بيت فؤاد ١١ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيت فؤاد ١١

تمر على ذاكرتك أحياناً كغريب يقرأ رواية كل شيء فيها مجرد خيال ابتدعه كاتب. ربما لأن الذكريات أصبحت جمادات أشياء يمكنها أن تضحكك أو أن تبكيك .. رغم أنها وقعت بالفعل .. وعلمونا أن الذي فات مات، فهل دموعنا أو ضحكاتنا قادرة على أن تحي شيئاً مما مات؟!

  نشر في 06 غشت 2018 .

كانت تقول لي دوماً بأن تربيتي العائلية أتلفتني وأنني رجل متعب حد الإجهاد، لأنني كنت أجعلها تنتظر .. لم تفهم يوماً أن هذا لم يكن دلالاً ولا حتى شيئاً اختاره برغبة مني، كان طبعاً وقد غلب الطبع على التطبع. 

كانت تصر دوماً على أنني مخطئ في هذا وأن الإنسان يتغير من أجل الشخص الذي يحب، لكن الحقيقة هي أن لا أحد يتغير، لكن المحب يغير نظره في طباع محبوبه فتبدو له الأمور التي كان يكرهها محببة له فقط لأنها من من يحب .. لكننا على ما يبدو كثيراً ما أسأنا في حياتنا فهم الحب.

"الحب يا صاحبي هو أن لا تفقد الأمل ولو بعد سنوات، أن يسري فيك ذلك التيار البارد ولو بعد سنوات من الفراق، أن تبرق عينيك لدى رؤية من تحب وتشعر بأنك تضمه بعيونك لا بين يديك". 

أليس هذا هو الحب الذي عرفته لنا كذلك يا صديقي، أين هو الحب وأنا في كل مرة اقترب منك فيها بعد موتك أدرك كم أنك مختلف، "فؤاد" الذي عرفته لا يشبه "فؤاد" الذي قرأته على الورق. 

لكن من منا لا يتغير يا صاحبي، الألم يغيرنا .. يجعلنا ندرك كم أن الحياة أقصر من أن نقف فيها متمردين على ذكرياتنا .. معلقين في منتصف الطريق نريد أن نحارب الماضي بالغد، لكن الماضي انتهى .. وما جرى قد جرى ولا يسعنا أن نفعل حياله شيء.

كنت أعود بمذكراتك نحو الماضي، قرأت معاناتك كطفل شبه يتيم، لكنني لم أغفر لك أنك لم تسامح والدك وهو يحتضر، أتذكر عندما زرتك في تلك الليلة وكان قد اشتد عليك السعال وكنت في حال يرثى لها، طلبت مني أن أكتب رسالة اعتذار لكل من اسأت في حقهم ..

"أشعر بدنو الأجل يا مروان، نفسي تشتهي ما لم تشتهي يوماً، وعيوني تعجز عن الدمع رغم شدة الألم، ولست أرى أمامي سوى شريط حياتي يعاد أمام عيني، ذكرياتي التي لطالما تحاشيت التفكير بها، تمر في خيالي كإعصار جامح، وقلبي .. يعاتبني بشدة على كل لحظة شعرت فيها بالكره".

أكان عليك أن تنتظر كل هذا لتشعر بأن القلب لا يسعه أن يحتمل الكره، لا يحتمل أن يحمل كل هذه النقمة، كل هذا العناء .. لهذا عند موتنا نشعر بثقل كل الأشياء السيئة التي قمنا بها والناس الذين آذينهم.. في تلك اللحظات فقط تريد أن ترحل بخفة، أن تودع العالم بسلام!

" في لحظات ما تدرك أن حملك أصبح خفيفاً جداً، أن ألمك لم يعد ينتظرك، تبدأ موسيقى العود بالعودة إلى رأسي وأفقد شيئاً فشيئاً طريقي عبر الظلام، وأغفو معتقداً أنني قد تركت الدنيا ورحلت .. ثم أعود وأصحو على ذات الذكريات وذات الألم. لكن اليوم أدرك بأن هذه الرحلة لم تعد طويلة، هي ساعات وسأغفو للأبد".

كم كان كلامك موجعاً وقاسياً يا "فؤاد"، كم كان ثقيلاً على قلبي وأنا أراك تحتضر بل تتوسل الموت هذه المرة ألا يتوه، أن يكون حلمك بأنك مت واقع، أن أمنيتك الأخيرة في هذه الحياة أن تنام ولا تصحو .. وكم كان من الصعب علي أن أمسك يدك وأمنع دموعي، أن ابتسم لك وأنا أغص بالقهر، أن أودعك وأشتاقك وأنا لم أفقدك بعد، أن أنتظر ذلك الإشعار الذي يخبرني بأنك رحلت، بأن الموت حقق أمنيتك .. وغادرت!!



   نشر في 06 غشت 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا