التيه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التيه

مناجاة

  نشر في 30 أبريل 2021 .

بالكاد أستطيع البقاء على ظهر حصاني.. انحنى ظهري، وبرزت منه السهام، كالقنفذ صرت، بل كخرقة بالية، لا معالم فيها، ولا ملامح لها.. شتات نفس مُزِّقَتْ كل مُمَزق.. طفل قد أُلقي في غيابة الجب، ينتظر بعض السيارة تلتقطه، ولا نهاية لانتظاره.. لا نور في نهاية النفق..

ضللتُ كثيرًا.. كنتُ كمن يتحري المتاهات، فلا يلبث أن يخرج من متاهة، ليسارع بالدخول في أخرى، لتتكرر المأساة.. تختلف المسميات، وتختلف الظروف، بل وتختلف التفاصيل في أدقها، لكن الهيكل العام واحد، والطامَّة هي نفسها.. يقولون: "العاشقون لا يغيرون ما يعشقون".. يبدو أنني أعشق الضلال، وهويت التيه، وكأنني أُطعم فيه المن والسلوى، ولم تحن نفسي أبدًا لفوم، أو عدس، أو بصل..

أو أنني لست بعاشق لعقوبة فُرضت أربعين سنة، بل مُقحم رغمًا عني في ظلام، آخذ بالتمدد كلما كدتُ أبلغ له نهاية.. إنني لست بجانٍ، وإنما ضحية، أُقفل محضر قضيتها، بعد أن نُسب الجُرم إلى مجهول.. أو لعله ليس بمجهول، وإنما هو أشهر من أن يكون هناك حاجة لذكر اسمه، أو الإشارة إليه بإصبع اتهام..

إنني الآن فارٌّ منه، ولا أحسبني أقوى بعد على الفرار.. لا أظنني سأبقى على ظهر حصاني دقيقة أخرى بعد.. إن كان هناك ما يبقيني صامدًا، فهو ظني أن هناك أملًا.. أملًا ما.. ستظهر خيوطه وسط نسيج الظلام، فتبدد تلك العتمة التي لا أرى خلالها حتى يدي..

حصنك قد لاح من بعيد.. ملكوت ليس كمثله ملكوت.. عظمة يهتز لها كيان الرائي، فلو كان جبلًا لجُعِلَ دكًا!!

مهابة استشرت في قلبي، ورجاء سرى في كياني، كما تسري الكهرباء في الأسلاك، فأمدتني بقوة لم أحلم يومًا بامتلاكها.. فقط أبصرتُ الحصن، ولمَّا أصل، فكيف إذا وصلت؟!

هل أقوى بعد على المُضيّ، أم هل يخونني حصاني، فيسقط، أو عن ظهره يسقطني؟! هل تتحول السهام المنغرزة في ظهري، لتستهدف قلبي؟! أتتآمر عليّ الدنيا، لتثنيني عن غايتي؟! أم أستسلم أنا قبل أن أصل بابك؟!

إن كنتَ تعلم أن بقلبي مثقال ذرة من خير، فلا تتركني لهم.. وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ.. أليس لي من هذه الدعوة نصيب؟! أنت رب المستضعفين وأنت ربي.. إلى من تكلني يا سيدي ومولاي!!

هل لي سواك من رب؟! أتخذتُ غيركَ من إلهٍ؟! إن كنت تعلم أن "كلا"، فلا تتركني.. لا تسلمني لهم.. لا تردني وقد وصلتُ بابك، والتصقتُ، وأخذتُ أقرعه بإصبعٍ واهنٍ، يكاد يسقط من يدي، فما يعود فيها أصابع.. بل تكاد يدي كلها تسقط، وأخِرُّ عاجزًا عند بابك..

افتح لي يا سيدي ومولاي.. افتح لي، وادخلني في كنفك، فإنك إن تدخلني في كنفك، فمن ذا الذي يقدر أن يصل إليّ، أو يردني إلى قديم عهدي، من أيام التيه والضلال!!

اقبلني يا ربي، عبدًا لك ما أذنتَ لي أن أحيا.. وتقبلني لاجئًا إليكَ، فليس إلى سواك من ملجأ لي.. آوني في حِماك، فليس لي غيرك من مؤوٍ ولا حامٍ، وانصرني على نفسي، وشياطيني، فإنه ليس سواك للتائبين من ناصر..

أسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك موسى: "رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، فأرسل لي برحمتك عبدك ونبيك شعيبًا، يمسح على صدري، يطمئنني: "لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"..

خذ بيدي إليك أخذ الكرام عليك.. اجمع شتات نفسي، وأعد بناء ما قوضته الدنيا، وأصلح ما خربتْه، فإنك يا خالقي ومصوري قادر على جمعي، وإحيائي، كما خلقتني وصورتني أول مرة..

طهرني، كما كنتُ على خلقتي الأولى طاهرًا، ونقِّ قلبي من الدنس، واغسله بالماء والثلج والبَرَد.. اجعلني كالثوب الأبيض، لا تشوبه شائبة.. كأنني جلباب عبدك ونبيك محمد ﷺ الذي كان يخرج به إلى صلاة الجمعة، فهو أنقى حُلة لبسها إنسان يومًا..

امنن عليّ بجميل عفو منك يا سندي، واغفر لي ما مضى، فليس لي سوى غفرانك مطمع، واجبر كسري، فليس يجبر كسر عبدٍ ضعيفٍ إلاك يا رحمن..

واكتب ليّ الهداية، ووفقني للصواب في كل أمري، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا..


  • 3

   نشر في 30 أبريل 2021 .

التعليقات

Fatma Alnoaimi منذ 5 شهر
طريق العودة لله مفتوح دوماً يحتوينا يضللنا بنسمات الطمأنينة والسلام الداخلي
وتبقى قناعتي
مهما طالت رحلة التيه سنعود للحق.
مقال جميل يستحق القراءة
وفقك الله.
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا