوما يلو الآخر كانت قد تعلقت بأزهار الشجرة الجميلة فكانت تقطف منها وردة لتزين بها مكتبها تارة أو تضعها في كتاب تارة أخري, بدهشة وقفت تتأمل كيف تسلقت أغصان الشجرة داخل شرفتها لتهديها أجمل الورود. وبالخروج ليلا إلي الشرفة والاستماع إلي الموسيقي ولربما الغناء بصوت خافت تعلقت الشابة بالمجهول. نعم كانت تحب الورود رغم أنها رفضت أن تقبلها من جارها الشاب, كانت تحب سماع الموسيقي رغم أنها حين سمعتها ذات ليلة عالية من شرفة المنزل المقابل حيث كان يقطن الشاب تهربت منه وأغلقت في وجهه النافذة, كانت اجتماعية ولبقة رغم أنها صدمته مرارا وجرحته عن عمد  تكرارا بردها الصادم مرة والجارح مرة أخري. ذات ليلة صيفية ساحرة, والسماء تزينها النجوم اقتربت من الورود وكانت تداعب واحدة تلو الأخري وتدندن مع اللحن الذي من الواضح أنه كان يطرب أذنيها, ففاجئها الجار الوسيم ظاهرا فجأة من الشرفة المجاورة. اضطربت وارتعشت حتي انها لم تتحرك خطوة واحدة للخلف وظلت في مكانها بجانب الشجرة. كان يحدق في عينيها وهي تنظر إلي عينيه اللاتي تلمعان في ضوء النجوم .......عيناه ساحرتان.

قال لها: لقد أجهدتي قلبي! فاندهشت وتساءلت في مخيلتها كيف "أجهدت قلبه" وأنا حتي لا أحادثه ولا أراه؟  كانت تتحاشاه خوفا منه ومن تهديد ذلك اليوم، حتي حينما تعثرت ووقعت أمام المنزل كانت ترتعش خوفا وتمنت لو لم تره قط.

فأجابها أنه أحبها وكان حبه لها يزداد يوما بعد يوم, حاول التقرب منها فصدمته, حاول مرة أخري فجرحته, سارع بالأعتذار لها فأهانته, كان عشقه لها يكوي قلبه وهي تتلذذ بالتكبر عليه. فقرر ألا يستسلم وألا يتركها ويبتعد فلربما استطاع حل لغز شخصيتها. دمعت عيناها وهي تستمع إلي كلماته التي أحستها بصدق ولمست قلبها فجأة، فهرع بالدخول من الشرفة نحو باب منزله, واعتقدت هي بدورها أنه لن  يستطرد فب الحديث معها وانه مجروح ولن يسامحها. لكنها سمعت يدا تطرق باب منزلها, وأسرعت لتفتح الباب  وهب تمسح دموعه، فرأته أمامها مترجيا إياها ألا تبكي, وأنه يحبها وليس بغاضب منها ولا يريد أن يراها حزينة. لمح تلك الفازة الصغيرة فوق مكتبها والتي وضعت الشابة داخلها إحدي وردات شجرته, فاقترب منها وأمسك يدها وحكي لها أنه قد نجح  أن يسلبها أعز ما تملك.

نظرت إليه متسائلة عما يريد قوله.، فأسرد في الحديث أنه بعد أن تأكد من حبه لها قرر أن يسلبها قلبها. شرح لها أنه كان دوما يتسائل عن سر تكبرها وغرورها وحينما لم يستطع أن يجد لهما تفسيرا قرر وضع خطة كي يسلبها أعز ماتملك, ولكن طواعية: انتقل من شقته المقابلة لمنزلها ليكون بالقرب منها ولا يبعده عنها سوي جدار, لجأ إلي حيلة شجرة الورد التي زرعها علي جدار شرفته لتتسلق أغصانها جدار شرفتها فتراها كل يوم وتغرم بها وكذلك كانت موسيقاه المفضلة التي كان يطرب بها أذنيها كل ليلة. تلك الخطوات كانت هي تفاصيل خطته للسيطرة علي قلبها, سرقته منها طواعية: وقد نجح. ببرائة ساحرة نظرت إليه وقالت:

أنت لم تكن تعلم عني شيئا ولا عن معركتي مع الحياة, لا عن ألمي ولا عن معاناتي في دائرة الحزن وحدي, لا عن البرد الذي صدع جدران قلبي ولا النار التي التهمت طيبتي, لم تعرف كيف تعثرت ولا كيف وحدي نهضت, وقتها لم تر مني إلا الغرور الذي ارتسم علي ملامح خبأت 

الخوف في طياتها . أنت لم تلحظ إلا ذلك النسيج الخارجي الذي لطالما اجتهدت في غزله في وجه كل من حاول أن يقترب مني. أنت أطلقت حكمك حول شخصيتي وأوصافي وأنا  كنت غير مكترثة له لأني كنت أصر فقط علي ابعادك كغيرك عني، فقد مررت بمواقف في الحياة جعلتني أتعثر ثم أنهض, أتألم ثم أتعلم وأبكي ثم أجفف دموعي وأستدير لأبتسم وأخرج للحياة مبتسمة وكأن شيئا لم يكن.

أنا تلك الأنثي التي لطالما أحكمت اغلاق قلبها, لأني إن فتحته لك توقعت منك ألا تخذله, وعليك حينها أن تستقر فيه بحب وإخلاص أو ترحل في هدوء فأعيد إغلاقه. نعم أفضل أن أكون مغرورة ليبتعد عن وجهي كل أحمق وضعيف, نعم أفضل أن أكون جارحة في وجه من يفعل لأجلي تلك الأشياء البسيطة, نعم أفضل أن أكون صادمة.... أنانية..... ومتكبرة ليتحملني فقط من أعماه عشقي عن ازعاجي, فمن يعشقني سيتحمل صخب معركتي مع الحياة. 

أجابها مبتسما: وأنا يا أميرتي هو ذلك المجهول الذي انتزع منك طواعية أعز ما تملكين, وألبسك تاج الحب الذي لطالما كنتب به تحلمين. سرقت قلبك وانتي لا تدرين, كل السرقات حرام ..... إلا سرقة القلوب حبيبتي, وإن كنت سارقا فأنتي قبلي. ...... سرقتي قلبي❤!

الشابة كانت في حاجة لذلك المجهول الذي يأتي ليمحي أثر الخذلان, شخصا يحبها لشئ فيها ليس لشيئ تملكه، شخصا لا يشبه الكثيرين، لا يشبه هؤلاء الحمقي حولها . لطالما حلمت بمن يأتي فجأة ليضئ عتمة قلبها ولا يخشاها, بمن يبقي ممسكا بيدها حين يري كم هي مجروحة ومدمرة, فلا يهرب بل يبقي إلي النهاية ويصلح ما أفسدته معركتها مع الحياة, ويصالحها من جديد علي نفسها وليس فقط علي الحياة. كانت تحلم بذلك الذي لا يغضب لأتفه الأسباب, يتحملها حين تغار عليه بجنون, لمن تحتل مقدسه فلا يصلي في محرابه غيرها ومن يحبها في لحظات الحرب لا في لحظات السلام. نعم أخطأت حين قررت اغلاق قلبها خوفا من المجهول, ولكن ليس كل مجهول جارح فقد أوشكت أن تضيع مجهول لحبها طامح.

 أسوأ الذنوب هي تلك المقترنة بالتأجيلات, تأجيل الفرصة, تأجيل الفرحة, تأجيل الشكر, تأجيل الاعتذار أو تأجيل الحب فقد نؤجل الفرصة الي أن يفوت الأوان.




  • 1

  • أميرة أحمد
    طالبة دكتوراة في تخصص اللغة الفرنسية وآدابها
   نشر في 25 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا