صرخة.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صرخة..

  نشر في 22 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

أطلقت القابلة "مي زينة" زغرودتها القوية معلنة بهجة استثنائية بالقرية، سمعتها "عويشة" وشمرت عن ساقيها الرقيقتين وانطلقت بسرعة كالسهم بين حقول النخل .. أنساها الفرح الشديد وجهتها، فجأة أوقفها صوت أبيها قائلا: عويشة أيتها البلهاء ما بك تجرين هكذا كالكلب المسعور؟

ردت عليه بصوت تقطعه أنفاسها المتسارعة: أمي .. أمي وضعت مولودا جديدا يا أبي؟

قضّب حاجبيه لأنه ترك زوجته تحضر رغيف الفطور ولم تشكو وجعا ما. استفسرها عن جنس المولود

_ لا أدري .. لا أدري يا أبي.

_ وكيف علمت الخبر يا حمقاء؟

_ لقد سمعت "مي زينة" تزغرد كما فعلت في ولادة ابن جارتنا محمود.

أحكم الأب الحبل المربوط بعنق البقرة بجدع شجرة التين وحمل معوله على كتفه الأيمن وكيس القش على كتفه الأيسر... واطلق ساقيه للريح، قطع أزقة القرية وهو يتمتم بكلام غير مفهوم، ويقرأ تعويذات تكاد تكون شيطانية من فرط حركة شفتيه .. وصل رأس الزقاق المقابل لباب بيته، لمح أمه "مي زينة" غارقة في البكاء ... شلت حركته وتجمدت حبات العرق على جبينه من الخوف، كانت أمه جالسة القرفصاء ... تَردد ثم بادرها بالسؤال: خيرا أمي ماذا حدث ولماذا تبكين؟

- لا شيء يا بنيّ، لقد رزقتَ بمولود ذكر فقط أبكي من شدة الفرح .. كم دعوت الله في سجودي وركوعي وجلوسي وقيامي، لقد استجاب ربي دعوتي.

- و لمن تركت المولود وأمه؟

- إنهما مع أختك وجارتنا السعدية.

دخل ليطمئن على ابنه وزوجته، ألقى عليهما التحية وخرج مسرورا منتشيا.

الساعة الرابعة عصرا " عويشة" تصرخ وتجري صوب البقال الوحيد في القرية حيث يجلس أبوها ليلعب الورق، سمع الأب صوت ابنته واتجه نحوها وهو يردد في نفسه ما هذا اليوم المشؤوم، لا خير وراء صراخ هذه البلهاء، لا فرق بينها وبين خالاتها العانسات؛ من شرِّ ما خلق الله. ثم نفث عن يمينه وعن شماله اقتداء بالفقيه... أحكمت الطفلة "عويشة" قبضتها بيديها الصغيرتين على يده اليمنى وأخبرته أن أخاها الرضيع مريض؛ وأن أمها دعتها لإخباره بالأمر.

- لقد انتفخت بطنه وجحظت عيناه يا أبي... وانهارت بالبكاء تستعطف أباها أن ينقذ أخاها.

عاد الأب إلى البيت مسرعا؛ متذكرا ابن أخيه البكر الذي توفي منذ خمس سنوات بنفس الأعراض.. دخل مرتبكا مجهزا حاله لحالة عويل قد لا تنتهي...

.. أخيرا وصل الفقيه " سي البشير". يبسمل ويحوقل، دعته "مي زينة" إلى القبة وغادرت لتحضر الرضيع . جلس الفقيه في أقصى القبة وأخرج الدواة والقلم من جيبه وكتابا في قِبِّ جلبابه الأبيض الفضفاض، وضع يده البضة الرطبة على رأس الرضيع يقرأ بصمت تعويذات ودعوات ... ثم كتب له تميمة وسبع وريقات دعا الجدة أن تضع كل ليلة وريقة في المجمر تستنشق أم الرضيع رائحتها.

قبل أن تسطع حواجب الشمس بقليل، وبعد أن اعدت الجدة وجبة الفطور لابنها، أزالت الغطاء عن الرضيع فبشّ وجهها، فقد استكان بطن الرضيع كما كان ولم يعد يصرخ كما كان، ولكن بقيت عيناه جاحظتين منتفختين قليلا.

اجتمعت اسرة "مي زينة" ليلة العقيقة لاختيار اسم يناسب الرضيع، فتحدثوا كثيرا؛ واقترحوا أسماء لا تعد ولا تحصى .. تدخلت الجدة لتنهي النقاش وهي التي لم يعص لها أمر منذ توفي زوجها، بعد أن عدلت جلستها قالت لهم: فليسميه أبوه، فقد تذكرت سلطوية زوجها في اتخاد القرار وارادت لابنها أن يكون قويا قائدا.. اقترب الأب من الرضيع، نظرا إليه طويلا ثم ابتسم وقال: فمه مفتوح دائما يدخل الذباب ويخرج متى شاء وكيفما شاء كما تفعل النحل في خليتها، عيناه جاحظتان كعيني عبد الله البوهالي... على بركة الله نسميه عبد الله. عبثا قهقهت الجدة لأن الاسم الذي اختاره ابنها هو نفسه اسم ابيها ... فاطلق عبد الله الرضيع صرخة قوية هبت معها ريح أطفأت نور القنديل .....


  • 3

   نشر في 22 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا