مفارقة النِّسوية: بين نار التمييز الجنسي والرغبة المحمومة في شريك مُتسلط - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مفارقة النِّسوية: بين نار التمييز الجنسي والرغبة المحمومة في شريك مُتسلط

  نشر في 06 يناير 2021 .

المرأة، هذا الكيان الغامض الذي يُضفي على الوجود بهاءً ومعنى، شريك الرجل الأنطولوجي وينبوع العطف والحنان، مزاجية أحيانًا، ومفعمة بالحب أحايين كثيرة، تَهبُ الحياة وتسعى، حثيثًا، إليها حيثُما وُجدت، خفيفة كالهواء وطائرة كالريش. مِثلُ هذه الخصائص، إن اجتمعت، تُفرز جموحًا يصعب التعامل معه بمنطق الحَجر والمُغالبة، لأنها ستنتصر دائمًا في المعارك التي تخوضها بإيعازٍ من الرغبة الملحة في التحليق المرادف للحرية.

حَاولتْ المرأة على مرّ التاريخ، وبطرقها الخاصة، تقاسم السلطة مع الرجل أو الانفكاك من قيوده سعيًا منها إلى إثبات الذات والأخذ بزمام شؤونها دونما تطفل أو مُساءلة، وتأرجحت مُحاولاتها بين أسلوب الإغراء، بما هو سلاح يُفضي إلى نتائج آنية ملموسة، فصارت، بفضل ألاعيب الإغواء والاستمالة، مستشارًا في الحكم ومَصدرا لقراراتٍ يُعلن عنها بِلسان الحَاكم، أو الانتقال إلى أساليب أكثر عدوانية وشراسة كالاغتيال عبر دسِّ السم في العسل، ويَا ما اغتيل أُمَراءٌ وأباطرة بكيد إمرأة و سقطت مماليك، وبُدلّت بلدان وخرائط بتدبير أنثى.

أليس، كما قيل، أقصر الطرق إلى قلب الرجل معدته؟ حتى في ظروف القهر السيكولوجي ابتكرت طرقًا تمنحها تحكمًا ميتافيزيقيًا بمجريات المجتمع الذي تنتمي إليه، بلجوئها إلى التنجيم والسحر والشعوذة. هذا يثبت، يقينا، إلى أي مدى هي جامحة!

مع بزوغ الثورة الصناعة وتبدل أنماط العيش، وما صاحب ذلك من تغيير لبنية المجتمعات الحديثة، وكذا الحاجة المُلحةَّ للعمال في مصانع النسيج، انبرت بعضُ النساء إلى اقتحام مُعترك السياسة تنظيرا وممارسة، فِكرا وأَجْرَأة، من أجل انتزاع الحقوق وتحصين المكتسبات، أبرزهُن، وليس كُلهن، كلارا زيتكين، سيمون دي بوفوار، روزا لكسومبورغ.. و أثمر نضالهن المستميت اعترافا وحقوقا مكتسبة، بيد أنّ المعركة من أجل المساواة لم تتوقف، وإلى اليوم مازالت الحركات النسوية في العالم تناضل من أجل قضايا المرأة، هنا وهناك، وإن اختلفت في المنطلقات والرؤى ( نسوية اشتراكية، ليبرالية، راديكالية، نِسويّة السود...) يبقى سعيها واحدا؛ مجتمع تتساوى فيه المرأة بالرجل، ولما لا، تضطلع فيه بأدوارٍ قيادية وتحكُّم أكبر بزمام السلطة.

«التمييز الجنسي الخَيّرْ» صفةٌ تستهوي النّسويات


رجل يبادر إلى مساعدة سيّدة في إصلاح عطل بالسيارة

ماذا لو أنَّ رجلاً هَرع، بنيَّة حسنة، إلى سيِّدة نِسويّة في الشارع العام، ليقدم لها يد المساعدة في حمل أغراضها الثقيلة إلى السيارة، هل ستنظر إلى هذه اللّفتة باعتبارها بادرة لُطفٍ وتعاون أم إساءة جنسيّة إلى مَقْدِراتها وقوتها ؟ ماذا لو أن شابّا ظريفا أخلى مقعده في وسائل المواصلات العمومية لتجلس فيه فتاة مُتشبّعة بالفِكر النّسوي ؟ هل ستنظر إلى هذا السلوك بوصفه تحيُّزا جنسيا واستهانة بقيمتها أم تمييزا خَيّراً، إيجابيا، وعُربون نُبل و أخلاق وشهامة ؟

يصف علماء النفس هذا السلوك بـ «التمييز الجنسي الخَيّرْ»» لكنّهم، بالمقابل، يَعتبرونه تنقيصا ضِمنيا من قوة المرأة وكفاءتها سِيّان إن تَمَّ بوعي أو بغير وعي. الغريب في الأمر هو أنّ المرأة، بحسب نتائج دراسة إحصائية، تميل إلى الانجذاب أكثر، ويا للمفارقة، إلى هؤلاء الرجال المتحيزون ( إيجابيا ) أكثر من أولئك الذي يُعاملونها بمنطق النّد للند ومُواضَعات المُساواة المُطلقة بين الجنسين، فكيف يمكن حلحلة هذه المفارقة وتفسير الظاهرة ؟

يرى البعض أن السبب يَرتَجع إلى افتقار المرأة لآليات فرز وغربلة سلوكات «التمييز الجنسي الخَيّرْ» عندما تكون تحت طائلة الإطراءات والمجاملات اللطيفة، هذا و يُعتبر، هذا النّوع من التمييز الجنسي، بالنسبة للأخصائيين النفسانيين أبلغُ ضررا من التمييز الجنسي العدائي كونهُ يتَّسم بالمكر ويتمظهر في حُلة ذئب يرتدي عباءة حمل وديع، بيد أن أخصائيو علم النفس الاجتماعي يعترضون على هذه الخُلاصات مُعتبرين أنّ المرأة فَطِنة بما يكفي لكَشف مظاهر الأبَويّة في سلوك الرجل. الواقع أنّ الحسم، أو الإطمئنان، في هذا الموضوع يحتاج إلى استفاضة بالدرس والتحليل، الشيء الذي يجعل التحقق من قُدرة المرأة على فرز تضمينات الأبَويّة في سلوك الرجل أمرا يصعب القَطع فيه.

بعيدا عن طروحات السيكولوجيين وعلماء النفس الاجتماعي نستحضر، بحذر بالغ، الخَلفية البيولوجية التطورية أو المنظور التطوري للمسألة؛ يترتب عن هذا السلوك-أي التمييز الجنسي الخيّر- إشكالية أخرى صميمة تتمثل في البُعد الغريزي الذي ينطوي عليه، إذ أن جاذبيته الجنسية، بالنسبة للنساء، تُشير إلى رغبة شريك جنسي محتمل في التَقرب إلى المرأة واستثمار مَواردها البيولوجية لتحقيق مبدأ استمرار النوع. وهذا يعني، يقينا، أنّ المنظور السيكولوجي وحده لا يقدم تفسيرا جامعا مانعا.

نُحت مصطلح «التمييز الجنسي الخَيّرْ» عام 1996م، وتَكْمنُ الفكرة من ورائه في أنّ التمييز على أساس الجنس لا ينجلي دائما في صورعدائية، بل يتخذ تمظهرات أخف وأقلُّ وطأة، كأن يُقال، من باب الإلماع، " رِفْقاً بالقوارير" أو في سلوكيات لَبقة كأن يهُمَّ الرجل بفتح باب السيارة للمرأة. هذه المظاهر، بالنسبة إلى مُنظري ومُنظرات الحركة النسوية، بل حتّى علماء النفس، يُنظر إليها بوصفها تمثيلاً قدحيّا ينطوي على التقليل من قيمة المرأة عبر تصويرها مُرادفاً للهشاشة و الارتخاء والضعف، وتكريس لفكرة عدم أهليتها، بل وحاجتها الدائمة للمساعدة من الرّجل، وما كان من ذلك في تقويض أسس المساواة بين الجنسين.

من هذا الضوء، شَرع علماء النفس الاجتماعي في بحث الآثار الوخيمة المترتبة عن سلوكيات «التمييز الجنسي الخَيّرْ» ووفقا للدراسات، في هذا الباب، تميل النساء اللائي يخضعن لتأثير هذا السلوك إلى الاعتماد أكثر على مساعدة الرجل، وإلى السّماح، عن طيب خاطر، بإملاءات الرجال في ما يجب أو ما لا يجب عليهن فعله، وعلى ذلك يُصبحن أكثر ترددا في التفكير المستقل و أقل طموحا وكذا أقل أداءً في حقول العمل والمعرفة ويبقى السؤال، بالنظر إلى ما سبق، ما الذي يجعل المرأة منجذبة إلى هذا السلوك؟

لربّما نعثر على بعض الإضاءات التي تسعفنا في فهم طبيعة المفارقة في ما يطلق عليه علماء الأحياء التطورية بـ «نظرية الاستثمار الأبوي» (روبرت تريفرز، 1972م)، إذ يقتصر نجاح الرجل في عملية التناسل، وفقا للنظرية، بتوفير حفنة ضئيلة من الخلايا الجنسية، في حين أن نجاح المرأة يشترط قُدرتها على إتمام شهور الحمل والرضاعة، ومِنهُ، تنزع المرأة، على مدار قِسطٍ وافر من تاريخ البشرية، إلى انتقاء شريك جنسي يمتلكُ قُدرة وإرادة في مُساندة سيرورة الحمل والرضاعة بتدبيره للغذاء وتوفيره الحماية من الأخطار العدوانية والتهديدات البرّانية مِمّا يفاقم فرص نجاح اتمامها لسيرورة التناسل بشكل أكبر وعلى نحو أيسر.

هكذا صِيغَتْ، بفضل التّطور، سيكولوجية أُنثوية تنزع إلى تَفْضيل الشريك الذي يتّصف بإشاراتٍ وخصائص تُبرز استعداده للاستثمار في موارِدها؛ من مثالها : اللياقة العضلية الجسمانية والتي يُقابلها، اليوم، اللياقة المالية. هذه المُتطلبات والاشتراطات تَضْمنُ، نسبيّا، نجاح السيرورة، بيدا أنّ السلوكيات " اللطيفة " مثل فتح باب السيارة لا تضمن إطمئنانا كُليّا، ومع ذلك فهي تُحيل وتشير إلى أن الرجل، لَربّما، يحوز الاستعدادات المرغوبة لإنجاح التناسل، الشيء الذي يمنحها قدراً من الجاذبية والاهتمام.

الحقيقة أن هذه الخُلاصات ليست مَحضَ تأملاتٍ نظرية في تاريخ الحياة على الأرض ونشأة الأنواع، أو تنقيبا في سلوكيات مملكة الحيوان، الثديات على وجه الخصوص، بل تَدعمها أرقام إحصائية من صميم مُجتمع التمدّن والحضارة، إذ أُجريت دراسة استقصائية حول الموضوع بإشراك سبع مئة إمرأة تتراوح أعمارهن بين 18 إلى 73 سنة، طُلب منهن قراءة بروفايلات لرجال عبّروا عن نيتهم أو انخرطوا في أفعال يمكن وصفها بـ«التمييز الجنسي الخَيّرْ» كمثل الهروع إلى المساعدة في حَمل صناديق ثقيلة، أو تقديم مِعطفٍ للوقاية من البرد.

أكدت النساء المُشاركات في الدراسة على أنّ بروفايلات الرجال المعروضة أمامهم تحمل خصائص الرجل المتسلط والميّال إلى التقليل من شأن شريكته في الحياة، بيد أن النتائج المُحصلة أكدت، أيضا، أنّ هؤلاء النِّسوة أكثر انجذابا إلى هذا النوع من الرجال بصرف النظر عن مخاطرهم المُحتملة. هذه المفارقة تجد تبريرها في ردّ النساء المشاركات اللائي اعتبرن الرجل المتسلط قريناً للالتزام والحماية والانفاق. النتائج المحصل عليها تبدو نسبية جدا متى استحضرنا طبيعة العينة المُنتقاة والتي، في مجملها، توافق على الأدوار التقليدية للجنسين، ولأجل بلوغ أقصى درجات الصرامة المنهجية تم إشراك فئات تمتلك وعيا نِسويَّا، عبر دس عبارات متعمدة في الاستبيانات تسمح، إلى حدٍ ما، بقياس درجة المواقف النسوية لدى المشاركات صِيغت على النحو الآتي :

لاينبغي للمرأة أن تفكر في حمل الأطفال وتربيتهم إذا أرادت أن تشق طريقها المهني بنجاح

خلصت النتائج، كسابقاتها، إلى تصنيف بروفايلات الرجال المعروضة، بتقدير شرس، من قبل النّسويات باعتبارهم مُتسلطون ومقللون من شأن شركائهم في الحياة. لكنهن، وعلى غرار النساء التقليديات، يَجدن، وهي مفارقة أيضا، هؤلاء الرجال أكثر جاذبية، إذ رجحن رغبة الرجل في الاستثمار فوق عيوبه. وكان أن تبدو، تبعا للخلاصات، حتى النسويات المخلصات لمبادئهن ميّالاتٍ إلى تفضيل رجل شهم يُشهر الأموال في الموعد الغرامي الأول، ويمشي، جنبا إلى جنب حبيبته، في الرصيف بمحاذاة الجانب المروري معرضا نفسه للنَّوائِب والأخطار.

من شأن دراسات كهاته أن تنير بعض الجوانب المظلمة في علاقة المرأة بالرجل والآليات السيكولوجية التي تهتدي بها، ومن شأنها، أيضا، أن تساعد، في ظل أزمة العلاقات العاطفية والزوجية، بعض النساء المتحررات على اتخاد قرارت أكثر حكمة حين يتعلق الأمر برجل سلطوي عنيد، واللائي يتوجسن من تعامله الفظ، بنية حسنة ربما، مع المرأة كما من شأنها أن تُعيد تشكيل منظورنا إلى «التمييز الجنسي الخَيّرْ» باستحضارنا لسياقاته المختلفة ؛ المساعدة المفرطة للمرأة في سياق العمل يضر، حتما، بصورتها في إبراز كفاءتها وأهليتها، بيد أنهُ لا ضير من التعامل بمرونة وأريحية في سياقات أخرى يبادر فيها الرجل إلى مد يد العون في حمل أثقال أو حتى المساعدة في قتل صرصار! إن إدراك الفروق الدقيقة بين السياقات المختلفة يتوخى التقليل من الآثار السلبية المتأتية من «التمييز الجنسي الخَيّرْ» مع ضمان إطمئنان المرأة، التواقة إلى الحرية، للمكاسب الإيجابية المُلازمة لهذا النوع من التمييز.

الرمزية الثقافية للأعضاء التناسلية مِهادُ التمييز الجنسي

منحوثة لقضيب تتمسك به أنثى

كانت الجنسانية و الجسد، سواء بِسواء، ثيمة صميمة في أدبيات الحركة النسوية، وحظيت بقسط وافر من الاهتمام، تنظيرا وممارسة، وانبرت طائفة من النّسويات، في الآونة الأخيرة، للدفاع بضراوة على المساواة التامة بين الأجساد، ذكورا وإناثا، وذلك بكسر كُلِّ الطابوهات مُعبّراتٍ عن هذا المسعى، في اندفاع وحماس حارق، بصدور نضالية عارية في وجه الجميـع. قد تبدو حركة متجذرة، حتى لا نقول عنيفة، ولكنها مسكونة بروح ثورية أيضا، والواقع أنّها تمخضت كرد فعل حديث، أو كشكلٍ نضالي ينسجم و روح العصر، ضدَّ ما تحسبهُ النّسويات تمييزا جنسيا، ضاربا في القدم، ينظر إلى جسد المرأة كعورة؛ عورة المرأة وفق البراديغم القروسطي لا يُستثنى منها سوى الوجه واليدين، هذا التّصور الذي استمرت بعض شوائبه حتى مع ظهور المجتمعات الحديثة التي تخلصت من سطوة الكنيسة.

يجد هذا التّحيز الجنسي منشأه في التمثلات التي استحكمت على عقولنا لأمدٍ طويل حول التّكوين التشريحي للجسد الأنثوي في مقابل الجسد الذكوري، وبالتبعية يجري تأويل الأعضاء التناسلية تأويلا ثقافيا مُستمدا من سطوة العضو الذكري ومركزيتة، و يتبوأ العضو الأنثوي، وفق هذا التمثل، وضع الحاضن السلبي مِما يبرر، تبعا لذلك، الوضع الدوني للمرأة في السياق السوسيوثقافي. يُعبر بيير بورديو عن هذا البناء الرمزي والاجتماعي للأجساد في كتابه «الهيمنة الذكورية» قائلا :

 هكذا بإمكان الاختلاف البيولوجي بين الجنسين، أي بين الأعضاء التناسلية، أن يبدو وكأنه التبرير الطبيعي المبني اجتماعيا بين النوعين (Genres)، وبشكل خاص للتقسيم الجنسي للعمل 

ينطلق بورديو في تفسيره لهذه البُنى الرمزية من وضع تقابلات (ترسيمات) بين العضوين التناسليين لكل من الذكر والأنثى، وبموجب هذا التقابلات ينهض العضو الذكوري متفوقا بترميزات ثقافية تمنحه أفضلية اجتماعية على حساب العضو التاسلي الأنثوي :

­ ترميزات العضو الذكوري: الفوق (الانتصاب)، جامد ( صلب )، مستقيم، ناشف.

­ ترميزات العضو الأنثوي: داخل، رخو، منحني، رطب.

هذه التقابلات في رأي بورديو تقود النساء إلى تكوين تصور دوني عن جنسهن، التصور نفسه الذي تسرب إلى حقل البحث العلمي في صيغة مفاهيم : " إن تمثل المهبل على أنه عُضو قضيب مقلوب، كما اكتشف ذلك ماري-كريستين بوشيل في كتابات جراح من القرون الوسطى ، يخضع للتناقضات الجوهرية بين الإيجابي والسلبي ذاتها، الوجهُ والقفا، والتي تفرض نفسها منذ أن يَطرحَ فيها المبدأ الذكوري قياسا لكل شيء (..) وإذ نعلم كذلك أنّ الرجل والمرأة مُدركين كونهما بدلين، علوي وسفلي، لذات الفيزيولوجيا، نفهم أنه حتى عصر النهضة لم نكن نملك مفردة تشريحية لتوصيف عضو المرأة بالتفصيل والذي نتمثله وكأنه مؤلف من الأعضاء نفسها التي للرجل، لكنّها منظمة بشكل آخر ".

الغريب في الأمر هو أنّ المرأة تقبّلت تفوق الرجل الجسماني أيضا بوصفه امتيازا، وليس هذا فحسب، بل إن تمثلها للرجولة مشترط ببنية الرّجل العضلية وصلابة هيئته، ذلك أنّ الرجولة حسب بيير بورديو " بمظهرها الإيتيقي (Éthique) نفسه، باعتبارها ماهية القوة، والفضيلة، ومناط الشرف ومبدأ حفظ الشرف والرفع فيه، تبقى على الأقل ضمنيا غير منفصلة عن الرجولة الجسدية، لاسيما عبر دلائل القوة الجنسية " ، يُعزز هذا الطرح بعض الدراسات الإحصائية التي أجريت بأمريكا حديثا، حيث خلصت نتائج أبحاثها إلى تفضيل النساء للرجال الأكثر قوة، بالارتكاز على البنية الجسدية القوية كمعيارا للجاذبية. حري بنا أن نشير، في السياق نفسه، إلى أنّ مثل هذه الدراسات لها وعليها، سيّان في المنهج أو المُخرجات، ولا نبتغي في هذا البحث تعميمها أو التصديق على نتائجها بل نستحضرها على سبيل الاستئناس.

الجِنسانيّة النسويّة؛ الخُضوع في الفراش يقتضي أُفول المبدأ


لوحة تظهر سيدة في وضع خضوع أثناء العلاقة الحميمة

تتفق معظم النّْسويات على أن سطوة الرجل على المرأة اقتصاديا واجتماعيا تلقي بضلالها على العلاقات الجنسية، ذلك لأنه، وبشكل عام، تبدو النساء أقل تحكما وسيطرة في الاتصالات الجنسية مقارنة بقرائنهن من الرجال ويخضعن، بموجبها، لمعايير مزدوجة في السلوك الجنسي الذي يحظى فيه الذكور بالأفضلية على حساب الإناث.

بالطبع ثمة اختلاف بين النّسويات حول الأهمية التي ينبغي إيلاؤها للمسألة الجنسية في ارتباطها باستيعاب آليات اضطهاد المرأة غير أنّ التيّار الراديكالي في الحركة النسوية (أمثال أندريا دوركين، كاثرين ماكينون)؛ ينظر إلى الجنسانية بوصفها موضوعا جوهريا صميما في الهيمنة الذكورية على اعتبار أنها، في تصورهم، الوسيلة الأساسية التي بواسطاتها يحكم الرجل قبضته على المرأة ويحافظ على بأسهِ في المجتمع بشكل عام، فيما لا تتفقُ أُخريات- الحركة النسوية الإشتراكية على وجه الخصوص ( من مثالهن لين سيغال و شيلا روبوتهام )- مع هذا الطّرح ولا ينظرن إلى الجنسانية بوصفها لُبَّ الاضطهاد الذي يطال المرأة، بل ثمة مِنهن من انتقد النسوية الرّاديكالية في تقليلها من أهمية عوامل أخرى أكثر بروزا وإلحاحا على غرار وضع المرأة غير المتكافئ في العمل وأدوارها العائلية في البيت، وبين هذا وذاك، يبرز منظور نسوي آخر منتقدا النزعة الرَّاديكالية لكن ليس وفق مبررات النسوية الاشتراكية بل لدافعٍ جنسي صِرف، وترى هذه الفئة أنّ الاسراف في التأكيد على الجِنسانية كشكل من أشكال السيطرة الاجتماعية سيكون، حتما، على حساب إهمال اللذة الجنسية الشخصية في العلاقة الحميمة، ونُمثل، في هذا السياق، بنموذج نص سردي لِإحدى النسويات، منشور على مجلّة «فايس» الشبابية (التابعة لمجموعة Vice الإعلامية الأمريكية الكندية) بعنوان « أنا نِسوية تَعشَقُ الجِنس الخَشن » من كتابة « كات هاميلتون »، على أننا سنعمل، في مايلي، على مقاربة النص عبر تحليل مضامينه واستجلاء بعض الصور والمظاهر التي تصب في صميم الإشكالية قيد الدرس.

النص هو، في الأصل، تجربة مُعاشة لِشابة مُتشبعة بمبادئ النسوية ومتمسكة، إلى أبعد حد، بقناعات نضالية حديدية تسببت لها أحيانا في متاعب، من جُملتها التوقيف عن الدراسة، أكثر من مرة، بسبب "عصيان الأوامر". تروي « كات هاميلتون » قصة اكتشافها للنسخة المُثلى من ذاتها بعد تعرفها إلى شاب وسيم في موناكو، دون أن تغفل ذكر وضعه المادي واصفة إياه بـ" المليونير"، وقبل ذلك عاشت « كات » تجارب جنسية " عادية " رُفقة شباب احتاروا في طرق التعامل مع فتاة نِسوِّية ترغب في إقامة علاقة جنسية معهم، دون التقليل من احترامها أو التلميح إلى ما يوحي بذلك، بعضهم تجرأ بلطم قضيبه في وجهها واصفة ذلك "بالنسخة المبتذلة" من فيلم (fifty shades of grey)، فيما آخرون فَروا منها، تحت ضغط الارتباك، هاربين لأنهم "لا يعرفون مالذي يتوجب عليهم فعله"، وقلة أخرى، وهيّ الأسوأ برأيها، يعتقدون أنها ترغب في الصَّفع وفي لَعق أقدامهم، وتُعلق على هذه الفئة تحديدا، في انفعال، قائلة:

لا وألف لاءٍ، ستنتفض، بحق الجحيم، كلُّ الأعلام الحمراء، وسأُجْهضُ المهمة على الفور بمجرد ما يتم التلميح، ولو قليلا، لمثل هذه الأشياء. 

تعتقد « كات » أن هناك خيطا رفيعا بين ممارسة جنس الإذلال والتعذيب (BDSM) والجنس الخَشن (Rough Sex)، هذا الأخير قد يندرج تحت طائفة الـBDSM بيد أنه لا يمكن أن تكون كل ممارسات الـBDSM مكافئة للجنس الخشن، إنها، بعبارة أوضح، علاقة جزء بكُل. إنَّ حِرصها الشديد على الإخلاص إلى مبادئها النّسوية ورغبتها الجامحة في علاقة جِنسية "خَشِنة" دفعها إلى السُّقوط في خيبة أملٍ وصراع ذاتي يتغذى من طاقتها وصُمودها السيكولوجي، وتُعبِّر عن هذا الإحباط في مرارة :

الحياة تبدو قاسية بالنسبة لِنسويِّة ترغب في الجنس، أقول هذا وأعني كل حرفٍ في ما أقوله (..) إنهُ لَمن المُحرِجِ التَّعبير عن هذه الرغبة، خاصة وأننا نعيش في عالمٍ تُطالب فيه المرأة بالمساواة. 

يتضح، جليّا، إلى أي مدى يصبح العثور على الشريك الجنسي "المناسب" أمرا عصيًّا متى ما اتسع أفق المرأة المعرفي بذاتها وبالعالم من حولها، يُفسر هذا الكم الهائل من قضايا الخلافية في العلاقات والانفصال العاطفي المُستفحل في العالم، حالة من التشرذم وتفكك الروابط تُصيب الأفراد والمجتمعات التي تنعم بقسط وافر من الحريات الفردية فكيف بالأحرى تلك التي مازلت ترزح تحت وطأة الطابوهات. إن جُزءا لا يستهان بهِ من التّشردم العاطفي يكون منشأهُ غياب، إن جاز أن نُسميه، توافق جنسي بين الشريكين، وهو ما يصبُ في صميم قصة الشابة « كات هاميلتون » إذ تُعبِّر عن ذلك بصراحة مطلقة في مَعرض حديثها عن الفروقات الجنسية الكامنة بين العلاقات الحميمة الخشنة وممارسات الـ BDSM التعذيبية :

 من الصعب العثور على رجلٌ يُدرك هذا التوازن الهَش، ويجعلني أشعر بما يكفي من أمانٍ لأمنحه تحكما كاملا بجسدي دون أن ينساق وراء أفكارٍ مُسبقة حول ماينبغي لكلانا أن يفعله 

أليس هذا تعبيرا يُضمر إرادة حرة، ومن ثم تكريس، لا تقويض، مقولة المساواة على أسسٍ جِنسانية طالما أن المرأة هي من يتخلى، بمحض إرادتها، عن التحكم المطلق في جسدها. يقودنا هذا التّصور إلى تأمل مقترح ثالث ورد في قصة الشابة، يتعلق الأمر بفكرة التواصل الجنسي بين الشريكين كأن تبادر الفتاة إلى طلب الهيمنة الحميمة، وهو ما ترفضه « كات»، مدفوعة بتجذر وآنفة نِسويَّة فريدة: 

 يبدو وكأنهُ الشيء المنطقي الذي عليّ فعله أليس كذلك؟ بالتأكيد لا، لن أتفوه، البتّة، بـكلمات من قبيل " هيمنة " أو " خشونة "

بالعودة إلى " النسخة المثلى" التي خَبِرتها بطلتنا، تروي « كات» قصة لقائها بالشاب الذي أتقن سمفونية العزف، إن جازَ القول، على جسدها دون الإخلال بمبادئ النّسوية، أو الدليل النسوي في الجنس، إن شئنا، وهي لم تنسَ، في سياق السرد، أن تؤكد على أهمية المحادثة الفكرية التي جرت بينهما في غرفة الفندق، والتي امتدت إلى خلافٍ أيديولوجي حول موضوع النسوية، ذلك لأن الشاب يعتقد أنّ هناك رغبة بيولوجية دفينة عند المرأة تجعلها ترغب في الخضوع والهيمنة عن طوعٍ وقبول، قولٌ كهذا ليس من شأنه سوى أن يُثير ثائرة «كات» ويدفعها إلى الامتعاض والرَّفض:

رفعتُ حاجبي في استغراب، وبادرت بسرعة إلى الاعتراض؛ ليس ثمة من شيء فيَّ أو في حياتي يَطلبُ هيمنة الرّجل خارج سياق الفراش، وللأمانة فقد قمت بحجب الجزء الأخيـرة من اعتراضي لأني، بصراحة، لم أرغب في أن أمنحهُ عَظْماً يتمسك به في المناقشة لن يفيد سوى في تكريس آرائه حول المرأة وموقعها من العبودية 

تسترسل في سرد مُجريات تلك الليلة التي انتهت إلى ما يشبه خِصاما فكريّا دون أن يناما جنبا إلى جنب، وفي اليوم الذي تلى تلك الليلة، يومٌ واحد قبل رحيلها، تروي «كات» كيف تجرأ ومسكها من الخلف، وهي تنظر إلى المرآة، ثم بادر  بتقبيلها دون إذن منها، تلك كانت اللحظة المَفصلية التي خَبِرتْ فيها مشاعر فوّارة ودَفق من الأحاسيس المختلفة عن التجارب التي سبقت:

 لقد شعرتُ بهواجسي في معاشرة شخص غريب تختفي تماما، كان مثاليا في كُلِّ كلمة نطق بها، وفي كل مَوضعةٍ ليدهِ حول رقبتي، شعري، ووجهي (...) كان مزيجا من الألم واللذة في الآن نفسه وكان عليّ أن أشكره لأنه حقق، أخيرا، استيهامي، وجعله واقعا

يتّضح، في ضوء ما سبق، مفارقة النِّسوية بخصوص موضوع الجِنسانية، مفارقة الجموح إلى التحرر والرغبة في شريك مُهيمن، وكيف أنَّ الإخلاص الراديكالي للمبادئ لدى الحركات النسوية قد يفضي إلى تعقيد الحياة والدخول في مَفازات الاتساق مع الذات وصراع الأفكار مع الواقع فضلاً عن الحرمان من اللذة ( التي هي صميم العلاقة الجنسية بصرف النظر عن الكيف والكم ومتاهات السؤال ) و ما يتبع ذلك من "إعاقات الجنسية" كثمرة للاعتقاد المُتزمت والوفاء الدوغمائي للخط النّسوي "القويم"، تعبر «كات» عن هذه المفارقة قائلة :

  عندما يتفاعل جسدي إزاء شيءٍ ما فإنَّ عقلي، عادة، ينهض بالرّفض، إنهُ لأمرٌ محيّر إلاّ أنهُ طاغٍ، ولا أستطيع حرمان نفسي منهُ على أساس المبدأ (...) إن الاختبار الحقيقي هو العثور على شخص بوسعه التّوفيق بين قيامه بهذه الأعمال المُهينة وإدراكهِ، في الآن نفسه، أنِّي عَصيةّ و متمردة حتى بعد ابتلاع حُمولتهِ.






المراجع :

1. The Ambivalent Sexism Inventory: Differentiating Hostile and Benevolent Sexism

2. Women rate the strongest men as the most attractive, study finds

3. How Sexy are Sexist Men? Women’s Perception of Male Response Profiles in the Ambivalent Sexism Inventory

4. Smiles, word choice show what type of sexism men display

5. I'm a Feminist Who Loves Rough Sex

6. Benevolent Sexism

7. Benevolent Sexism and Mate Preferences: Why Do Women Prefer Benevolent Men Despite Recognizing That They Can Be Undermining?

8. Self-reported mate preferences and “feminist” attitudes regarding marital relations

9. Men Don’t Recognize ‘Benevolent’ Sexism: Study

10. Help to perpetuate traditional gender roles: Benevolent sexism increases engagement in dependency-oriented cross-gender helping

11. Insidious dangers of benevolent sexism: Consequences for women's performance.

12. parental investment and sexual selection

13. A critical period for provisioning by Hadza men: Implications for pair bonding

14. بيير بوديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة: سلمان قعفراني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص24-30



   نشر في 06 يناير 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا