أعمدة الحكمة السبعة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أعمدة الحكمة السبعة

  نشر في 31 يوليوز 2016 .

       أتممت البارحة قراءة كتاب أعمدة الحكمة السبعة لرجل الاستخبارات وخبير المتفجرات الإنجليزي المثير للجدل توماس لورنس، الذي شارك في عمليات وأحداث الثورة العربية الكبرى، في إطار التحالف الذي قام بين الإنجليز والعرب، لطرد الأتراك من الحجاز والشام، خلال الحرب العالمية الأولى.


        وقد تناول الكتاب، فيما يشبه السيرة الذاتية، الأعمال التي قام بها لورنس في تلك العمليات، حتى دخول العرب وحلفائهم إلى دمشق، غير أنني في البداية أود التذكير بحقيقة يجهلها الكثيرون، وهي أنه في الوقت الذي قامت فيه الثورة كان الاتحاديون الأتراك ويهود الدونمة هم من يسيطر على مقاليد الحكم في إسطنبول، وليس مؤسسة الخلافة، التي كانت منذ أقل من عشر سنوات قد تحولت إلى مجرد اسم بلا رسم.


       لقد وجدت الكتاب ممتعا" جدا"؛ لسببين هامين، فأولا" لأنه، ورغم كونه كتاب تاريخي يتناول العمليات العسكرية والأحداث السياسية بالتفصيل، فإنه صيغ بأسلوب أدبي جميل، وهو يعج بالوصف الرائع لتضاريس صحراء شبه الجزيرة، لدرجة أنني شعرت وأنا أقرأ هذا الوصف أنني كنت مع لورنس وهو يجتاز الوديان الكبيرة والكثبان الرملية والصخور البركانية تحت أشعة الشمس الحارقة، كما كان الكاتب موفقا" في وصفه لطبائع الناس وعاداتهم.


       وثانيا"، لأن الكتاب يتحدث عن فترة تاريخية نهتم بها جميعا"، وقد عاصرها وعاش حلوها ومرها أجدادنا الأقربون، الذين لم يمت قسم كبير منهم إلا منذ أقل من ربع قرن، غير أننا وللأسف الشديد، لم نبذل جهدا" في محاولة استنطاق التاريخ من خلالهم، عبر دفعهم، ولا شك أنهم كانوا سيحبون ذلك، إلى الحديث عن تلك الأيام الخالية، عندما رأوا جنود الأتراك يهربون عبر التلال والوديان، لتُفتح بذلك صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد، وبما أن هؤلاء الأجداد كانوا أميين، فقد ضاعت منا معلومات كثيرة ذهبت معهم إلى القبور.


      والآن أدخل في صلب الموضوع، فقد لفت انتباهي خلال قراءة الكتاب ملاحظتين مهمتين وجدت أن من المناسب أن أشارك بها أخواني وأخواتي:



أولا": إن لورنس، وبمنتهى الوقاحة، يتحدث عن بلاد الشام وكأنها فسيفساء معقدة من القوميات والأديان والمذاهب، وقد حاول أن يصور لقرائه أن هذه البلاد تفتقر إلى وجود أغلبية متجانسة لغويا" ودينيا" وعرقيا" ومذهبيا"، وهي العرب السنة، ولا شك أنه في طرحه هذا كان يعكس التوجهات الحقيقية للسياسة البريطانية في المنطقة.


ثانيا": لقد بالغ لورنس، وعلى نحو واضح وضوح الشمس في كبد السماء، في الدور الذي قام به خلال الثورة، لقد أراد أن يصور لنا أنه كان البطل الأسطوري والقائد الحقيقي للثورة، وقلل من دور قادتها العرب، سواء أبناء الشريف الحسين بن علي، أو شيوخ العشائر، أو الضباط العرب المنشقين عن الجيش التركي، أو حتى العديد من الضباط الإنجليز الذين تواجدوا في مختلف ساحات المعارك كخبراء ومستشارين، إنه في بعض مواضع الكتاب يحاول أن يصور لنا أنه كان صاحب الدور المحوري في جميع الانتصارات التي تحققت.


ثالثا": لم أنهى لورنس كتابة قصته في دمشق؟ قد يجيب أحدهم أن دخول دمشق مثّل التتويج النهائي لانتصارات الثورة العربية، وأن مهمة لورنس قد انتهت هناك، فطلب العودة إلى بلاده، ليجد في حدائقها الغنّاء ونسائها الحسان ما ينسيه كل التعب والقيظ والحرمان الذي لاقاه في صحراء العرب، غير أن الحقيقة، وإن لامست أطراف هذا الجواب، تكمن في موضع آخر، ذلك أن لورنس كان محبا" للمغامرة وباحثا" عن المجد، وبالنظر إلى أنه عندما وصل إلى دمشق مع قوات الثورة كان لم يتجاوز بعد السنة الرابعة والثلاثين من عمره، أي أنه كان ما يزال في أوج عطائه، فإنه يستطيع إضافة الكثير إلى قصته التاريخية، ذلك أن مصير الشرق لم تكتمل معالمه بعد، وبالتالي فإنني أكاد أجزم أنه لو سمح له رؤساؤه بالبقاء ولعب دور آخر في أحد مكاتب القاهرة أو دمشق لما تردد في ذلك لحظة واحدة، غير أن الحقيقة أنه بانتهاء العمليات العسكرية في الشام كان قد انتهى دوره بالنسبة لرؤسائه، ويجب أن لا ننسى أن الاستخبارات الإنجليزية كانت تعرف الوقت المناسب الذي يجب فيه الاستغناء عن خدمات عملائها، بل وتصفيتهم كما حدث للورنس فعلا".


       لقد زعم لورنس في كتابه أنه هو من طلب العودة إلى بريطانيا، وذلك بعبارة مقتضبة نشعر عند قراءتها أنه بالكاد أقنع نفسه أن يكتبها، ولا شك أنه لم يشأ الحديث عما آلت إليه الأمور في البلاد العربية المحررة، رغم أنه وفي مواضع كثيرة من الكتاب اعترف بحقيقة الدور القذر الذي ساهم فيه كعميل لبلاده، والذي اختتم بخيانة سايكس بيكو والتخلي عن جميع الوعود المبرمة مع العرب، وقد ادعى لورنس كذلك أنه لم يكن متفقا" مع سياسة بلاده، وأنه كان فخورا" ومغتبطا" لأنه ساعد العرب في تحقيق حلمهم القومي، ويبدو أن ما دفعه لذلك أنه، وفي محضر حرصه على صنع أسطورته، لم يشأ أن يدخل التاريخ كأفّاق كبير.


     وفي نهاية الأمر، فإن الكتاب، ورغم ما فيه من أكاذيب ومبالغات مغمسة بالنرجسية، يستحق القراءة... والتأمل أيضا".



  • 1

  • فراس الخوالدة
    موظف حكومي ماجستير دراسات السلام وفض النزاعات بكالوريوس تاريخ
   نشر في 31 يوليوز 2016 .

التعليقات

Hussein Noble منذ 4 شهر
بغض النظر عن المساوئ في الكتاب ولكنه يبقى مرحع لفترة الانفصال عن الحكم العثماني التركي
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا