لا أريد أن أراه مهندسًا! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا أريد أن أراه مهندسًا!

  نشر في 20 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 23 يناير 2020 .

ثمة مثل إنجليزي معروف يقول: "لا تحكم على الكتاب من غلافه".. يقابله أخر عربي يقول: "الكتاب بيبان من عنوانه" جميل.. قد يصيب المثل العربي في سياق المقال مرات ولكن ماذا لو خدعك عنوان الكتاب في جل محتواه؟.

هل يسعنا بنفس المنطق أن نُكَوِّنَ فكرة ما عن الأشخاص من مجرد صفة عارضة أو مهنتهم مثلا، وأن نضع الصفات الذاتية الملازمة له أغلب لحظات حياته جانبا لأننا كَوَّنَنَا بالفعل صورة في أذهاننا أعطته ربما ما لا يستحق من القدر؟

انتقلت منذ فترة للعيش في مكان جديد، بعيدا شيئا ما عن عملي، وتَطَلَّبَ الأمر الاستيقاظ باكرا قبل موعد العمل، وبما أنني شخص لا يجيد إعداد أي شيء كنت أعتمد في فطوري على مطعم للفلافل قريب، فأذهب بشكل شبه يومي باكرا وأشتري فطوري وأرحل في سلام حتى راود الفضول البائع ليسألني أين أذهب في هذا الوقت من كل يوم.. لأرد بسخافة على فضوله: "أذهب للغيط" ثم يلح فأخبره أني أذهب للعمل، فيسأل وماذا تعمل؟ فأجيبه: مهندسا.. ومنذ تلك اللحظة وأنا الهندزة الذي يدخل المطعم وهو مكتظ بالناس تماما حتى أنك لو ألقيت إبرة لن تصل للأرض من كثرة الأقدام فيقابلني بابتسامته العريضة المعهودة وصوته العالي ويصرخ: اؤمر يا هندزة، فأبادله الصراخ: "الأمر لله يا باشا عايز كذا وكذا"، في هذه اللحظة أضع أغلب مبادئي جانبا وأتنازل عنها مجبرا كنت أو مخيرا، آسفا ومعاهدا نفسي على ألا أتعدى حقوق الآخرين ثانية، وأنال طلبي وأخرج وأنا أتلقى السباب سرا -كما أظن- وتنهال عَلَي نظرات الناس أن لعنة الله على الهندسة التي تفرق بين المرء وأخيه، وأننا شعب عنصري يمجد الناس بناء على أعمالهم! بالطبع كل هذا لم يُنْطَق، لكن النظرات كانت كافية لفهم ذلك.

أخبرني صديقي البائع اليوم وهو يشير بيديه نحو طفل -أظنه لم يتجاوز عقده الأول بعد- أنه ابنه وأنه يريد أن يراه مهندسا، قلت له دون تفكير: "بلاش!" ودارت في رأسي كلمات من نوع: أتعلم ما يلاقيه المهندس في دولتنا اليوم؟ وإن كان قصدك المال فهل تعلم كم يتقاضى أغلبنا؟ أتعلم عدد العاطلين عن العمل منا؟ لكن وبكل صراحة لم يكن ذلك إلا مزيج من الاندفاع المنطقي و اللامنطقي في آن واحد في الرد، وكنت أحمل في نفسي أشياء أخرى.. ثم تداركت ردي وأردفت: "بلاش تجبره على حاجة لو هو مش حاببها، واترك له حرية الاختيار لو تيقنت قدرته على ذلك"، ولم يسعني صمتي على ألا أخبره أن الوضع لم يعد كما كان إذ كان ظني أنه تمنى ذلك للمكانة المادية المزيفة أو ما شابه، ولا أخفيكم سرا أني كنت أرى دائما في طيات وجه صاحبي هذا عبارات من نوع: أتتقاضى بالدولار حقا؟ أين تضع سيارتك الفارهة التي تحصلت عليها وأنت وغد في الثالثة والعشرين!.. لكنه بسيط كعامة الأهل أو كعامة الناس بشكل أعم.. فهدأ برهة ثم نظر لي وقال: "يا هندزة مهما كان وقار برضه، الناس تحترمك وتقدرك، مش مهم الفلوس المهم قيمتك وسط الناس! "

وددت إخباره أن ما يقوم به هندسة بشكل ما وأن الطب هندسة والحياكة هندسة وهكذا، وأننا لو كنا أسوياء لما نظرنا لﻷمر بهذه الصورة، وأني -رغم كثرة مزاحه- أكن له من الاحترام ما قد لا أكنه لغيره مما يراهم الناس أعلام الأمة وصفوة المجتمع! الأمر فقط في نفسك أنت.

صراحة لا ألومه! أب يحلم أن يرى ابنه في حال أفضل، وهذا حقه تماما -عسى الله أن يريه ابنه في أفضل مكانة- ولكن هل حقا أصبحت قيمة المرء فيما يمتهنه؟ هل يبلغ المرء الوقار وينال احترام الناس لسبب كهذا؟ القاعدة في مصر معروفة منذ الأزل كن طبيبا أو مهندسا أو ضابطا أو لا تكن.. لا تكفيك حياة واحدة إذن فلتعش حياتك الواحدة في جحيم، وأمتهن ما لا تحب لتنال الوقار! أو ليقال أنك كذا وكذا!

هكذا يسلبك المجتمع أبسط حقوقك كإنسان حر من حقه أن يقرر ما يكون.. يجعل خياراتك الكثيرة محدودة في خيارين أو ثلاثة، ومن ثم الفشل في نيل أي منهم هو نهاية الدنيا، والعيش ما تبقى في كمد.. فشل مزيف تماما يا صديقي، أنت من تقرر ما تكون! أنت وفقط!

دعك من عبارات اتبع شغفك وما شابه! أنا لا أقول ذلك بتاتا، وقد يكون في اتباع شغفك هلاكك حرفيا.. اتبع ما تراه أنت فقط حري أن يُتَّبَع متى تيقنت أنك أصبحت قادرا على أن تجرب وتقرر ما تكون مهنيا وفكريا وهكذا فلا تتردد في أن تقرر.

حصر الدنيا في إطار الحياة المهنية في مصر مخيف جدا، وكأننا سنسأل بعد الممات عن عملنا -مهنتنا- لا أعمالنا.. ينشأ أغلبنا على أن أهم شيء في حياته مراجعة المواد الدراسية لينال الوقار بدراسته في إحدى كليات القمة -المزيفة- من بعد، ومن ثم العمل والعمل فقط، ولا أنكر أن تدارك ذلك في نفسي تأخر شيئا ما، وأغلب الأهل في مجتمعنا العربي تركوا حتى الجانب التربوي والديني والفكري في سبيل زيف بَيِّن إلا من رحم ربي!

أنا لا أريد أنا أرى ابني -مستقبلا إن شاء الله- مهندسا! أريده أن يُرَبَّى على ما هو أهم من ذلك مما يؤسس به وعيه ونضجه الفكري والديني وأن ينشأ عليه، وأن يصبح قادرا على الاختيار من خلال تجاربه وأفكاره قبل عمر الاختيار لمستقبله المهني -الذي هو جزء من يومك لا كله بالمناسبة-، مهندسا كان أو عالما أو بائعا، ولا يهمني أنا ينال الاحترام من الناس لكونه كذا أو كذا، المهم أن يكون جديرا باحترامهم لأنه كذلك، لأنه هو بصفاته وأخلاقه وأفعاله لا لشيء أخر. يكفيه أن يحمل قوت يومه، ويصلح وينفع الناس والأمة ونفسه قبلهم بما يعمل، وأمر كذلك لا لتحقيق أحلامي فيه أو لشيء من هذا القبيل.. ولكن لتحقيق ما حملته لفظة "خليفة" من معاني على أرض الله.


  • 7

   نشر في 20 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 23 يناير 2020 .

التعليقات

مُهاجره منذ 3 أسبوع
موضوع رائع، وواقعي جداً ، واحب ان افيدك انه ليس في مصر فقط هذا التمجيد الارعن لبعض المهن ففي مجتمعي اما ان تدرس الطب او الهندسه او كأنك لم تدرس قط .
رفع الله قدرك فى الدارين
1
محمود معتز
يا رب وإياكم.. هي مشكلة أمة كاملة فالله المستعان يعني على ذلك.
أنور منذ 4 أسبوع
ابدعت يا باش مهندس وان شاء الله تراه كما يحب الله ويرضى
1
محمود معتز
آمين.. أعزك الله ورفع قدرك.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا