عقلانية المعجزة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عقلانية المعجزة

ويريكم أياته لعلكم تعقلون

  نشر في 28 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 أبريل 2017 .

القرآن هو دستور البشرية الذي سنه الله لهم .. وأرشدهم فيه إلى أقوم السُّبل في فهم الكون والوجود .. وفي سياسة الفرد والمجتمع ..

وقد أوضح القرآن أن فهم آيات الله في الآفاق والأنفس .. وكذلك فهم آيات الله في القرآن يحتاج إلى إعمال العقل والفكر والتدبر والتعمق وعدم الوقوف على ظواهر الأشياء .. ومن هنا جاء ذكر العقل في القرآن مقرونا بالإيمان .. والعلم مقرونا بالخشية ..

" وتلك الأمثال نضربها للناس ولا يعقلها إلا العالمون "

" كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون " 

" وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون " 

" والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربنا وما يذّكر إلا أولو الألباب " 

" إنما يخشى الله من عباده العلماء "

" إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار "

هل كان لهذا الكتاب الذي قدّر العقل ورفع منزلته إلى هذا الحد الذي لم يسبق إليه كتاب قبله أن يحوي أشياء ينبذها العقل الحصيف ويرفضها ويأباها .. هل احتوى القرآن على أشياء مستحيلة عقلا ؟ كيف لهذا الكتاب أن يدعو إنسانا عاقلا إلى التصديق بانفلاق البحر لموسى وتحول العصا إلى حية وحديث الطير إلى سليمان وانفلاق الحجر إلى اثنتي عشرة عينا وإحياء عيسى الموتى وإبرائه الأكمه والأبرص وتحول النار إلى برد وسلام على إبراهيم .. إلى غير ذلك من المعجزات .. ؟

وقبل أن أجيب عن السؤال ينبغي علينا التفريق بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي .. فالمستحيل العقلي : هو أمر يوجب تصور وجوده تناقضا عقليا في الذهن .. أما المستحيل العادي هو أمر جرت العادة على خلافه .. فبالتالي كان وجوده أمرا مستحيلا بحكم العادة .. ولكن وجوده لا يوجب في الذهن تناقضا عقليا أو يخالف قواعد العقل السليم في النظر والاستدلال ..

ومن هنا لو احتوى القرآن على مستحيلات عقلية لوجب إنكار كونه كتابا إلهيا .. إذ كيف يهبنا الله العقل ويأمرنا باتباعه ثم يخبرنا أن نصدق بأشياء تخالف طبيعة العقل وتعطّل عمله .. أما إذا احتوى القرآن على مستحيلات عادية – أي بحكم العادة – فهذا ليس كافيا لوسمه بكتاب مخالف للعقل طالما كانت تلك الأمور ممكنة عقلا ..

وهنا أطرح سؤالا : هل المعجزات مستحيلات عقليا أم مستحيلة عاديا ؟

ما هي المعجزة ؟

المعجزة هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعِ النبوة تصديقا له في دعواه مع عجز جميع الكائنات على الإتيان بمثله ..

فهذا التعريف الذي وضعه علماء التوحيد يوضح أن المعجزة ليس أمرا خارقا لمسلّمات العقل ولا هادما لأسسه ولكنه مخالف لما جرت عليه العادة ومجاوز لقدرة البشر ..

إذن فمن أي جهة يمكن أن ينظر إلى المعجزة على أنها أمر ممكن عقلا ؟

لو أردنا أن نضع تفسيرا عصريا للمعجزة لقلنا أنها أمر خارق لقوانين الطبيعة .. ولكن هل يُمكن أن تُخرق قوانين الطبيعة أو تُعطّل ؟

قوانين الطبيعة هي وصف لكيفية عمل الأشياء في الماضي والحاضر والمستقبل .. والعلماء الذين وضعوا هذه القوانين استنتجوها من خلال قراءاتهم لما يجري في الطبيعة .. فإذا كان حدوث شيء ما مرتبطا بحدوث شيء آخر فهذا دليل على أن للأول تأثير مباشرا أو غير مباشر بالثاني .. ومن ثم يجري صياغة القواعد التي يسري عليها الإنسان والمادة والكون كله ..

ولكن هذا الارتباط بين الأسباب والنتائج .. بين مقدمات التفاعل ونتائجه .. بين معطيات المعادلة نتائجها .. لا يتجاوز كونه ارتباطا عاديا .. وهو ليس حقيقة عقلية .. بمعنى أن العادة جرت على أن وقوع المقدمات يتبعه وقوع النتائج .. والمعجزة لا تخالف قضية عقلية صريحة وإنما تنقض عادة مألوفة لتستدل بها على أن مسبِّبَ هذه الأسباب قادر على تعطيلها ..

والقانون الطبيعي ليس قوة مؤثرة بذاتها .. وهو غير قادر على إيجاد نفسه أو على الحكم بنفسه .. وإنما القانون هو السُّنّة التي سنها الله .. وعلى أساسها أدار الكون وأحكمه .. وقوانين الطبيعة بدون الله سبحانه كالدساتير في الأدراج بلا حكومات لتنفيذها .. بل بلا قانونيين لسنّها .. ولله المثل الأعلى ..

فإذا كان الله هو الحاكم .. ونواميس الكون عاملة بقدرته وحكمته .. كان تعطيل هذه القوانين لحكمة ما خاضعا لقدرته وحكمته وغير مخالف لمقتضى العقل .. بل إن إنكار ذلك يكون مخالفا للعقل :

" كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون "

ولكن الله سبحانه الذي شاءت حكمته أن يعطل عمل القوانين الطبيعية لبعض من اصطفاهم من خلقه ليبين لخلقه تجليات قدرته وعلمه المحيط وليؤيد بها بعض من أرسلهم بأمره .. هو الذي كلفنا بإعمار الأرض وفهم أنماطها وسننها .. وبالتالي كانت المعجزات خصوصية خارجة عن السياق العام للأحداث الكونية .. وقد انقضى زمنها بانقضاء زمن النبوات .. ولا ينبغي التعلل بها لإثبات أو نفي حدثٍ غيرِ متوقع أو لانتظار نصر بلا جهاد أو تحرر بلا كفاح ..

كما لا ينبغي السعي إلى تفسيرها وفقا لمقتضيات قوانين الطبيعة .. فالمعجزة خارجة على الطبيعة ونظمها وقوانينها ..

كما لا ينبغي أن نلجأ إلى تفسير القضايا العلمية على أنها معجزات .. فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتدبر في الكون لنفهمه ونفك طلاسمه وندرس قوانينه .. والمعجزات كانت متعلقة بتصديق إلهي لأصحاب الرسالات .. أما عمل الكون وما يتطلبه من بحث فليس داخلا في هذا الشأن ..

وأختم مقالتي بما قاله العقاد في كتابه ( التفكير فريضة إسلامية ) :

" فالدين الإسلامي دين لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق .. ولا يفرض على الإنسان قربانا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولي متسلط أو صاحب قداسة مطاعة .. فلا ترجمان بين الله وعباده يملك التحريم والتحليل ويقضي بالحرمان والنجاة .. فليس من هذا الدين إذن من أمر يتجه إلى الإنسان من طريق الكهان .. ولن يتجه الخطاب إذن إلا إلى عقل الإنسان حرا طليقا من سلطان الهياكل والمحاريب أو سلطان كهانها المحكمين فيها بأمر الإله المعبود فيما يدين به أصحاب الديانات الأخرى ..

" فأينما تولوا فثم وجه الله "

لا هيكل في الإسلام .. ولا كهانة حيث لا هيكل .. فكل أرض مسجد .. وكل من في المسجد واقف بين يدي الله ..

ودين بلا هيكل ولا كهانة لن يتجه فيه الخطاب – بداهة – إلى غير الإنسان العاقل حرا طليقا من كل سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم "


  • 1

  • مؤمن حسين
    أجد في الكتابة ملاذا من ضوضاء البشر ومن اكتئاب الوحدة
   نشر في 28 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 أبريل 2017 .

التعليقات

بسمة منذ 6 شهر
بارك الله فيك .... مقال رائع ``
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا