"الوداع الأخير" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"الوداع الأخير"

"منتهى الوحدة أن لا نجد إنساناً واحداً...بين مئات يحيطون بنا... يكمل عباراتنا المبتورة ويشاركنا نشيجنا الصامت... كم نُخدع بوهم الازدحام... على زيفه"

  نشر في 18 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2019 .

اكتشف أن الحياة مع الزهايمر أفضل بكثير من الحياة بدونه...لهذا قرر أن يتوقف عن اخذ الدواء ليستطيع العيش..

التجاهل او الجهل بالشيء أحيانا يضفي على حياتنا الكثير من السعادة...تجاهل بشر ،تجاهل الم..تجاهل حزن..تجاهل مواقف..

غريب هو ذلك الإحساس الذي ينتابنا عندما تموت الحياة فينا ولا نستطيع أن ننبعث من جديد..

حاول مرة أن يهرب دون أن يراه أحد .. نجح في حفر فجوة تحت سياج يطوق صمته.. و في إحدى الأمسيات تمكن من العبور .. لكن بريق الفرح ابهره و أخافه .. لم يكن بعد مستعدا لذلك.. ولا يعرف كيف اختبأ .. دفعه الخوف من هذا العالم المجهول و الغامض للعودة حيث كان!!

لا جسر يوصله ولا وسيلة..لا يستطيع جمع المنثور منه..لا يجد قمرا يضيء دربه..فآه ثم آه..وألف آه .. "محزنٌ حقاً أن لا ندرك حقيقة الأشياء في المراحل الأولى من عمرنا، حين يندفع بنا قطار الحماس بجنون نحو أحلام ترسمنا ونعتقد بسذاجة أننا نرسمها...

"رحلة العمر في اتجاه واحد...محطاتها لا تعود،ولا تعطيك جديدها إلا مقابل ما تسلبه من قديمك..سيمضي العمر..عمر قصير"

حاول مرة اخرى أن يهرب دون أن يراه أحد .. نجح في حفر فجوة تحت سياج صمته...و في كل مرة يتمكن فيها من التسلل إلى الجهة الأخرى .. بريق السعادة يبهره ويخيفه .. وفي كل مرة لم يكن بعد مستعدا لذلك ولا يعرف ماذا يفعل .. فيدفعه الخوف من هذا العالم المجهول و الغامض للعودة حيث كان!!

"غريب هو الإحساس الذي ينتابنا عندما نحاول الانبعاث إلى الحياة مجددا"

كيف يكون المرء طليقا وهو حبيس أوهام عمر ..عمر يمضي وعمر ينقرض..عمر شقي بأوزار أعوام هاربة..وأعصاب تالفة!!

لم يبتعدْ عن ليل رحْلته الأخيرة بعْد كان القلب يلفظ آخر صور الذّكرى، وينفض ما علاه من عياء الحياة، ينفض ما تعلّق في ضلوعه من مباهج واهية ٍ، كانتْ ترفرف أمام ناظريه ..في فضاءات أعياها التعب والإجهاد والهزيمة..الهزيمة مع نفسه.. الفضاء يضيق ثمّ يضيق مخْتنقا ويبتدئ العطبْ والقلب يرسل في الظّلام بريقا مرْتعدا ويسقط في لهيب الآهات.. يعلم أنّ قافلة ستنهض بعد حينٍ ..راحلة!! ستحمله إلى وجعٍ جديدٍ أوْ حياة جديدة.....!!

روح التهكم و السخرية سمحت له بالبقاء والصمود .. خصوصاً أنها كانت تتجلى في أقصى لحظات الفجيعة والألم .. وكلما اجتاحته المآسي والأحزان ازدادت هذه الطبيعة فيه تجذراً و حضوراً .. لا يجد وسيلة أخرى يعبر فيها عن خيبته و حزنه و ألمه و معاناته إلا الضحك .. والتهكم والسخرية..السخرية من أوضاع مجتمعه الذي لم يفتأ أن غلبه بزيفه وتعنته وكذبه!!..

"منتهى الوحدة أن لا نجد إنساناً واحداً...بين مئات يحيطون بنا... يكمل عباراتنا المبتورة ويشاركنا نشيجنا الصامت... كم نُخدع بوهم الازدحام... على زيفه"

لحظات كثيرة تبهتْ مع مرور الزمن، في حين تزداد لحظاتهم بريقاً وبهاء... أصدقاء المراحل الأولى الذين أحبّوه كما هو... بألوانه الحقيقيّة... خزائن الذاكرة تقتلع أقفالها، ويضيع الزمن... فيخيّل إليهّ لوهلة أن الحاضر حلم كله!!.. أليس من يقرأ ألأعماق ويستشعر الإرهاصات... يسبح في ذات العالم، قادر أن «يسمع» و«يرى» !!.. "حين تضيق الدروب... وتختنق الحنجرة بالكلمات... يبتلع الخواء كل شئ... تتساوى الأشياء جميعاً، تكتسب كلّها لوناً واحداً... حينها... منتهى الوحدة أن نعتصر أذهاننا لنتذكّر شخصاً واحداً... واحداً فقط... يمكننا أن نلجأ إليه... نبكي على كتفه... دون أن يسألنا لماذا... نهذي طويلاً دون أن يقاطعنا... نلمس صدق أحزاننا في عيونه... نبلسم عذاباتنا بهمساته"...

مساكين نحن... نعيش في قصور من هواء... نبني ونبني... وتأتي الريح لتبدد أوهامنا في لحظات..تبدد أحلامنا..تقتلنا!!.. ويحدث أحياناً أن نستفيق محمّلين بأكوامٍ من الهمّ والحزن، كأن أرواحنا قد هُيّئتْ سلفاً لنهار كئيب!!

إلى أين يا صاح..؟! هذه الأوجاع..هذه الأسرة البيضاء أصبحت سوداء، لا مكان للمرهقين .. أين سيرتكز جسدك..ْتصدع الحلم..تصدعت الكلمات..بات الشعر عقيما..

غريب كيف روضه المرض فيقبل بما كان قبلاً يثيره ...لأتفه من مجرد الم أو وجع أو مرض.. !!

قد يمكننا أن نأخذ فكرة الموت كفكرة ونظن أننا نخافه أو لا .. ولكن هذا لا يغني عن الأمر شيئاً فهناك شيء أعمق من هذا بكثير .. فعندما يمر الإنسان بتجربة كالموت .. يرى أن هناك مستوى آخر .. بعمق آخر .. بمعنى آخر ..

"أمي.. لا تذرفي علي دمعة واحدة إن مت شجاعا..وافعلي إن مت جبانا.. فاغلب البشر قد يحلمون بالحب..إلا أنا فقد حلمت بالسمو والرقي...


  • 5

  • Dallash
    لا إله إلا الله محمد رسول الله
   نشر في 18 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2019 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 5 شهر
كلماتكم بالفعل انسانية سامية راقية بشدة عمقها وتجربتها جرفت دموعى وحملتنى الى عالم غير ذلك العالم التافه الباهت المعالم الذى نعيشه .. تحياتى وارجو لكم دوام التوفيق
1
Dallash
حفظكم الله استاذي الفاضل
Ahmed Mahmoud منذ 5 شهر
أمي.. لا تذرفي علي دمعة واحدة إن مت شجاعا..وافعلي إن مت جبانا.

كلام حكيم من إنسان عظيم
3
Dallash
حفظك الله اخي احمد وبارك لك في صحتك واهلك ومالك ....سعدت بك جدا
Ahmed Mahmoud
و فيك أخي ماهر
هدوء الليل منذ 5 شهر
لم يكن الهرب من واقعنا حلاً ابداً . لم يكن الهرب من ماضينا حلاً . ..
كيف يكون المرء طليقا وهو حبيس أوهام عمر ..عمر يمضي وعمر ينقرض..عمر شقي بأوزار أعوام هاربة..وأعصاب تالفة!!
و الاجمل ((فاغلب البشر قد يحلمون بالحب..إلا أنا فقد حلمت بالسمو والرقي..))
لأنك رائع أخ باكير .. كلام قمة الروعة والاحساس و"المنطق" احسنت فعلا
تحياتي لشخصك الكريم ...
2
Dallash
حفظك الله اختي الفاضلة الكريمة
سعدت بمرورك العطر

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا