إني رُزِقْت ُ..حبَّها - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إني رُزِقْت ُ..حبَّها

  نشر في 08 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 04 ماي 2016 .

بعدما انتهى الأستاذ من إلقاء الدرس وبينما كنت استعد للانصراف ، اتجهت نحوي إحدى زميلاتي ،ذات الأصول الفرنسية، وهمست في خجل: عفاف، هل لي بطلب خاص منك؟ أجبتها بابتسامة : أكيد..لو في استطاعتي لما لا. أخرجت ورقة بيضاء وقلم حبر أسود، ثم استرسلت قائلة: غدا هو ذكرى ميلاد عمي ..و هو أقرب شخص لي و الأغلى على قلبي، فهو بمثابة أبي..أردت أن تكون هديتي له مميزة، فهل بإمكانك أن تنتقي لي جملة باللغة العربية أعبر له بها عن حبي ؟ فوجئت بطلبها وخيم الصمت لثوان، فأكملت حديثها: لا تستغربي! فعمي مهتم باللغات و الكتب السماوية ، ولقد درس اللغة العربية لأكثر من ثلاث سنوات و لطالما حدثني عن جماليتها و عمقها. وافقت على طلبها بكل فرح، ولم يخطر ببالي إلا الآية الكريمة:" و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا".حاولت جاهدة أن اشرح لها المعنى ، وأظنها كانت مسرورة بغنيمتها تلك..أما أنا، فانهال علي وابل من الأسئلة : كيف لشخص لم يترعرع في حضن بلد عربي ، أن يحب لغتنا و يختار دراستها؟أ كنت سأسحر بهذه اللغة لو لم أكن مغربية مسلمة ؟ هل يا ترى كانت ستصيب قلبي سهام عشقها و سأصبح متيمة بحرفها؟

لم ينقذني من هذه المتاهة إلا ذلك الصوت الآتي من الأعماق.."ببساطة لقد رزقت حبها"..كما رزقت حب أشياء أخرى و رزقت نعماً لا تعد و لا تحصى.

مكانة خاصة ومرتبة عالية لم تزحزحها الأيام، استولت على عرش قلبي ، فهي السلطانة الآمرة الناهية في حضرة اللغات الأخرى، وأنا حبيبها السلطان الذي لا يرفض لها طلبا . ويوما بعد يوم ، يزداد ولعي وأنا أحضن بين ذراعي كلمات ليست كالكلمات ،وأشرب دون ارتواء ، وكلما سُئلت : هل تتقنين السباحة بين معانيها ، أجيب بكل فخر: لقد اخترت الغرق في بحورها و بين موجات تفاعيلها ، علني أغدو ولو بعد حين من سكان أعماقها.

أكاد أجزم أن عشقي للغة الضاد ابتدئ منذ أن همس في أذني يوم ولادتي: الله اكبر الله اكبر ، تلك كانت البذرة التي نمت في داخلي على مر السنين. ومع أولى خطوات كتابة اسمي و أولى الآيات التي رتلت ، أسرت بجمالية حروفها ،وكنت الفريسةَ التي رُميَ بشباك الهوى حولها فأُتقنَ صيدُها . لهج قلبي بحبها وأنا أجول أميرةً بين قصص السند ريلا و بياض الثلج، مغرمة بحكايا السندباد و الأمير المغوار، حتى رست سفينة شغفي على شاطئ المنفلوطي ، فكانت "مجدولين" أول رواية قرأت، وعشت بين ظلال الزيزفون قصة حياة بكل منعطفاتها.

في المقابل ، كان يثير اهتمامي ذلك" الكتاب المقدس"، الذي لطالما رددت أمي على مسامعي بعضا من كلماته قبل الخلود إلى النوم ، لم أكن واعية بماهية ما يرتل، لكنه ارتبط - بذهني كطفلة - براحة وطمأنينة أحس بها كل ليلة وانتظر حلولها بكل شوق.. ومع توالي الأيام، جذبني ذلك الوهج الرباني المنبعث من ألفاظ المصحف الشريف ، و أصبحت أمضي ساعات طوال لفهم آية واحدة ، و أهيم بين صفحاته ، بحثا عن المنهج الصحيح للحياة . تلك الجمالية والدقة في المعاني، وذلك الانسجام و التوازن في الصيغ أنال اللغة العربية الشرف العظيم بأن تكون لسان الوحي و لغة دعوة للعالمين.

واستمر صدى لهفتي، حين رميت بقلمي بين أحضانها، كالعاشق الذي احترف جنون الحب، أشبع أشواقي بكل حرف أدونه ، كأنما هي الحياة وأنا على قيدها.لم يكن أبدا اختياري الهندسة كتخصص أو هجرتي لدولة أوروبية صدا مانعا أمام هذا الولع ،بل على العكس ،فلطالما اعتبرت ميولي للأدب جزءا من فكري وهويتي، و ستظل هذه اللغة السامية في نظري منبعا زلالا عذبا ، ارتوي منه كلما أحسست بالظمأ، و ظلا أفيء إليه لأحمل بين ذراعيه حبا رزقته..حبا يخفق بين ضلوع الكثيرين مثلي و يتنفس بشوقٍ لحنَ الحياة.


  • 26

   نشر في 08 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 04 ماي 2016 .

التعليقات

خطر ببالي سابقا أن أكون أشياء كثيرة ولكن عند قرائتي لهذا المقال الجميل ولأول مرة تمنيت لو أني أكون اللغة العربية
0
Carmen ASif منذ 11 شهر
رائع جدا
1
عفاف فتحي
شكرا لك
قصة رائعة بل أكثر من ذلك بكثير.
1
عفاف فتحي
اشكرك كثيرا...
ظلا افيء اليه لاحمل بين ذراعيه حبا رزقته..جميل جميل
1
عفاف فتحي
كل الشكر و التقدير..
saif dewidar منذ 12 شهر
للغة كل ما تنهل منها تزداد عطشا .. كلمات طيبه
1
عفاف فتحي
و الاطيب مرورك سيدي الكريم
Zainab saaid منذ 12 شهر
شكرا لقلمك الراقي وكلماتك الشافية أختي ... لغة الضاد من أعظم نعم الله علينا . له الحمد والشكر
1
عفاف فتحي
شكرا لك..مودتي زينب
نبيل مدخلي منذ 12 شهر
حلقت بنا عاليا فوق تضاريس حروف اللغة العربية الشاهقة ..ومع ذلك نسجت منها جملا لامست قلوبنا بتفاصيل بسيطة وجميلة ..
1
عفاف فتحي
شكرا سيدي الكريم.. شرفني تعليقك
Mariam Mostafa منذ 12 شهر
مؤخرًا، أصبحتُ أرى النعمة في كوني أنطق العربية وأفهمها وأدرك معانيها، هي بحرٌ يزداد إدراكنا لعمقه كلما تعمقنا فيه .. لا فُض فوكِ يا عفاف
1
عفاف فتحي
الحمد لله على هذه النعمة حمدا حتى يبلغ الحمد منتهاه..لك بحار الشكر مريم
بناصر خديجة منذ 12 شهر
جميلة هي جمال الروح..عميقة عمق البحر ..ساكنة سكون الليل..هائجة هوج الريح في يوم عاصف..محظوظون نحن بها ..أدام الله عليك شعاع قلمك يا عفاف..
1
عفاف فتحي
كل الشكر و الامتنان سيدتي خديجة..بقدر السماوات و ما اتسعت و بقدر الارض و ما امتدت اسعدني مرورك
ياسمينة
حب .. ينهال من السماء ... فيسقي عطش الروح ..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا