البقع العمياء في الدماغ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

البقع العمياء في الدماغ

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 03 فبراير 2022 .

البقع العمياء في الدماغ

لماذا يقوم الأذكياء بتصرفات حمقاء؟

حين حصل وفهم أحدهم موقفا ما لزميل له بصورة خاطئة على أحد المجموعات الألكترونية، وجاء رد فعله متشنجاَ غير لائق وغير لطيف مستخدماً عبارات لا تليق بمن هو في موقعه وعلمه وسنه، وبمن يمثل القيادة في مؤسسة ذات اتجاه ثقافي ديني، قفز أحدهم في هذه المجموعة دون أن يفهم القضية ويعي حيثياتها وعلق بشكل لا أخلاقي.

ولأنَّ الحلم زينة العقلاء؛ كان رد فعل الطرف الأول المتأذي تجاه هذا الدخيل إهماله تماما وكأنه مجرد شبح غير مرئي لم يظهر له أثر، واكتفى الطرف الأول الذي تلقى الإساءة بإرسال رسالة عقلانية خلوقة جداً قوية الحجة في محتواها مرفقاً بها مادة ثبوتية تثقب العيون، ألجمت صاحب رد الفعل السلبي المتشنج وأسكتته، كما ألجمت كذلك الدخيل المسيء فاختبأ بوكره متداريا خلف صمته.

اعتذر هذا المخطئ على الفور لأعضاء المجموعة، وأعلن أنه أخطأ في فهم الرسالة، وسيعتذر على الخاص للشخص الذي أخطأ بحقه، ورغم أنه لضعف في نفسه، وعدم مصداقيته لخالقه، وعدم ارتقاءه لأخلاق الجهة التي يمثلها ويترأسها لم يعتذر لمن أخطأ بحقه، معتقداً أنه بإظهار نفسه بمظهر المُخطئ المُعتذر أمام المجموعة أنه بذلك أنقذ نفسه ولملم ماء وجهه المهدور خشية احتقارهم له، ودارى نفسه هو الآخر خلف صمته وغفلة الآخرين عن الحقيقة الصادمة في أخلاقه، وفعل مثله الآخر الدخيل المُهمل مُعتقدا أن لا أحد انتبه لتعليقه..

ما كنت سأذكر هذه القصة، لولا أن وجدت نفس هذا الدخيل الشبح يعمد لإثارة البلبلة بقضية جديدة مختلف الرأي حولها، مستشهدا بافتراضات مُتخيلة مارة بذهنه، فأسكته أحدهم موضحا أن ما قام به زميلهم، حين عرض بفيديو مصور موقفا صحيا يقوي الجهاز المناعي للجسم مطبقاً ذلك على نفسه عملياً، لم ينافي فيه الشرع أبدا، ونسي كلاهما ما يستشهد به الشيوخ على المنابر من جراءة القول تحت عذر لا حياء بالدين.

الأمر المؤسف أن بعض الأشخاص تنقصهم الثقافة الدينية والثقافة الأخلاقية وقيم القرأن الكريم، ويطلقون الأحكام بأمور ليست من اختصاصهم ولا يفقهون بها، وبدون تريث حكيم، ودون تمعن أو تبصر، ويطلق أحكاماً لا تستند على استقصاء من أهل العلم والمعرفة، فالجهالة بالشيء ليس معيباً بقدر التدخل في الحكم في ما لا يفقه هذا الإنسان به، ولا فيما لم يتحقق منه.

والعلم هنا يبدي رأيا من المهم إدراكه ليتخذ الإنسان حيطته قبل اتخاذ موقف، أو إطلاق رأي مستعجل في أمور هو لا يعيها ولا يعي حيثياتها وظروفها، يرتكز فيها على الحالة العاطفية التي غالبا ما تطغى فتأتي برد فعل مستعجل ليس بمكانه، ولا هو من الأخلاق بشيء الاستعجال بفهمه، فعليه الحذر ألا يتسرع بإطلاق الأحكام حتى لا يقع بالمحظور، ويسجل بصحيفة أعماله أمام الله مُذنباً.

فحُكمُهُ الاعتباطي السريع يُعتبر قاصراً، وبالتالي جارحاً مؤذياً، لا يليق بالشخص المحافظ المُتدين أن يتخذه وسيلة للفهم، أو يتخذ سوء فهمه مشجبا يعلق عليه أخطاء تسرعه الحكم بحق الناس، فيصبح مثل هؤلاء أشخاصا مُنَفرين يَسعى الجميع الإبتعاد عنهم، والحذر من الأخذ عنهم والاحتكاك بهم، فالأحكام المتسرعة هي أخطاء مترعة بالأذى نابعة من بقع عمياء بالدماغ متشوهة الرؤية..

كثيرا من المواقف شكلها الظاهر قد يعطي حُكما مغايرا لحقيقة الحدث، فالأجدى أن يتريث الإنسان بأحكامه إلى أن يتبين الحقيقة ويفهم المسألة، حتى لا يوقع نفسه بالمحظور دينيا وأخلاقياً وإنسانياً.. فعيون المجتمع أشد تحديقاً بسلوك المتدينين، يحدث هذا أكثرمن غيره، فلا ينسى أن دوره القيادي يتطلب منه أن يكون قدوة الآخرين بالسلوك وليس بالمظاهر الخارجية حتى لا تأتي أفكاره نابعة عن بقع عمياء بالدماغ تشوه فهمه وفكره فيعكس الصورة السلبية عن المتدينين، الدين ليس عادات دينية محكومة بالعبادة فقط، وإلا ما كان القرأن الكريم وعاء الأخلاق والقيم والقوانين الشرعية والأحكام الدينية، وما وُصِفَ سيد الأنبياء والمرسلين بأنَّ خُلقه القرآن الكريم.. فاتقوا الله أيها الموهومين أنكم فوق العباد بلا ذنوب ولا أخطاء، العباد الذين ساوتهم عدالة الله على قدر واحد كأسنان المشط.

الرؤية غير المكتملة، هي رؤية غير شاملة المعرفة والعلم، وهي تدخل من ناحية علمية ضمن التفكير المار عبر بقع التفكير العمياء في الدماغ، ففي العقل بقع عمياء تعيق التفكير السليم، ولا تمر عليها الأفكار العقلانية، تماما كما العين البشرية فيها بقع عمياء لا يمر عبرها الضوء وتنعدم بها الرؤية.. فالعقل كذلك فيه الكثير من البقع العمياء التي تعيق عملية التفكير الصحيح والحكم العقلاني الحكيم.

وهذا ما أوردته عالمة النفس مادلين فانهيس في كتابها ( نظرية الفستق.. البقع العمياء في دماغك ) أن بعض الأفكار تأتي متسرعة بحيث تطغى عليها العواطف ولا تتوضح بها الرؤية، ولا تكون عقلانية بالمعنى الصحيح، فيها المغالطات وسوء رد الأفعال المتشنجة والجلفة بطبيعة الحال، فالعقل فيه من البقع العمياء الكثير التي تجعل الأذكياء يبدون بحق أغبياء محدودي التفكير.

فالمسلم لهذا السبب من صفاته التي يجب أن يتمثلها ليحسن إسلامه أن يكون حليما مُتريثا بالحكم، لطيفا بالمعاملة، ولا متسرع بالأحكام، أو جارح بالكلام، بل جابراً للخواطر، محترماً للمشاعر، لماحاً ذكياً، راقياً رضياً، يدرك دوره كوسيط للخير، لا دخيلا غبيا مُثيرا للفتن والخلافات.

خلق الإنسان خطاءا عجولا.. لكن سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم هو قدوة المسلمين أجمعين ذكوراً وإناثاً، جعله الله قدوة ومثالاً يحتذى، تقتديه أمته وتسير على أنوار هدايته متمثلينه بأخلاقه، والأولى بالاقتداء به، هم من يحسبون أنفسهم ويحسبهم مجتمعهم من المحافظين المتدينين، لأن الأخلاق هي الدين وهي الانعكاس الساطع للتدين الحقيقي وليس التدين الظاهري..

لأن المجتمع المتدين بات يعاني حالة تدين العادة، لا حالة تدين العبادة، فقد بتنا نشهد المسيئين منهم لصورة المسلم الحقيقي الكثير، من يتخذون من مظاهر التدين شكلا خارجياً، ولا يتخذون بسلوكهم ومواقفهم حقيقة المتدين التي يجب أن يقنع ربه والناس من خلالها بتدينه الصحيح، وغير ذلك سيكون بمثابة الصورة المسيئة للمتدين إن كان بقصد أو بلا قصد، كون البيئة هي التي تصنع طبعه وتغلبها على التطبع فيه، المقتحم عليه بقيم لم يعتادها ولم يمارسها تربويا.

لقول الله تعالى في سورة القلم { وإنكَ لعَلى خُلقٍ عَظيم} وفي الحديث الشريف ( إن الرجل ليدرك بحسن خلقه) ولم يقل بصلاته وعباداته، فانتبهوا لسلوككم ونظافة ألسنتكم فإنهما معيار ايمانكم الصحيح.

فالقرآن الكريم والأحاديث النبوية وضحا شروطهما الأخلاقية بهذا الموضوع بصفة خاصة، ومضمونهما يوضح خاصية الحُلم والتبصر بالموضوع، حتى استكمال الرؤية فيه قبل إطلاق الأحكام جزافا، فلا ينجرف المسلم المثقف خاصة نحو الحكم المُتسرع، إلا إذا غالبه الفكر المار عن البقع العمياء بالدماغ فتبديه والعياذ بالله أحمقاً غبياً.. تحقيقا لقول الله تعالى في كتابه العزيز:

{ أفمَنْ يَمْشِي مُكِباً على وَجْههِ أهْدَى، أفمَنْ يَمْشِي سَويّاً على سِراطٍ مُسْتَقِيم} صدق الله العظيم

فكن أيها المسلم نبيهاً مُتنبهاً حريصاً على حسن اتخاذ القرار، بالتريث والحلم حتى تتحقق لك حالة التبَصُّر، ولا تكن عجولاً مُتشنجاً غير مُتخذ طرق السلامة بالحكم والتعبير واتخاذ القرار، لأن لا شيء يصلح الغلط والمغالطات بعدما يطلقها اللسان مُتسرعا، جارحا النفس، قاسماً الخاطر، وإلا كان كلامك أيها الإنسان غير عقلاني مُغالط للحقيقة، يدخل ضمن دائرة الثرثرة بالسفاهة وفي غير المفيد وغير الإنساني، فأغلب أهل النار هم ممن أسقطهم لسانهم بالمحظور، لأنهم لم يتخذوا حذرهم ولم يتمثلوا حلمهم، وراحوا يطلقون أحكاما جائرة.. فكفى بالقرآن حكمة وموعظة.

ولينتبه المسلم لقول الله تعالى في سورة المؤمنون { والذينَ هُمْ عَنْ اللّغوِ مُعْرِضُون} وأهل اللغو هم أولئك المتسرعون بالأحكام وبثرثرة الكلام، فمثل هؤلاء هم آفة المجتمع ممن يثيرون البلابل، ويفرقون الأحبة والأصدقاء، ويخربون البيوت العامرة، ويُثيرون بين الناس الكراهية، ويأججون الخلافات، ويثيرون الأحقاد، فالمطلق للأحكام الجارفة هو شخص يفتقد الذكاء الاجتماعي، والدبلوماسية بالتصرف والخلق الكريم، وغير قادر على القيادة، ولا أمين على مواقع المسؤولية، ولا يملك حالة الانضباط الأخلاقي والنفسي..(فأكمل المؤمنون إيماناً أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائِهم) والحديث الشريف (إياكم وكسر الخواطر.. فإنها ليست عظاماً تجبر، بل أرواحاً تقهر) ولذلك من أشد الأذى لو تعلمون كسر الخواطر

والحديث الشريف يقول: (إذا غضب أحدكم فليسكت) فسكوته يُنجيه من التسرُّع بالأحكام ويُلجم لسانه عن الحكم الخاطئ، فحالة الغضب تؤدي لأفكار نابعة من البقع العمياء بالدماغ.

وأيضا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) أي غيِّر وضعك إلى حالة الاسترخاء فهناك علاقة وثيقة بين وضع الإنسان وحالته النفسية وقدرته بالسيطرة على اضطرابه.. فبالتأني والتحقق من الخبر وصول آمن إلى السلامة من غضب الله أولاً، ثم السلامة من الوقوع بالخطأ والتكلف بالأمور ثانياً.. (فأكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً)

والأمثال التي تتردد على ألسنة الناس لم تترك أمرا إلا قيل فيه المثل الحكيم.. منها "العجول مخطئ ولو ملك، والمتأني مصيب وإن هلك" .. وقيل أيضاً "إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التثبط فيها عند إمكانها"

الأذكياء والنبهاء لا يلدغون من نفس الجحر مرتين، ووحدهم يعرفون طريق أفضل الحلول، والشجاعة هي خاصية أهل الأخلاق، الشجاعة تتأتي من الثقة بالنفس والثقة بالقيم التي يؤمن بها، والناس تتوارث سلوكياتها دون تحديدها أو أن تعرف سببها، مجرد رؤيتهم لأهلهم يمارسونها فتنتقل إليهم تلقائيا.

فعدم اعتذار المخطئ بالقصة المذكورة في بداية مقالتنا لمن أخطأ بحقها، فقد فعل ذلك لكونها فقط امرأة فاستكبر الاعتذار لها، والمؤكد أن الكبر من الكفر، مما يعني أنه سطحي الثقافة غير عالم بقيمة المرأة بالإسلام ولا قيم جبر الخواطر، كما يعني أنه تربى في بيئة متخلفة بالعرف السائد دينيا، بيئته أورثته النظرة الدونية للمرأة وهذا بحد ذاته ذنب لا يغتفر، إلا أنه كابَر بعدم الاعتذار، ولم يعلم بوقوعه بهذا التصرف أنه إنما قد كفر على ما في الأحاديث النبوية والقرآن الكريم، كون الكِبْر من الكفر (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، فالتصرف الخاطئ يذهب بصاحبه إلى أخطاء متسلسلة لا يوقفها إلا الصدق مع الذات ومع الخالق.. وتعتبر هذه من الأفكار السلبية الخارجة عن إحدى البقع العمياء بالدماغ، في اتخاذ الحكم الخاطئ والتصرف الخاطئ.

العجز عن التفكير بطريقة سليمة أو بشكل محايد فيما يخص التعامل على أساس النوع الاجتماعي هو تفكير قاصر نابع عن بقعة عمياء بالدماغ جعلته يبدو جاهلا وغير سوي بالتفكير.

والقفز المباشر إلى الأحكام والاستنتاج المتسرع ناتج عن خروجها من بقعة عمياء بالدماغ، جراء عدم إعطاء التفكير حقه اعتمادا على أنماط أصبحت سائدة ضمن القناعات المغالطة.

والشخص ضعيف الشخصية هو شخص ضعيف الايمان، مهزوز من الداخل لهذا لا يستطيع اتخاذ القرار الصائب، ولا المواجهة الخاسرة ولا الإعتراف بارتكاب الخطأ الجسيم، لأن تفكيره ناتج عن بقعة عمياء تحول بينه وبين التفكير السليم وبالتالي التصرف السليم، فالتعامي عن الاعتذار عن الخطأ، وتجاهل حق الآخر بالإزدراء منه، والتصغير من قيمته، والاستكبار عليه، وتصعير الخد، وربما ارتكب الهمز الخفي، كل هذا يعتبر من أشد أشكال التصرفات المذمومة التي فيها معصية لله.

إلقاء تبعات الأخطاء الشخصية على الغير واللجوء إلى الكذب لمداراة موقف ما، هي حيلة فاشلة يُمارسها الجبان لأن أفكاره تفتقد واقعية التفكير وحكمة التبصير، لأن منبعها البقع العمياء في العقل البشري، وما أتعس الإنسان الذي تكثر بعقله البقع العمياء فتحيل حياته إلى ظلام دامس بالكاد يتحسس طريقه.

وأختم مقالتي بالآية الكريمة من سورة النحل التي تدعو إلى الحكمة والموعظه الحسنة تحقيقا للأمر الواضح الجلي، الذي يحقق أيضاً الأمان والسلامة والإيمان الصادق والخلق السوي:

{أدعُ إلى سَبيلِ رَبِكَ بالحِكمةِ والمَوْعِظةِ الحَسَنةِ وجَادِلهُم بالتِي هي أحْسَن } صدق الله العظيم


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 03 فبراير 2022 .

التعليقات

Dallash منذ 3 شهر
موضوع شيق ورائع جداً ومفيد..فيه معلومات قيمة ... سلمت يداك
https://www.makalcloud.com/post/w0rjxr68s
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا