المستضعفون في الأرض - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المستضعفون في الأرض

  نشر في 16 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 22 يوليوز 2018 .

إنما بُنيت الحياة الدنيا على التفاوت، تفاوت شعوب،تفاوت ثقافات تفاوت درجات، درجات مادية درجات علمية درجات اجتماعية وحاصل هذا كله يشكل الحياة.

فهناك الليل والنهار والمشرق والمغرب والسماء والأرض والخير والشر.

والمجتمع الواحد بطبعه متشابه وغير متشابه، متشابه بلغة وعادة وتقاليد ومتفاوات الطبقات،وأكثر ما يتضح من فروقات بين فئات المجتمع الواحد التفاوت المادي،فهناك أصحاب الثراء الفاحش ثم تقل المنزلة قليلا قليلا فيقل مقدار الغنى حتى نصل إلي المنتصف،وهم ليسوا بالأغنياء ولا بالفقراء ولكنهم كما يسموا أنفسهم المستوري الحال،سترهم الله أن يسألوا الناس فأقروا بنعمته وشكروا فضله،ثم تنحدر المنزلة حتى نصل إلى الفقر،ثم تشتد فتصل إلى الفقر المدقع.

لكن بقرائتك لما قد سبق فقد أغفلت العين عن طبقة من الطبقات، وقد تعمدت أن أغفلها لترى كم من المعاناة تلاقي هذه الفئة، فإن كنت قد نسيتها كتابة فهمي منسية بين الناس، بل إني أراها أصعب حالا من أصحاب الفقر، فبين مستوري الحال والفقراء فئة لا تنضم إلى هؤلاء ولا هؤلاء، لم يصلوا إلى الاكتفاء ولم ينحدروا إلى الفقر، قد تستبق الحكم فتقول إنهم أفضل حالا من الفقراء،لكني سأريك جانب آخر من حالهم،سيغير كثيرا من حكمك المسبق،هؤلاء أسميهم المستضعفون في الأرض،وهو موضع كلامنا في البقية.

هؤلاء أناس بالكاد لا يملكون إلا قوت يومهم العادي بدون أن تحل عليهم مصائب الدهر،فإذا حلت عليهم نائبة وإن كانت بسيطة تجد آثرها عظيمة، يكتم أحدهم آلامه أو يخفيها في ظلمات الليل.

رفضوا أن يستسلموا للحياة، لم ينزلوا إلى الفقر إنما جاهدوه بشق الأنفس، يبحثون عن أي مصدر للرزق مهما كان بسيطا أو قليلا في أعين الناس، أو عسيرا على أجسادهم، يرزقون بالقليل، لكن هذا القليل يبعدهم عن مراتب الفقر وهو ما يريدونه.

مثل هؤلاء تراهم في البائعين في الشوارع،والموظفين في المصالح البسيطة أصحاب الرواتب التي لا تكفي إلا للطعام وقد لاتكفي والعمال في المصالح غير المنتمين إلى شركة أو كيان، فما له من تأمين إن مرض، ولا معاش إن هرم، لكن له رب فر إليه، فتركها له ، وعادة يحاول أن يشق على نفسه من أجل ابن له لعله ينفعه حينما يجور عليه الزمان.

حياتهم صعبة فحينما تحلو الحياة تكون كاللبن بين فرث ودم، فرحة تشوبها مشقة، وتحيط بها معاناه، ولكن حينما تشتد يكون للحياة كالطحين للرحى،وهكذا هم دائما طوال الدهر، يتعاقب عليهم الطريدان* وتتعاقب عليهم الحياة بين الفرح وسط المعاناة والألم الممزوج بالرضا.

ومما يزيد قناعتي أنهم أشد حالا من الفقراء أن الفقير قد يُنظر إليه،فقد يحصل على صدقة ممن قد أفاء الله عليهم وله نصيب من الزكوات التى فرضها الله على عباده من زكاة مال وفطر وزروع، لكن أصحابنا وإن كانوا يستحقون الزكاة والصدقة، إلا أنهم فى نظر المعظم لا يستحقون، فهم فقراء لكن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وكأن الفقر يعاقبهم على الفرار منه فيفر منهم هو الآخر، فلا يحصلون حتى على الميزة الوحيدة العائدة من الفقر،صدقات الناس وزكاتهم.

في الشارع هنا سيدة أتت بفرن وأنبوبة غاز لتشوي الذرة وتبيعها والله وحده يعلم عبأ الجلوس في وجه النار في الحر فهي اكتوت مرتين، أولاهما بهذه النار الحامية والثانية بسعر إسطوانة الغاز الباهظة، قد اقترب من مشترى ليسأل بكم؟ فترد بثلاث جنيهات فيقول لما لا أخذ اثنين بخمسة، ويسلب منها جنيها كأنه سيمنعه من الفقر أو سيوصله للغنى، لكن الشخص ذاته لايجرأ أن يساوم طبيبا أو صيدليا أو ثمن خدمة إضافي على الطعام في مطعم فاخرعلى جنيه واحد بل قد يدفع أكثر مما طلب منه بنفس راضية.

وهذا آخر يبيع التين الشوكي فتجد المساومين الكثر،يقول لهم إن الثلاث بعشرة، فيقولون لا سنأخذ أربعة أو خمسة.

وإني لأستغرب من هؤلاء، إن القليل الذى تأخذه من هذه السيدة أو مثيلاتها عندها كثير والكثير الذي تتركه لغيرها عنده قليل فلما تبخسها حقها؟ أعطها حقها أو يزيد مع أني واثق أنهم لن يقبلوا زيادتك لأنهم لا يريدوا عطفك ورحمتك بل يكتفون برحمة الله!

رأيت هذا بعيني،حينما كنت أسير بشوارع المنزلة ليلا في آخر يوم من رمضان،وقد اشتريت المثلج** فإذ بي أرى سيدة قد فرشت الأرض ووضعت عليها بعض الأحذية لتبيعها ، ومعاها ولدها لا يتجاوز الحادية عشر على تقديري، ذهبت عليه وعرضت عليه المثلج فإذ به يرفض رفضا شديدا ومع تكرار محاولتي مرات عديدة ومنظري وسط الشارع قالت له أمه أخيرا خذها منه فرفض أيضا فكررت الأم فلأيا وافق بعد صعوبة.

هؤلاء لا يريدون شفقة ولا رحمة من أحد والمفارقة العجيبة أن لا أحد يعطيهم الرحمة ولا الشفقة،بل هو أغنياء في نظرهم ولا يحتاجون لشيء،

وكما قلت: إن كان للفقير عون من زكاة الناس وصدقاتهم،وبعض الجمعيات الخاصة بأمرهم، فإن أصحابنا هؤلاء المستضعفون ليس لهم من ذلك شيء.

قوم إذا نالت الحياة منهم لم يجدوا العون ولا النصير، تقع بهم الشدة من مرض أو غيره،ويحتاجون للمال كي يكملوا التحدي ضد الحياة، فإذ بهم يبحثون عن مصدر إضافي ليتكفل بالشدة المحيطة، فإذا لم يجدوا يذهبون إلي الناس، لا ليأخذوا منهم صدقة إنما يقترضونه دينا فاذا زالت الشدة يسرعون فى رد هذا المال لصاحبه، فكما قلنا لا يريدون رحمة من أحد،إنه الطمع نعم الطمع ولكنه طمع أفضل من القناعة، إنه طمع في رحمة الله.

حاول أن تغير نظرتك إلى هؤلاء، إذا تعاملت معهم فى شراء فلا تبخسهم حقوقهم وفي البيع لا تثقل عليهم وابتغي بذلك رحمة الله.

المستضعفون في الأرض هم السواد*** من الناس في هذة الحياة ومعظمنا غني أو فقير تأتي عليه أيام ويكون مستضعفا، لا أقصد أن يدور بك الزمان فتصير مثلهم ولا نقص الأموال ،بل أقصد لحظات الانكسار والضعف، حينما تظلم من الناس أو يتخلى عنك من أحببتهم يوما أو أصابك ما يضعف قواك أو عزيمتك، لحظات الخذلان ، أتعرف مرارة هذا الشعور وقسوته؟، في هذه اللحظات نتشابه جزئيا بمثل هؤلاء، نكون من المستضعفين، فما بالك بمن كانت هذه حياته؟!

........................................................................................................................

*الطريدان: الليل والنهار

**المثلج: كلمة استخدمت بديل ل(الآيس كريم)

***السواد:الغالبية


  • 1

   نشر في 16 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 22 يوليوز 2018 .

التعليقات

Ahmed Tolba منذ 1 شهر
الموظفين في المصالح البسيطة أصحاب الرواتب التي لا تكفي إلا للطعام وقد لاتكفي
وما أكثرهم فهم فى نفس حال من تحدثت عنهم
1
Ahmed Tolba منذ 1 شهر
رائع
1
محمد أشرف درويش
أشكرك وأتمني أشوف رأيك ديما في المقالات إلي فاتت وإلي جاية ان شاء الله
Ahmed Tolba
بإذن الله يشرفنى ذلك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا