ترويض النفس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ترويض النفس

ترويض النفس

  نشر في 04 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .


ترويض النفس
في الستينات من القرن الماضي تم عمل تجربة لبعض الأطفال في سن الرابعة من العمر والتجربة عن قوة التحمل وتأجيل اللذة، فقدموا لهم قطعة من حلوى المارشميلو ووضعوها أمام الأطفال لمدة عشرون دقيقة وكان الشرط أن من لم يتناولها طوال هذه المدة سيحصل على قطعة أخرى، ثم بعد ذلك تابعوا هؤلاء الأطفال حتى بعد سن المراهقة لكي يقارنوا بين الأطفال الذين لم يتحملوا وتناولوا قطعة الحلوى وبين الأطفال الذين صبروا حتى انتهاء المدة المحددة لهم وكانت النتيجة قوية للغاية، الأطفال الذين استطاعوا أن يصبروا ويتحكموا في أنفسهم تميزوا بقوة تحمل احباطات الحياة وتحمل الضغوط والتفوق الدراسي وامتلاك زمام المبادرة وقوة الشخصية وبناء علاقة اجتماعية مميزة
وإن كانت هذه التجربة بسيطة للغاية ولكنها قوية المعنى والهدف، والحياة كلها تقوم على ذلك تقوم على حبس النفس عن الملذات والمحرمات وتحمل الألم الذي يقودك في النهاية إلى طريق النور
قال الله تعالى في سورة البقرة )فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم( قال الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، هنا الانتصار في المعركة مقرون بالانتصار على النفس، فشربوا منه إلا قليلا منهم وهؤلاء هم القليل في كل عصر الذين اختارهم الله فهم أهل الله، وهكذا في كل المعارك يبدأ الانتصار عندما تقاوم ما تحب وتتحمل ما تكره
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ميدانكم نفوسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن خذلتم فيها كنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولا، ونحن نعلم أن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات، فالشهوات كثيرة وتطارد الإنسان في كل مكان وبعض النفوس تشتهي ذلك كمن يشتهي النظر لما حرمه الله ومن يشتهي زيادة أمواله بطرق مشبوهة وغيرها، والمكاره كثيرة فالنفس تكره أن تقوم من فراش دافئ لتتوضأ بماء بارد وتذهب في العتمة لصلاة الفجر والنفس تكره الجهاد وغيره، فإن طاوع الإنسان نفسه هلك وإن عصى النفس نجا
قال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله أشد الجهاد جهاد الهوى من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلاها وكان محفوظًا ومعافى من أذاها
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، فالنفس إن لم تلجمها وتقودها إلى الخير قادتك إلى الشر وإن لم تشغلها بالحق والخير شغلتك بالباطل، والنفس إن تَمكن منها طول الأمل هلكت لا محالة فإن الأماني أخطر شيء على النفس، فبالأماني تتوهم في طاعتك وتهون على نفسك كبائرك وتظن العمر مازال طويلاً، وتظن أن هناك فرصة للتوبة وفرصة للحج والعمرة والاستغفار وقد نٌسج كفنك، إنها الأماني التي دمرت أغلب البشرية فجعلتنا نطمئن إلى أعمالنا ونركن على ما قدمنا، ونظرنا إلى المستقبل على أننا مازال أمامنا الباب مفتوح، وشغلتنا الأماني حتى تفاجئنا بأننا على فراش الموت وأيدينا صفراً، فاحذر الأماني وألجم نفسك بكتاب الله
النفس تريد جلب الثناء حتى ولو أصابت الرياء حتى ولو خالفت شرع الله، فالنفس مثل الثعبان لكي تتغلب عليه يجب عليك أن تمسك برأسه وتسحقه في الأرض، وكان يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعذابي إبليس والدنيا ونفسي والهوى،
ومن شُعب النفس أنها قد تقبل أمر فرضه الله ولكن قد يكون على مضض والصدر به حاجة، فتقوده نفسه إلى النفاق ومن ثم يترتب عليه كل أثم وخطيئة فيما بعد، فقد ترى أناس وجيهة الشكل وقلوب تخالف ذلك وقد ترى أُناس متواضعة ولكن قلوب ونفوس زكية تقود صاحبها نحو الخير، ولذلك من عيوب البشر أنهم يستعجلون في الحكم بالظاهر ثم يتفاجئون بصدمات تجعلهم يعممون بالسوء فيخرجون من خطأ إلى أخطاء
ومن عجائب النفس أنها تتقلب في اليوم الواحد لتشمل لجميع النفوس فتجدها في الصباح لوامة وفي المساء آمرة بالسوء وقليلاً ما تصل إلى المطمئنة إلا ما رحم الله، والنفس تتقلب كما تتقلب القدور فتجدها أوقات في أعلى دراجات الإيمان وقد تستغرب من العصاه الذين يبارزون الله بالمعاصي ثم تقع هي فريسة الذنب ثم تتوب ثم ترجع، فهي متقلبة لابد لها من الإلجام، ومن أقوال سفيان الثوري رحمه الله ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نفسي، مرة لي ومرة علي، فليس بشاغل يشغلك عن الله كنفسك التي بين جنبيك
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما أرد الله أن يهديه ويشرح صدره للإسلام حول نفسه من عدوًا لله ورسوله إلى فاروق الأمة في لحظات، وعندما أرد الله بالفضيل بن عياض خيرًا الذي كان يعمل قاطعًا للطريق جعله داعيًا إلى الله فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، فالنفس التي ينتزع منها الإيمان حينما تسرق أو تقتل أو تزني هي نفسها التي كانت من قبل تفعل الخيرات
فهناك عدة طرق لترويض النفس ومحاولة إمساكها قبل عصيانها وتمردها على صاحبها
• الدعاء، فهناك أدعية كثيرة تبين الشكوى للخالق من النفس فهو خالقها وهو القادر على إصلاحها، فبالبداية تكون طلبٌ العبدِ من الله أن يصلح نفسه ويقيه شرها فإننا لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، فقد قال الشافعي رحمه الله إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأولُ ما يجني عليه اجتهادُهُ، وفي الدعاء اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن اقترف على نفسي سوءًا أو أجُره إلى مسلم، وغيره كثيرًا من الأدعية
• خالفك هواك واعصي نفسك، فقد قال عطاء الله السكندري (إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا، فخالف هواك ستجد الصواب في مخالفة الهوى والنفس، فالله در من قاد نفسه وهي تبكي إلى أن قادته وهي تضحك فلابد من الشدة والصبر مع النفس مع ترك التسويف، لان أعظم الجهاد جهاد النفس وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، ومن يؤمن بالله يهد قلبه
• جاهد نفسك، فأعظم أنواع الصبر هو الصبر على معصية الله وهو حبس النفس وإلجامها عن فعل المحرمات فمن تلمح حلاوة العافية هانت عليه مرارة الصبر، قال الله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)
• العقاب والمكافأة، فإن جَلبت نفسك عليك الفخر أو أعجبت بالثناء عاقبها بالتأدب وألزمها طاعة كمثل الذي يتصدق مع كل نفخة سيجارة أو كالذي يصوم عقابًا لنفسه التي ضعفت وفعلت ذنبًا، فتعلم كيف تعاقب نفسك عند عصيانها بالعقوبة المناسبة وتعلم أيضا كيف تكافئ نفسك عندما تفعل شيء يستحق المكافئة
• الوقاية دائما خيرُ من العلاج فابتعد بنفسك عن مواطن الشبهات والشهوات، وأحفظ بصرك وقلبك من الهلاك، وزكهما فما من إنسان ينهي نفسه عن الهوى إلا والجنة هي المأوى
• الرقابة، من الأشياء التي تهذب النفس هي رقابة الله في السر والعلن وأنك من الممكن أن تموت في أي وقت، ولذلك أكثروا من ذكر هادم اللذات، وأكثروا من زيارة القبور والمستشفيات لكي تعظم نعم الله عليك وتهذب نفسك عندما تغفل عن الحق



   نشر في 04 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا