روشـــتــــة الــقِــراءة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

روشـــتــــة الــقِــراءة

كيف أصبحُ مثقفًا؟ ومتى؟!!

  نشر في 29 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 06 شتنبر 2017 .

"اشرب بعمق أو لا تشرب على الإطلاق من النبع الصافي" هذه الفلسفة جعلتني أغض الطرف عن القراءة جملةً وتفصيلا.. قالها وهو ينظر من الشرفة المطلة على أرضٍ فسيحة قاحلة، ثم نهض من مكانه مصوبًا النظر إلى نفس الاتجاه، وزفر زفرةَ من يرمي عن منكبيه حملًا مُنهِّكًا، وقال: أترى يجدي نفعًا أن أقرأ صفحتين من كتاب في حين أني أتمنى أن أكون موسوعي المعرفة مثلك يا ضياء؟!

كان ضياء يستمع إلى "صعب" باهتمام دون أن يقاطعه، وقد شدَّ انتباهه وجود علبة من الدواء بالقرب من سرير صعب. اغتنم ضياء فرصة ذهبية ألقى بها صعب.. كانت تلك الفرصة هي السؤال الذي طرحه عليه!! أراد أن يقول له بأن التدرُّج سنةٌ كونية، وأن الفنان العظيم كان يومًا ما مبتدئًا على طريق الفن، وأن الكتّاب والشعراء كانت بداياتهم متواضعة وربما حاول أحدهم كتابة بيتٍ أو بيتين من الشعر؛ فلم تسعِّفه قريحته ولكنه بالدُرْبَة والمواصلة بلغ مأربه.

مع أن السؤال لم يكن صعبًا على ضياء ليُجيبَ صعب، إلا أنه آثر أن يوصِل الرسالة من أقربِ طريقٍ ممكن؛ فقال له: هل لي أن اسألك عن علبة الدواء هذه؟! قال صعب مُمتعِضًا وقد ابتسم ابتسامةً هزيلة: لا تخبرني أن هذا الدواء فيه الإجابة عن سؤالي!! على كل حال هذا دواء ارتفاع ضغط الدم .. كلُّ شيء فيما حولك اليوم يرفع الضغط .. ثم أردف بتهكم لا يخلُ من دعابة: شكرًا لك .. أجبتني بما فيه الكفاية يا رجل!! ابتسم ضياء وهو يقول: هل لي أن أتناول من هذا الدواء؟! ردّ صعب بلهجة آمرة يشوبها الحب والإشفاق على صديقه: إياك! فأنتَ أعرفُ الناس بخطورة ذلك، أيها الطبيب!! ولكني أراك تراوغني ولم تجب عن سؤالي!!

لا يا صديقي إني أتعمد الإجابة عن سؤالك.. قالها ضياء وقد أمسك بيد صديقه وأجلسه حيث لا يرى الأرض القاحلة؛ واتجه للشرفة المقابلة وفتحها؛ فإذا بحديقةٍ غناء قد نقلت الأذهان لربوع الأندلس والرياض العامرة.. ثم انبرى في شرح وجهة نظره فقال بصوتٍ يحملُ البهجة وعبق ورود الحديقة: في بعض الأوقات نحتاج لخريطةٍ نرى الطريق من خلالها بشكلٍ يدفعنا للأمام ولا يكبِّل أقدامنا، والشرب من النبع الصافي بعمق لا يختلف عن ذلك في شيء؛ لأننا إذا ما استطبنا النبع فلن نمل الشرب منه، كما أننا.. لم يتركه صعب ليُكمِل، وسأله على الفور: حتى وإن اتفقت معك في كل هذا، أليس ذلك تعجيزيًا إذ أنني بحاجة لعشرات السنوات حتى أمتلك الثقافة الواسعة التي أتمناها؟!

لا أوافقك الرأي يا صعب في ذلك، واسمح لي أن أُثبِتَ لك ما يدعم قولي، أنت قلت: "حتى أمتلك الثقافة الواسعة التي أتمناها" .. تتمناها يا صديقى.. كلنا يتمنى، ولكن القليل فقط هو من يضع الأمنية حيز التنفيذ، وهذا هو الفرق بين من يُنجز ومن يتوقف به الأمر عند حد الأمنية فحسب. لنأخذ هذا الدواء كمثال، وهو كما ذكرت لعلاج ارتفاع ضغط الدم .. اسمه العلمي كلونيدين Clonidine HCL ومع أنه يعالج ارتفاع ضغط الدم إلا أنه يعالج أيضًا الهبات الساخنة وكذلك لعلاج قصور الانتباه وفرط الحركة ADHD والأعراض الانسحابية الناجمة عن تعاطي المخدرات. الاستخدامات متنوعة وهي ذات الأهمية التي قد يحملها كتاب واحد لأكثر من غرض بما فيها الثقافة العامة، وليس هذا ما يعنينا الآن.. هنا وضع صعب وجنتيه بين راحتي يديه وبدا على قسمات وجهه الاهتمام بما يسمع، وقال لصديقه: اكمل، لقد أثرت انتباهي، قال ضياء: حسنًا؛ ينصح الطبيب المرضى بتناول كلونيدين بجرعات تدريجية.. لا يطالبهم بتناول الدواء مرةً واحدة، لكن التدرُّج مطلب رئيس في العلاج وصولًا إلى الجرعة المطلوبة، وكما تعلم يا صديقي فإن الجرعة المناسبة تختلف لكل حالة على حدة. تمتم صعب: صدقت، ثم؟

يلتزم المريض بالجرعة التي حددها الطبيب.. ولا يتوقف عن استعمال الدواء دون الرجوع للطبيب؛ فإن ارتأى الطبيب وجوب إيقاف العلاج فيكون التوقف تدريجيًا. صاح صعب: إي!! أردت القول بأن علي القراءة بشكلٍ تدريجي إلى أن أصل لما أصبو إليه، هذا شيء طيب يا صديقي!!

قال ضياء وقد ارتسمت السعادة على أسارير وجهه بما قاله صعب: يمكننا تشبيه ذلك بالطائرة التي تمضي على المدرج فترة من الوقت قبل أن تحلِّق في عنان السماء، فإذا أرادت الهبوط فإنها تهبط الهوينى وإلا اصطدمت بالأرض وتأذى الركاب. الثقافة تأتي بكثرة المطالعة، وعليك ألا تقرر قراءة خمسة كتب في أسبوع، ابدأ بكتاب واحد ولو كانت صفحاته قليلة، ثم تدرّج في عدد الكتب التي تقرأها وثق بأن العدد ليس بأهم مما ستجنيه من الفائدة إذا ما قرأت بتعمق.

قال صعب: ولكن هناك مشكلة ربما لم تواجهها أنت من قبل، قال ضياء: أخبرني، ما هي تلك المشكلة؟ تنفس صعب الصعداء وهو يقول: أجد صعوبة في القراءة ريثما أبدأ، تمامًا كما قد يعاني المريض من أعراض كلونيدين الجانبية مثل جفاف الحلق، الدوار والنعاس أحيانا؛ فأنت عندما تقرأ عن شيء لا تحبه ربما تشعر بذات الأعراض!! وتود أن ترمي الكتاب كما يفعل رامي الجُلّة، وربما أبعد من ذلك!!

هزَّ ضياء رأسه بابتسامةٍ ساحرة، وهو يرمقُ صديقه بعينين لامعتين: لا تبتأس يا صديقي؛ فكلنا يحدث لنا ذلك عند قراءة كتاب ما في مجالٍ لا نحبه أو لا نفهمه على نحوٍ جيد. ويمكنك التغلُّب على هذا العرض الجانبي من خلال قراءة الروايات كبداية، أو مطالعة كتب في مجالٍ تحبه ثم تنتقل رويدًا رويدًا إلى كتب أكثر عمقًا وقوة. ليس بالضرورة أن كلَّ كتابٍ ينال إعجابي يجب أن ينال نفس الدرجة من اهتمامك؛ فإن لم تجد المتعة في كتابٍ ما، فابحث عن غيره بما يحقق لك المتعة والإفادة، ولا تشغل بالك بدرجة الثقافة التي تريد أن تصل إليها، ولكن اشغل نفسك بمواصلة القراءة والمطالعة؛ فنحن لا نكبُرُ كلما أكلنا إلا أن الوجبات اليومية التي نتناولها تبني أجسادنا، وبنفس المنطق كل ما نقرأه يشكّل وعينا وثقافتنا، وأولُ الغيثِ قَطْرٌ ثم ينهمِرُ؛ فشمّر وائتزر، واشرب بعمق من النبع الصافي. 


  • 7

   نشر في 29 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 06 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا