أيات النفاق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أيات النفاق

حول نفاق الذات.

  نشر في 05 ديسمبر 2020 .

لقد قيل عن تعريف المنافق، أنه يظهر بخلاف ما يبطن، فيظهر لك الحب والتأخي ويبطن لك العداوة والبغضاء. و لكن فى مجتمعنا العربى هناك حالة أخرى من النفاق وهو النفاق الذاتى، فبخلاف ما إعتدنا أن النفاق، هو نفاق الغير، فنحن نعيش ظاهرة نفسية واجتماعية جديدة، وهو نفاق النفس. تلك الحالة التى نؤمن فيها بأفكار وقناعات بشكل يقينى، ولكن تلك الأفكار و القناعات التى ورثناها جيل بعد جيل كحقيقة مخلدة ونختال بها أمام أنفسنا وأمام الغير، فإن تلك الفضائل نفسها تتناقض مع منظومة القيم التى تحكم واقعنا، فنعيش حالة من الإنكار و التبرير والتحذلق، فإذا كان المنافق التقليدي الذى يظهر بخلاف ما يبطن رغبة فى مصلحة أو رهبة من بطش محتمل. فهو مدرك لحقيقة سلوكياته وأن نفاقه ليس سوى أداة للتكيف مع محيطه، فإما أن يكتسب حظوة ومكانة أو محاولا تجنب عداوة و مشاكل لا يستطيع مواجهتها، فإن نفاقنا الذاتى، حالة نعيشها بشكل غير واعي، ليس بغرض إكتساب حظوة عند الأخرين بل إكتساب الحظوة عند أنفسنا.

فى فضائنا الخاص و علاقتنا العائلية، نستطيع أن نمارس فضائلنا بشكل محموم و إنفعالى، ولكن عند عتبة العمل و عند الإقبال على الحياة العملية و الوظيفية، نترك تلك الفضائل بشكل مؤقت، ونعود أحيانا لنأخذها عند الحاجة. تلك الإزدواجية التي نعيشها بين فضائنا الخاص و الفضاء العام، ليست سوى تصالح مع أنفسنا المركبة بشكل إعتباطي ورغبة في التكيف مع واقع لا يرحم، وهذا التصالح ليست معرفة لحقيقتنا بل إنكار لها، إنكار لحقيقة كوننا عاجزين، عاجزين عن التعبير عن قيمنا و أفكارنا على أرض الواقع المتشبع بالفساد. فليس أمامنا سوى أن نخلق لأنفسنا بشكل لاواعى ذوات متخيلة مشكلة من موروثات ثقافية منقحة، نستطيع من خلالها أن نمارس فيها فضائلنا، هذه الذات المتخيلة تخلق لنفسها واقع متخيل  تتناسب معه، وفى عملية التخيل تلك تحيل دائما الواقع إلى قوى غيبية متحكمة لا نستطيع مواجهتها.

أما تلك الفضائل المدعاه فليست فضائل كاملة، بل يتم تدجينها وتنقيحها باستمرار لتفرغ من مضمونها وتختزل فى شعارات ورموز يتم توثينها، وظواهر سلوكية و عادات كلامية تتحول إلى مثل متعالية . أما منظومة القيم التى تحكمنا، فتتركز قيمتها في أنها بلا قيمة، فهى قائمة على المنافع المادية المتحققة للفرد، فهى منظومة لا تقبل أن يستفيد منها الجميع بشكل متساوي، فالتنازع المحموم لزيادة إمكانياتنا الإستهلاكية هو السمة الأساسية لتلك المنظومة، فلا يوجد أى معايير أخلاقية لتقييم ممارستنا داخل تلك المنظومة، فالمعيار الوحيد هو الموقف الآني و اللحظي التى تجعل أي ممارسة مقبولة طالما تستطيع تحقيق الأهداف المرجوة، وتصبح ممارسة النفاق جزء من طبيعة الوظيفة لا ينفصل عنها، فلم تعد ممارسة الكذب والغش أدوات يتم توظيفها للضرورة بل أصبحت جزء من الممارسة المهنية اليومية، لتتحول الوظيفة من عمل إنتاجي إلى عمل إستعراضي، ونحيل الممارسات اللأخلاقية في عملية الاستعراض تلك إلى مسميات إقتصادية كالتسويق الجيد و الكفأءة المهنية وإدارة الوقت وغيرها من المسميات المختلقة لشرعنة تلك الممارسات لتصبح مقبولة عرفيا. لتتوافق تلك المسميات الجديدة مع فضائلنا الذاتية، فالرشاوي تصبح عمولات متفق علي نسبتها والمضاربين والمتعاملين بالربا تصبح تجارة مشىروعة، والمكتنزين للثروة الذين يزورون فى الحسابات لكى لا يدفعوا ما عليهم من ضرائب تصبح أمرا مقبولا فالضرائب ليست من الدين في شئ، والمبذرين لا بأس عليهم طالما لم يشتروا الخمر. وإذا إستخدمنا المنطق الصوري لأرسطوا لشرح تلك الحالة فسيكون كالآتي.

                             كل ما هو متداول و منتشر هو مباح ( مقدمة أولى).

                     بعض الممارسات اللأخلاقية متداولة ومنتشرة ( مقدمة ثانية ).

                            إذن تلك الممارسات اللأخلاقية تصبح مباحة ( نتيجة ).


فضيلة الطبقة الوسطى.

يعد مصطلح (الوسط)، مصطلح شائع ويحظى بقبول وشعبية واسعة بين فئات عريضة من المجتمع. فلقد عرف الفلاسفة القدامى أن الفضيلة وسط بين رذيلتين،  وإذا أردت أن تمدح خطاب أو فكرة ما، فيكفي أن تدخل كلمة (وسطي)، فيقال هذا دين وسطي، فكر وسطي أو شعب وسطي.

بشكل عام فأصحاب الخطاب الوسطي، يتخذون موقف محايدا من أطراف الصراع، وتتغير موافقهم بإستمرار مع تغير دينامكيات القوى وأطراف النزاع. ومضمون خطابهم دائما ما يكون موالي للسلطة أي كانت أيدولوجيتها،  مع لغة محايدة تتسم بالدبلوماسية و العمومية دون التعرض لحدث محدد، إن كلمتي (مع ولكن) ، تعبيران يشكلان مضمون أي خطاب يعتبر وسطيا. مثل (مع حق الناس في التعبير عن مطالبها المشروعة لكننا مع سيادة الدولة وحقها في إنفاذ القانون) . 

فالوسيط دائما سواء كان شخصية حقيقية أو إعتبارية، فهو يحظى بقبول  وشعبية واسعة لدى الجماهير مع ولاء ضمني غير معلن عنه للسلطة. ويتمثل دوره فى كونه سلطة ثقافية لتبرير أي إجراء تعسفي تتخذه السلطة الفعلية لصالحها واستمرارا في سيطرتها. ومع الوقت ومع إدراك الجماهير أن شخصية الوسيط تلك ليست سوي أداة للسلطة، فتفقد قدرتها الوسائطية بين الناس والسلطة، فتصبح منبوذة بين الإثنين، الجماهير التي أدركت نفاقها والسلطة التي أدركت عدم جدواها، فتبحث عن بديل لها. 

وفكرة الطبقة الوسطى ليست منفصلة عن فكرة الوسط والوسيط المحايد، فمع خطاب السلطة الدائم حول أهمية الطبقة الوسطى ودورها في المجتمع، و هو إعتراف ضمني بوجود طبقة غنية وأخرى فقيرة كحقيقة طبيعية، تقف الطبقة الوسطى حائل بينهما، فهى من ناحية تشترك في ثقافتها وأفكارها المحافظة مع طبقة المعدومين والفقراء وهى من ناحية أخرى تتصف بالولاء لأصحاب الثروة و السلطة، فهى تمثل حاجز ثقافي و معنوي بين الطبقة الغنية الحاكمة وبين سخط الطبقة المقهورة و المعدمة. فضيلة تلك الطبقة هى النفاق كممارسة حياتية و أيدولوجية فكرية، غايتها أن تستمر في الحفاظ على موقعها الوسطي بين تناقضات صارخة لا يمكن أن تتوافق فيما بينها إلا بصورة مختلقة، لتتحول تلك الصورة التلفيقية إلى ظاهرة نفسية واجتماعية تحظى بقبول لدى السلطة وتوصف بالسواء والطبيعانية، ففي عالم لا يستطيع أصحاب المبادئ و الصادقين العيش فيه، تصبح ممارسة النفاق مع الغير و مع النفس، الممارسة المعقولة الوحيدة للتكيف مع هذا العالم. 






   نشر في 05 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا