المائدة الأخيرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المائدة الأخيرة

طفل سوري

  نشر في 11 فبراير 2016 .

مر إسبوعين على الحصار

إسبوعين من الجوع

إسبوعين وأنا أرتشف

مياه شائبة كعين الإعلام اللعين

الذي تغاضى عن تصوير مأساتي؛ إرضاءاُ للسلاطين

إسبوعين

وأنا أكتب على الورق إسم طعامي المفضل

إسبوعين ولم يدخل سوى أسم الطعام في جوفي

وفي كل مرةٍ أغص بحرفِ

إسبوعين وأنا أستنشق الكبريت بعناء

تلك هي أول مرة أعلم أن الموت أرحم من الأعداء...

تلك هي أول مرة أرى الشر ينزل من السماء...

لما رأيت تلك الطائرة في السماء تحوم...

وأخيراً إنقضت تلك الأسبوعين الشديدة

عم الهدوء لفترة وجيزة . . . كأن هدنة ما قد إبُرمت

وصلتنا معونات غذائية

من بعض المنظمات المدعية بالأنسانية

أقسم أن فرحتي في لحظتها لم تكً توصف

كل ذرة في جسمي من الفرح ترتجف

حل المساء وبادرت امي بتحضير العشاء

وأنا جالس مع أبي نتذاكر الراحلين

وبعد أن مرت ساعاتين

أكملت أمي إعداد العشاء

جسلنا على وجبة العشاء

وقبل أن نسمي بالله تبركاً

سمعت دوي قصفٍ

عادت السماء تمطر الشر

تنامت صرخات الصغار في الحي

كنت خائفاً جداً

أصوات الصواريخ كانت ترعبني

أعلم أن أحد الصواريخ القادمة ستقصفنا

لكن لا أعلم أيهم هو

تلك هي أول مرة أنتظر الموت بلهفةٍ...

تلك أول مرة أعلم أن الموت راحة...

بهتَّ لون بشرة أبي السمراء, إصفر وجهه ولا يعلم ماذا يفعل...

أمسك أبي يدي وأخذ يطوف بين أرجاء البيت

تارةً يخبئني تحت السرير وتارةً اخرى خلف السلالم

-كأن الأختباء سيقي من الموت شيئاً-

امي تمسك بيدي الأخرى ونجري بسرعة خلف أبي

نهرب نحو المجهول...

بيتنا الصغير أصبح كبيراً فجأة وخالٍ من أي سورٍ او حصين

وأخيراً انتهى بنا المطاف تحت مكتبة أبي

تلك أول مرةٍ أرى الكتب تحمي قارئها...

إنقضت نصف ساعة وخمس وثلاثون ثانية من الرعب

ونحن في حماية الكتب

كنت أحسب كل ثانيةٍ من هذا الهول المخيف

كنت أحسب الصواريخ التي تسقط كأوراق الخريف

بعد حين ....

عم هدوء نسبي فقرر أبي, أن يخرج الى الشارع ليرى من من الجيران قد قُصف

وبعد دقائق عاد أبي سألته امي فلم يجب بحرف

علمت حينها ان الموت أخذ كل الحي

وعلمت إنه لا يوجد سوانا في الحي حي

لا أعلم ماذا أصابني إحتوتني الوحدة على غفلة, فأنشد أحد كتب أبي

"خليلي قد وارى التراب أحبتي فلم يبق لي فوق التراب حبيب"

شعرت بوحدة قاتلة في ظل الخوف الذي إعتراني

علمت إنه لن أرى اصدقائي مرة اخرى ولن ألعب معهم كما كنت

فهم الآن في السماء وأنا في الآرض دنسها أعداء الله

"خذني إليك يا الله"

تلك كانت دعوتي...

تلك أول مرة أعلم أن الموت أهون من وحدتي...

علمت أن الموت ليس بتلك البشاعة

وعلمت أن الموت يحتاج للشجاعة

مرت دقائق طويلة وأنا صامت لم أتحدث ولا حتى أبي وامي

فلم ننتبه أن القصف قد توقف وأن شر السماء قد هبط على الأرض

فقال أبي "دعونا نعود للعشاء" -فقد كان هذا المشهد متكرر الحدوث في مدينتي

كنت جائعاً جداً بالرغم من كل الرعب والحزن الذي يحتويني

فإسبوعين من الحصار كافية ان تنسيني .... الحزن عند الجوع

وقف أبي قرب المائدة وقال لامي تعالي أنتِ وبقيت أنا تحت المكتبة حتى يرتبوا المائدة خوفاً أن يحدث شيئاً

ما, في تلك اللحظات الصعبة لم يتركني أبي وامي

تلك أول مرة أتاكد أن الوالدين هما في الدنيا جنتين...

وبينما هما على المائدة ..

فجأة....

أقبل النذير

 بعقاب عسير

 ما له من دون الله مجير

عاد الشر الى السماء وبدأ يهطل علينا الموت من جديد

أبي وامي لم يستطيعا التحرك لخطوة لان الصواريخ كانت تمطر بغزارة

وأنا تحت المكتبة أبكي بحرقةٍ والرعب يتلبسني من كل الزوايا

تلك أول مرة أشعر بقرب النهاية...

ملك الموت يختبئ خلف امي وأبي ويلوح لي بحزنٍ, وأنا أبكي دماً

تلك أول مرة أتمنى الموت قبل أحدهم حباً...

أخفضت رأسي وأنا أبكي ف....

تلك كانت القاضية, تلك كانت الفانية ...

سقط صاروخٌ بين أبي وامي فتناثرت أجزائهم في كل مكان

توقف في تلك اللحظة الزمان

لا أستطيع أن اصف شعوري في لحظتها لان الجحيم لا يوصف بعنوان

تلك هي أول مرةٍ أرى فيها الجحيم في الدنيا...

تهسترتُ ولا أعلم ماذا أفعل فأسرعت نحوهم

إلملم بقاياهم, أستنشق رفاتهم, وأبكي بحسرة

رفعت رأسي للسماء وأنا غارق بدمعي, ضاقت أنفاسي من وجعي

لكن ملك الموت لازال يلوح لي لكن مبتسماً هذهِ المرة

فعلمت أن روحي لم تعد حرة, وإن الموت قد أقبل مسرعاً

قلتُ لهُ:

خُذ روحي الى الجنان فقد أرهقتني هذه الارض حزناً

لكن قبل أن تأخذني الى الرحمن أطلب منك شيئاً

دعني أكل من عشائي القليل فرحلي إلى الجنان طويل

مر إسبوعين من الجوع والجنان لا يليق بها جسمي النحيل

لكن ملك الموت لم يجب بكلمة

كنت أظن إنه رضي بالقسمة 

–لم أعلم أنه ينتظر أجلي أن يكتب-

فأسرعت نحو المائدة وإلتقطت أول لقمة ...بيدي وقبل أن أدخلها بجوفي

خطف ملك الموت أمامي ثم ....

أصبحت الدنيا بيضاء , بيضاء جداً

النور في كل مكان

سقطت اللقمة على الأرض

سقط جسمي النحيل على الأرض

وبقيت وحيدة مائدة عشائي

تلك كانت نهاية قصتي تلك كانت ساعة موتي

تلك كانت أول مرة أفرح بصدقٍ عندما علمت أن الجنة أعدت وجبتي...

ولم ترضى لي طعام الدنيا حصتي

وعظمت فرحتي لما رأيت صحبتي.... طيورً تحلق في الجنان

ووجدت هناك كل من مات في الدنيا ظُلماً

وكل من ذاق لباس الجوع ظلماً

ألا إخبرك بأعظم ما فرحني ...

هنا حيث أنا, 

 لا يوجد أعداء الله ولا الظالمين

هنا لايوجد سلاطين

هنا لا توجد تلك الطائرة التي تمطر الموت

هنا لا يوجد للوجع من صوت

هنا يوجد فقط عباد الله الصالحين

هنا يوجد كل المظلومين

من هنا احدثكم عن حكايتي

هنا حيث أنا

في الجنة . . جنة ربي 


  • 3

   نشر في 11 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا