بماذا يمر وجدان الإنسان؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بماذا يمر وجدان الإنسان؟

تتابع الفصول الأربعة في قلب الإنسان

  نشر في 15 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 17 يوليوز 2019 .

لهيب الصيف

مثل جمرة مشتعلة كل العواطف تبلغ في القلب ذروتها، كأنه في حالة تأهب قصوي. يستقبل أبسط الإشارات بوضوح عال بل بمبالغة في أحيان كثيرة.. فلتقل غضب أو ألم أو عشق أو كره أو جوع ما، يكون ما يكون في أقصى درجاته لينتقل بالقلب إلى عالم آخر حيث يُفعل به الويلات فيظل يقبع داخل الجسد في حالة احتراق تنفي عنه الحياة ويكتفي بضخات تبقيه حياً يتذوق العذابات ويصرخ الأنّات. يتجسد الشعور في منامات خيالية بين حين وآخر تُحيي في القلب لهيباً ويشتد لظاه فلا يطفئه نسيان ولا تمر عليه الساعات بتضميد جراحه. وإن كان الشعور هو دليل الحياة.. فيكون مهربه من الذكرى والخيال والحقيقة هو إعلان وفاته.


بزوغ الفجر في خريف

من ساحات الغضب والألم المستعر يخرج القلب على قيد الحياة. مضادات الألم تعمل على تخديره فلا يشعر بعد بهول ما به، لايزال يستقبل إشارات حسية ويعي ما يمر أمامه وخلاله إلا أن الجسد يبدأ في التهاوي والفكر قد تشوش رغم أنه يبدو عكس ذلك. ربما في تلك المرحلة لم ندرك بعد حجم الكارثة، كالناجي من زلزال أرضي ما زال ينبش من تحت الانقاض بحثاً عن ضوء النهار، إلى أن يجده.


صقيع في الشتاء

كيف يعود الرماد إلى ما كان عليه قبل الحرق؟ وكيف تلملم شتاتك وتصنع منها ذات ثابتة مرة أخرى.. حتى أنك لا تتألم، لا تحزن، لا يوجد ما يخرج من أنين أو بكاء أو دمع. كأن الإعصار لم يبق شيئاً قائماً إلا وقد ساواه بالأرض. لا شيء يماثل أن تقف أمام ركام قلبك لا تدري ما تفعل في مُصابك.. الخواء والعدم مخيفان كأنك جسد لم يعد فيه مقومات روحية، حتى أنه لا يشابه الحيوان ولو قليل.. كم كان سهلاً أن ينصهر الحديد أمام لهب جهنم.. والأسهل أن تمر ريح فوق شموعك المتقدة لتحيلها دخان وتترك سواد لا ينتهي.. أكانت حقاً معارك ضارية؟ أم أن أسوار ذلك الحصن الذي ظننته منيع ما كان سوى بيت من خيوط العنكبوت تُحطمه أوراق الأشجار المتناثرة؟


غصن الزيتون في الربيع

السلام! حين تهدأ طبول الحرب لتفسح المجال للفراشات الرقيقة أن تنشر عطر الزهور في حجراتك الصغيرة، وتشعر كما لو أن قلبك يتسع للعالم أجمع، كما أنه لم يكن منذ لحظات في خضم نزال غير عادل مع كل قوى العالم. اعتدال وصفاء خاص يجعلها تبدو مرحلة السعادة الابدية. تتسع الأرض لتملكها، وتُضخ الدماء لتسري في العروق والشعيرات. رُزِقت بشكل ما ملاك مبعوث إليك من الجنة، يكون ما يكون ورقة أو كلمة أو وردة أو صديق أو محبوب أو.. فنجان قهوة وكتاب. إنه وقت حلول السلام الداخلي مصحوب بشعور السعادة والرضا والأمان. ومن العجيب أن تلك المرحلة لروعتها تقف فيها كأنها الأبدية. لكن لا تمكث سوى بضع لحظات من هذه الفصول الأربعة، كأن الكون يُخبرنا أن لا أهمية للحقائق المجردة وأن الحياة لا تُقاس بالأيام والسنين وإنما بما يشعر به المرء ولو كان يمثل ساعة أو اثنتين من الوقت.


حَوْلاً كاملاً

تلك الفصول الأربعة التي تتعاقب مرة بعد مرة، لتراكم تجارب إنسانية تُسطر في صحف التاريخ المنسي، وتشهد على حياة زاخرة بالحلو والمر. قد تمر في القلب خلال سنة واحدة كالفصول المناخية، أو تتوالى في سرعة في اليوم الواحد مرات كثيرة، أو تتفاوت بين هذا وذاك. وقد تكون متوالية في ترتيب أو قد تمضي بعشوائية. وتختلف في حدتها بين تطرف واعتدال. الثابت أنها تنتهي وتتجدد جميعها. تخلق في هذا القلب حالة اتزان مع الجسد والكون، إذ تأتيه لتعيده إلى دربه كلما حاد وسقط. والسر الأكبر– أو لنقل الرسالة – التي قد يُعمي الانشغال في النضال عن رؤيتها هي أن تقبل المناخات المختفة هو أصل صلاح القلب، وأن مسايرة الموج يدعه يمر دون إلحاق أذى حقيقي. وبقولٍ أعم خالٍ من التصوير: النفس الإنسانية تكون في أفضل حالاتها حين تتفاوت بين الشقاء والنعيم.



  • 3

   نشر في 15 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 17 يوليوز 2019 .

التعليقات

Maher Dallsh منذ 5 يوم
روعة بمعنى الكلمة دام مدادك
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا