اللعنة والغفران - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اللعنة والغفران

حتى لو افترقنا، أتمنى دوماً من قلبي أن يغفر خطيئة اللقاء وخطيئة الوداع! .. أما هو فإن قلبي يلعنه في كل ذكرى، وألعنه في كل لحظة غضب!

  نشر في 19 ديسمبر 2018 .

كان قلبي يتمزق دوماً عند كل باب يغلق، خلف كل وداع كنت أذرف اليسير من الدموع، أتلاشى مع عتمة الليل، أتنهد مع كل ثانية تمر وأنا أفكر فيها باللقاء التالي. . كنت أعلم أنه سيأتي اليوم الذي سأكون فيه شجاعة كفاية لأتحمل البعد، وبأنك ستتمزق بعدي، وستكون عاصفاً كإعصار، مرتبكاً في كل مرة تفكر فيها بأن تأتي لزيارتي ولن تجدني.

تركت نفسي لمصير مجهول مقابل أن تأتي هذه اللحظات التي لا يربكني فيها غريب يقرع الباب، يسأل عن عنوان من كانوا يعيشون هنا قبلي، أراقب ملامح الحسرة على وجهه، وهو الذي أتى بأمل اللقاء وغادر بحسرة .. لقد تأخرت يا هذا كما فعل الكثيرون من قبلك .. ومع هذا فأنا لا أملك أي نصيحة للعشاق، سوى بأن يكونوا أوفياء للوقت، لأن الوقت لا يرحم، إنه لا يغدر بنا كما تظنون، لكن الوقت لا يتحمل الصبر والشقاء، وعندما يشعر بأن البرد بدأ يتسلل إلى أعماقه، يندس في فراشه ويدخل في سبات عميق. 

والذاكرة أحياناً تدخل بذات السبات، ولا أحد يستطيع إنعاش الشغف فيها. عليك أن تكون قوياً كفاية لتتحمل حرب الحياة الطاحنة .. عندما تدرك أن صراع القلب والعقل سيودي بك لا محالة نحو الهلاك إن لم يكن بينهما هدنة .. 

إياك أن تطيع قلبك على حساب عقلك، وإن وقعت مرغماً ذات يوم ضحية لهذه الطاعة العمياء كن قوياً عندما تسقط ولا يبقى من الحب سوى ذكريات .. 

دعك من حلم لقاء عابر، لا تجدد نقطة الألم، كن قوياً كفايةً لتقرر بأنه حان عليك أن تنسحب، أو أن تغادر، إن المجهول مخيف .. ولهذا جعل القدر الموت عبرة. لكن إياك أن تضعف فالحياة تسحق الضعفاء. ومع الوقت ستدرك أن مختصر الكلام مفيد حقاً، وأن السكوت في كثير من الأحيان يكون من ذهب .. لكن تذكر أن ليس كل تأخير هو خير من ألا تصل، لأنك قد تصل بعد فوات الأوان .. 

حارب لأجل أن تكون سعيداً لأن لا أحد سيشتري لك السعادة، لأن السعادة الحقيقية لا تقدر بثمن، إنها لحظات تصنعها بنفسك، عندما تؤمن بأنه لا يوجد إنسان مؤمن وحيد والرب يصغي لكل دعاء، يحيط بنا عند كل ألم، يعفينا من ما ليس لنا طاقة تحمله.

من هنا مررت، هنا عشقت وهنا تركت، هنا كنت وفيةً للقاء وللبعد .. كتبت على طاولتنا ذكرى لم تجمعنا بتوقيت كنا فيها بعيدين، أمسينا غرباء وما زلنا نكابر على هذه الحقيقة، أعدك بأن نلتقي لأنني أخاف أن أخسر مكالماتنا الهاتفية التي تنعش قلبي عندما يكون يائساً، من رسائلنا التي نتبادل فيها أخبارنا .. 

تعالي لنلتقي ذات يوم .. 

بالتأكيد .. أعدك بأنني سأفعل بأقرب فرصة!

لكنني أختلق أعذاراً لهذه الفرص، لأنني لا أجيد الكذب، ولا تناسبني ملامح البؤس، لهذا فأنا لا أعبس في وجهك عندما ألتقيك وتتلو علي كذبة تلو الأخرى، متحججاً بالوقت والبعد .. لكنني أقسو عندما أواجه جلادي. أطحن الحنين في عيني كما أطحن حبات البن كل صباح وأنا أعد قهوتي، وأرسل لك رسالتي المعتادة :" صباح الخير يا حبيبي". 

ما أزال أقتني لحظاتنا سوية، وأمسحها كل يوم بماء زلال، لا أريد لهذه اللحظات أن تلمسها غبرة النسيان، فأنا لا أحب النسيان التعسفي، لأنك كنت وستبقى جزءاً من ذاكرتي ومن تاريخي .. 

أما هو .. فأنا في كل لحظة غصب ألعنه آلاف المرات، رغم أنني أدرك أنه سيأتي اليوم الذي سيجثو فيه أمامي ويتوسلني كي أسامحه، لكن الجمهور الصامت لم يصفق بعد .. أي أن مسرحيتنا لم تنتهي، رغم أن أبطالها سحقهم البعد وأضناهم التعب، حطوا رحالهم في كل المحطات .. لكنهم لم يصلوا إلى محطتهم الأخيرة بعد.

ها أنا أعلمك كيف تكون كتابة الوجع، عندما تطلب مني أن أكون قوية، وأعود إليك بصلابة، ها أنا ذا من جديد أقف بعد كل انكسار لأواجه العاصفة التالية، لأرمم ذكرياتي وأجمل ملامح الحرب البائسة التي تقف في الذاكرة تلامس كل إحساس دون أي شعور بالذنب.

وأعود لأحزم حقائبي في كل مرة، وفي كل مرة يخف الحمل، إلا من كتاب أحببته، وكوب اقتنيته من مكان له ذكريات لطيفة .. وتعود لتختفي كل تلك الرسائل، ويعود كل شيء ليغفو على عتبة النسيان .. منه ما تصفح عنه الذاكرة ومنه ما تلعنه في كل لحظة غضب!


  • 5

   نشر في 19 ديسمبر 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا