بلقيس بين الأداء والهدف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بلقيس بين الأداء والهدف

بلقيس الواقع والخرافة

  نشر في 23 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

حينما يقدم المسرح القومي عرضا مسرحيا تحمل لافتته محفوظ عبد الرحمن مؤلفا ، وأحمد عبد الحليم مخرجا . بالإضافة إلى الأسماء العديدة من نجوم الصف الأول في التمثيل المسرحي في مصر والعالم العربي ، فنحن بلا شك أمام عمل يستحق الوقفة والتأمل . لأنه إذ كانت مثل هذه العروض التي تحمل عوامل الخبرة والموهبة والتمكن ؛ هي بمثابة دروس مجانية في هذا الفن للجمهور وأيضا شباب المسرحيين ، فقياسا على هذا يعتبر التعرض النقدي الموازي لهذه العروض أيضا بمثابة الدرس أو نقل الخبرة خاصة لشباب المسرحيين الذين دائما ما يتخذون موقفا إزاء الآراء النقدية دون النظر في صحتها أو عدمه ، متناسين أن الفن في الأساس هو الملعب الأساسي لاختلاف وجهات النظر ؛ وأنه بأي حال من الأحوال لا يمكن لأي عمل فني أن يبلغ درجة الكمال مع السعي الدائم نحوه في نفس الوقت.

ومن نافلة القول عند الحديث عن نص العرض ؛ أن نقول أن محفوظ عبد الرحمن هو واحد من أكثر كتاب المسرح المعاصرين حرفية ؛ كما أنه أيضا عندما يتعرض لأحداث تاريخية أو تراثية في نصوصه الدرامية كلها ، فإنه يفعل هذا وعينه على الحاضر والواقع ، أي أنه في كل نصوصه يتعامل بكل وضوح مع الآن ونحن . وهو عندما تعرض لبلقيس كان المجال واسعا أمامه لأن يتخذ من تكنيك الحكاية شبه الخرافية أو الأسطورة منهجا دراميا ـ ولكنه آثر كعادته أن يتعامل بالواقعية ، وأن يبرر كل ما يحدث من خلال منطقه الفني الخاص به في الكثير من الأوقات ؛ وربما وهو يتخذ هذا المنهج كان على وعي تام بدور المخرج في تفسير العمل وأيضا العمل على سد النقص الموجود بين فجواته المنطقية بما يتلاءم مع الأنا ونحن بشكل مستمر . فمن المعروف بطبيعة الحال أن النص قد كتب قبل ثورة يناير كما أن الإعداد له للخروج على خشبة المسرح كان قبل الثورة أيضا . ومن ثم فإن محفوظ عبد الرحمن كان يعالج قضية القهر الإنساني ؛ وفقدان الكرامة الإنسانية نتيجة هذا القهر ؛ ثم فاجأنا في النهاية بأن هذا القهر أساسا ليس له ما يبرره غير هدمه المخلصين الذين تشوي نفوسهم الشوائب المرضية في محاولة التسلط ؛ ومحاولة إفهام أنفسهم بأنهم يقومون بواجب ؛ أي أن القهر الإنساني في الأساس لا يستمد سطوته وبشاعته من رغبات الديكتاتور او الظالم ؛ وإنما من محاولات رجال الصف الثاني إرضاء هذا الديكتاتور بشتى السبل ؛هؤلاء الناس القانعون دوما بأن يكونوا في المرحلة الثانية وأن يكون هناك من يخدمونه على المستوى الظاهري ولكنهم في حقيقة الأمر يخدمون أنفسهم هم سواء طمعا أو إرضاء لنفوسهم المريضة . ورغم ما قلناه أنه نحا إلى الواقعية إلا أن منطق الحكاية شبه الخرافية أو الأسطورة كانت له بعض التوقيعات في نص العرض ، فهناك أشياء تحدث دون أي مبرر منطقي ؛ وإنما هي تحدث وكفى . ولم تتمكن الرؤية التفسيرية من أن تجد لها مبررا أو لم تشغل بالها بذلك.

ففي المشهد الأول للعرض نجد قاعة عرش الملك (الهدهاد) وإخبار بأن قوة عظيمة اجتاحت سبأ ؛ ويقولون أنهم جاؤوا لخطبة الأميرة بلقيس لملكهم ؛ وفي واقع الأمر فأن العملية ما هي إلا عملية غزو ؛ حيث بلقيس مجبرة على القبول وأبوها أيضا ؛ حيث أن جيشهم لم يستطع الوقوف أمام هذه القوات وينتهي المشهد بقبول بلقيس هذه الخطوبة والرحيل مع القوات ؛ وأيضا قتل )(الهدهاد ) على يد(فاتك)قائد جيوش ملك الدنيا . جاء التعامل الإخراجي مع هذه اللوحة بالشكل الجيد فالملك لا يستقر على عرشه المنصوب في وسك المسرح كثيرا وإنما هو دائما متواجد في منطقة تحمل القوة والضعف معا على المستوى الفتي ؛ فدائما ما يحتل أسفل يمين المسرح ؛ بحيث يراه الجمهور بشكل جيد وفي نفس الوقت هو مبتعد عن مصدر قوته الرئيسية الممثلة في كرسي العرش ؛ كما أن مظاهر القوة والعظمة اقتصرت فقط على المنظر المسرحي الموحي بالفخامة ولكن على النطاق الآخر فليس هناك كم من الجنود أو التابعين في هذا الإيوان ؛ وإنما هم الجنود الغزاة فقط وحاجبه وابنته وقائد جيشه المهزوم الذي فقد بصره .

في المشهد الثاني وما يليه يكون هناك محاولة من المؤلف للم شمل القوى الرافضة لهذا القهر وأيضا مخلصا من كل النزعات غير البشرية التي استولت على بلقيس فيما مضى ، فبلقيس تلك التي كانت تظن أنها ابنة إحدى الجنيات كما أخبرها والدها تلتقي بأمها البشرية الحقيقة ؛ وإن كان هذا الأمر كما قلت مخلصا لبلقيس من كونها نصف بشرية إلا أن فكرة ابتعاد أمها عنها غير مبررة بالشكل الكافي فالملوك لا يتركون طليقاتهم هائمات على وجوههم وإنما يكون هناك تصرف آخر لو أغضبته بشكل كبير، أيضا لم يكن هناك توضيحا بالمعنى الأساسي لقصة الأم الجنية هذه والتي تتمثل في محاولة الهدهاد أن يمهد الأمر لابنته لاعتلاء العرش من بعده بوصفها أعلى من البشر جنسا ؛ وأيضا إشاعة أنها في طفولتها قد تم اختطافها من قبل الجان لتعليمها أمور الحكم والسياسة ، وكيف أن الأم كانت تراقب الأمر فلحقت بركب بلقيس لتكون معها ؛ أيضا كعادة مؤلفنا الذي يصر دائما على يكون للمبدع أو المثقف دورا في التخلص من القهر ؛ فبنفس طريقة الترقب والتتبع يدخل( الفيروزي) شاعر سبأ للمجموعة ؛ معادلا لكل المبدعين من ناحية ؛ ولمن يعرف محفوظ عبد الرحمن جيدا سيدرك انه أيضا المعادل له هو حيث يمتزج الإبداع بالاستعداد للقتال في سبيل الحق والتصدي لكل ما هو غير سوي . ولكن أيضا غير المبرر التحاق هاتان الشخصيتان بالمجموعة المكونة من بلقيس و(حيرم) الوزير و(جميلة) الوصيفة و(عاني) قائد الجيش الذي فقد بصره ؟ فالمفترض طبقا للأحداث أن هذه المجموعة شبه أسيرة وأنها لابد أن تكون في حراسة تامة. لكن الأمر اقتصر على دخولهما بكل يسر إلى الحدث وبعد الدخول في الحدث تتدخل الشخصيات الأخرى الآسرة ! ونكتشف غيضا خيانة الوزير حيرم لملكه وشعبه ؛ وأنه كان رجل الغزاة في سبأ . ويتلخص المشهد في الالتحاق والتعرف وأيضا محاولة الكيد من المجموعة لسبل التخلص من هذا الأمر . ولكن غير المبرر إطلاقا مع أنه في نفس الوقت كان هو النقطة المحورية لاستمرارية الحدث الدرامي ؛ كان في حالة التيه التي أصابت المجموعة الغازية في محاولة رجوعها لموطنها التي أتت منه : فكيف لهذه المجموعة التي تمتلك القدرة التنظيمية الهائلة وأيضا شخصيتان متكاملتان تتمثلان في قائد الجيش (فاتك) المعروف بصلابته وصرامته ؛ بالإضافة إلى ( آصف )الرجل الثاني المقدم لنا على أنه الأكثر حكمة ودهاء بل أنه يقدم لنا على أنه ملك من ملوك الجن في إشارات لها دلالتها مع أنه لم يؤكد هذا الأمر ، كيف لكل هؤلاء أن يدخلوا في هذا التيه ولا يعرفوا الطريق الذي أتوا منه؟ ولكن اتساقا مع منطق الحكاية الشبة خرافية فإن الأشياء تحدث وكفى ، ولكنه لا يتسق مع محاولة عقلنة كل الأمور التي يسير عليها العرض . جاء تعامل أحمد عبد الحليم مع هذا المشهد بشكل السهل الممتنع ، والذي يحتوى على دلالاته التي ستتسرب إلى النفوس بدون محاولة لإظهار العضلات ؛ فجاء تقسيم المسرح إلى ثلاثة مناطق أفقية هي أعلى المسرح ووسطه وأسفله ، حيث أن هذا التقسيم الأفقي يشير إلى الثبات وعدم التغير ؛ وعدم مرور الزمن الفعلي المتمثل في حركة دافعة يكون لها أثرها من إحداث التغيير على كل المستويات الواقعة في نطاقها ؛ فالتيه هو الثبات والثبات هو التيه . تدور الأحداث دائما في الأسفل حيث يكون الركون إلى مكان بعيد عن أعين المراقبون ؛ ولكن هذا المكان في نفس الوقت هو الأكثر قربا من الجمهور المستهدف في نهاية الأمر ، وأيضا فإن هذا القرب من الجمهور يمنح الممثلون الفرصة الكافية لإظهار تعبيراتهم الصوتية والإيمائية والبعد عن المغالاة في إيصال المعنى. ومن المستوى الأفقي الثاني وهو مستوى الوسط يكون التغير الذي يطرأ على حال المجموعة من حيث دخول الشخصيتان الوافدتان وخاصة الركن الأيمن ، أما المستوى الأعلى فهو يمثل الصحراء وطريق التيه؛ كما أنه في كل الأوقات استخدمه في تصوير المجموعة مع الركب والجنود وهي تسير منهكة متعبة وتقرر الراحة لبعض الوقت حيث تدور الأمور أمامنا في فترات الراحة هذه ، وعند فترات الراحة هذه قد يأتي قائل ويقول انه نتيجة لهذا العبء الذي حل بالجنود المرتحلون فإنه تكون هناك الفرصة لانعدام الرقابة على بلقيس ومجموعتها . ونقول لو أن هاذ الأمر صح في مرة فكيف في كل الأوقات ؟ .

ثم نأتي إلى التغير الدرامي اللاحق لهذا المشهد فيما يليه حيث تعثر المجموعة على قلعة الملك ( المسرور ) فتقرر أن تذهب إليه للراحة والسؤال عن الطريق، وهو تغير لا يزيد من معرفة المتفرج ، وإنما هو بمحاولة أن تتعرف الشخصيات الموجودة على خشبة المسرح بما يعلمه الجمهور من قبل ح فعن طريق الملك ( المسرور ) تتعرف بلقيس على أن والدها الملك ( الهدهاد) قد لقي حتفه على يد ( فاتك) قائد الجيش ، كما نعرف منه أيضا قسوة هذا الجيش الغازي الذي يأخذ معه الملك ( المسرور ) أسيرا ؛ دون أن يشير لنا عن رد فعل شعب ( المسرور) هذا أو ماذا حل به؟ وكأنه ملك يعيش وحده؟! . جاء التعامل مع هذا المشهد بشكل جيد ؛ فمن ناحية الشكل جاءت التكوينات المعمارية لقاعة عرش( المسرور ) بشكل يقترب أو يوازي شكل قاعة عرش الهدهاد بما يشير إلى الملوك دائما ما تتشابه في طرائق معيشتها ؛ فإن محاولة ( المسرور) دائما الاقتران بكرسي عرشه قد استخدمها المخرج كدليل على الضعف لا القوة ؛ فميزان القوة في المسهد يتحرك دائما حيث يوجد ( آصف) و ( فاتك) ومحاولة اقتران ( المسرور ) بعرشه ما هي إلا محاولة للامساك بتلابيب قوته التي بدأت في التلاشي عند دخول المجموعة لقاعة عرشه أو قلعته ، كما أن التعامل مع الملك ( المسرور) بوصفه ملكا عربيا حيث مملكته في الصحراء التي تعقب أرض بلقيس وتصويره بهذا الشكل الذي جاء عليه من خفة وعدم تقديره للأمور في بدايتها، إنما هو تأكيد على المنحى الواقعي لنص العرض والذي يحاول أن يتعامل مع ألان ونحن. مع أن الحركة المسرحية جاءت سريعة ومركبة ؛ فكانت تشبه محاولة الكر والفر بين ( المسرور) تارة بين بلقيس ومجموعتها حيث كان يطمع بها في أول الأمر ، ثم بينه و( فاتك) و ( آصف) حيث وقع أسيرا لهما في النهاية.

ثم يأتي المشهد الأخير حينما تصل المجموعة إلى بغيتها الأخير ونرى قاعة عرش ملك الدنيا أو العالم أو القاهر الكلي ، قاعة العرش أيضا تتشابه مع قاعتي عرش (الهدهاد) و ( المسرور) مع أنها اقل فنية وجمالية من قاعة ( الهدهاد) وفي هذا دلالته ؛ إلا أنها أكثر إيحاء بالقوة من حيث الشكل المعماري ، ونجد أنفسنا أمام الوزير ، الذي اعترض على وجود ( حيرم) الخائن مع الركب / مع أن( حيرم) في مشهد سابق كان قد انتوى الرجوع إلى سبأ ولكنه فشل ؛ ويحاول كعامة المنافقين والخونة أن تقرب من الوزير ولكنه يفشل ، ونجد أنفسنا أمام قيام المجموعة خاصة الفيروزي الشعر بقتل الوزير لهذا الملك تقدمة لقتل الملك نفسه قي مخدعه حيث ينتظر بلقيس ، وكنا عرفنا من قبل على لسان الوزير أن الملك من يوم أن سافرت المجموعة الخاطبة وهو لم يخرج من مخدعه! وفعلا يتم قتل الوزير ؛ ويحدث العجب فبعد مقتله تنادي بلقيس على مجموعة من احرس تأتي وتأخذ الجثة ! نعم مجموعة من الحرس ترتدي زي سب!أ ستقول أن بلقيس سافرت ومعها حاشيتها وهذه الحاشية تضم بعض الجنود ؛ ولكن أيعقل ان تدخل تلك الجنود الى قاعة عرش ملك العالم ون أن يكون هناك حراس له أو جنود؟! دعك من السؤال أين كانوا قبل ذلك؟ ربما كان من ألجدي أن تقوم بلقيس ومن معها بالتخلص أو مواراة تلك الجثة دون الدخول غير المبرر هذا . ثم نكتشف أن ملك العالم قد لقي حتفه من مدة طويلة وأن الوزير كان هو الذي كان يحكم باسمه ، ويصبح الأمر منافسة بين ( فاتك( و ( آصف) للفوز ببلقيس دون النظر إلى العرش نفسه؟!! وتستغل بلقيس الفرصة لانتقام فتقرر أن من يقتل الآخر سيكون هو زوجها ؛ ويشتبك الاثنان وينجح ( آصف) في أن يجرح ( فاتك ) حتى تقوم بلقيس بقتله هي ثارت لأبيها كما أقسمت قبل ذلك ؛ قم أيضا تقتل ( آصف ) وتعود بلقيس لشعبها ؛ وهذه العودة في حقيقة الأمر تمثل عودة الحرية والكرامة بل والديموقراطية بمعناها الحديث لشعب سبأ ؛ فإن أقدم إشارة للديموقراطية كانت في القرآن حينما تحدث عن بلقيس وكيف أنها لا تتخذ أمرا دون المشورة من قومها .

سترى في هذا المشهد أيضا أن المخرج قد اعتمد على أن تكون حركته المسرحية في منطقتي الوسط والأسفل ؛ والحقيقة هي انه ربما أن المخرج مجبر على أن يكون الأمر هكذا ، فالديكور الذي صممه صلاح حافظ ، ولأن كنا قد بيننا له يعض حسنات في حديثنا إلا أنه في حقيقة الأمر قد اقتصر على أن يكون معبر فقط عن المكان الذي يدور به الحدث دون أن تكون له وظائف أخرى ؛ وهن يشبه إلى حد كبير تلك المناظر المسرحية القديمة التي كانت ترسم عادة على ستارة كبيرة في أعلى المسرح مبينة المكان ؛ ولكن هنا جاءت الستارة هذه بشكل مجسم أخذ الكثير من حيز المسرح وخاصة الحيز الأعلى بأكمله من اليمين لليسار ، ومع أن الشكل المبين دائما كان يشير إلى أبواب ومناطق داخلية .. الخ ،إلا أنها كانت أبواب مرسومة لا تسمح باستخدامها وأيضا الإشارات إلى ما وراء الديكور كانت لا تسمح بالنفاذ من خلالها، بل النفاذ دائما ما يكون من خلال الكواليس حتى وإن كان الآتي يأتي من داخل القصر أو قاعة العرش نفسها ؛ بل أن التنفيذ الثقيل لهذا الديكور والذي شمل حيزا لا باس به كان في بعض الأحيان متضاربا مع بعض المشاهد ؛ فهذا المستوى العريض المرتفع الموضع ليكون عليه كرسي العرش أو قاعة الأبواب للمخدع الملكي لملك الدنيا دائما موجودة لأنها لن تقبل الخروج أو الدخول ؛وعليك أن تغض الطرف عندما تعرف أنك في الصحراء وأنك في حالة من حالات التيه وترى هذا المستوى المنضبط أمامك ؛ وليس حتما بما أن العرض يقدمه المسرح القومي أن يكون هناك هذا الديكور الذي لم يستغل إلا في الدلالة على المكان فقط ؛ وهذه الوظيفة كان من الممكن أن تؤدى بالشكل الجيد عن طريق الأعمدة التي تنزل من أعلى المستخدمة في هذا العرض؛ لتشير إلى المكان وتغيره في نفس الوقت ؛ وأيضا بعض الأشياء البسيطة وتترك المساحة أمام المخرج ليحرك فيها ممثليه بحيث تكون هناك مناطقه المعبرة عن كل حالة كن الحالات الدرامية التي يمر بها العرض ؛ من مكاشفة أو حبك لخطط أو لمواجهة ، خاصة أن ثلاثة من بين أربعة أماكن أشتمل عليها العرض كانت قاعات عروش؛ والتشابه في مناطقها ودلالتها أمر جائز بل وواجب في بعض الأحيان .

كما أن هناك أشعارا للدكتور مصطفى سليم ، وأنا لم أتعلم ولم أعرف أبدا أن وظيفة الأشعار في العمل المسرحي هي إعادة رواية ما كان يحدث أمامنا أو إعادة ما تقوله بعض الشخصيات ؛ ولكن هذا هو ما حدث ؛ بل لم تتطرق الأغنيات إلى حتى التعليق على الحدث نفسه ؛ صحيح أن الفواصل الزمنية التي تدخل فيها الأغنية فواصل واجبة لكي يتغير الديكور طبقا لما كان وليس طبقا لواجب ما أو ضرورة ؛ ولكن كان يمكن أن تكوهن هناك وظيفة لهذه الأغنيات اكبر من مجرد الإعادة لبعض الكلمات والمواقف ، كما أن الشعر في حد ذاته هو لغة الصورة وليس التقرير . أما ألحان هيثم لخميسي فلم تلتفت إلى واقعية العرض ولم تحاول ان تكحون الموسيقى نابعة من المكان المروي عنه أو عن الأشخاص أصحاب الرواية ومن وقع عليهم الفعل سواء كان هذا النبوع تراثيا أو حاضرا / أما الاستعراضات التي صاحبت هذه الشعار والألحان والتي صممها دكتور عوض ، فللسف هي اهتمت فقط في معظم الأحيان بجماليات الحرمة لا دلالتها ؛ ولو تلحظ فأننا عند التناول لم تم في المشاهد الممسرحة لم نلتفت كثيرا لهذه العناصر _ لأنه طيقا لوجهة نظري التي من الممكن أن يختلف معها البعض ، كل هذه العناصر كانت زائدة على العمل ؛ بل أنني اعتقد ان تقديم العمل بدونها كان من الممكن أن يكون في صالحة لا ضده ،.

وإذا تحدثنا عن استخدام الإضاءة المسرحية التي صممها عاصم البدوي ؛ فمن الواضح أنها اعتمدت إلى حد كبير على إنارة خشبة المسرح وإبراز الحدث الكائن عليه؛ وهذا الاستخدام ليس فيه ما يعيبه حيث أن المونولوجات الطويلة لم تكن موجودة في النص أساسا كما انه أي النص كان قائما على الكشف ومحاولات المواجهة دون التفات أو مواراة ، أي ان الجوى النفسي العام للنص كان يسير في اتجاهين واضحين متناقضين معا وهما محاولة استعادة الكرامة المسلوبة من جانب بلقيس ومجموعتها ، وفي المقابل محاولات الاستحواذ وإملاء الأمر الواقع من المجموعة الأخرى.

ولكن الجهة الأكثر إشراقا في العرض ؛ والتي تعتبر بحث عي المؤشر الأول لنتمكن المخرج ووعيه بأدواته ؛ تمثلت في اختبار أحمد عبد الحليم لممثليه ؛ وفي اعتقادي أن هذا الاختيار كان له العامل الأساسي في أنجاح العرض ؛ وأيضا هذا الاختيار في حد ذاته قدم دروسا جيدة لكل الآتيين في الطريق ؛ فممثل بمثل قامة صبري عبد المنعم الذي قام بدور الملك الهدهاد يقبل بدور ينتهي فيه وجوده على خشبة المسرح بانتهاء المشهد الأول ؛ بهو درس جيد لمن يقيسون أدوارهم بالمتر؛ كما أن أدائه كان مقنع جدا ؛ فقد صور في براعة حالة الخوف والترقب بأول المشهد عند إخباره بهدد جيش الخاطبين ؛ ثم مرحلة الرجاء بعد موافقة بلقيس على الرحيل حفظا لبلدها وأهلها ؛ قم مرحلة التوسل عندما علم بنية ( فاتك بمقتله).أما مفيد عاشور في دور ( حيرم) فقد كان اختباره أكثر من موفق لهذا الدور نتيجة للصفات الطبيعية التي يتمتع بها بالإضافة إلى الأداء الواثق غر المتشنج ؛ ولا يؤخذ عليه ان أدائه كان في وتيرة واحدة تقريبا فهذه هي طبيعة الشخصية ؛ ولكنه في اللحظة التي خرج فيها الدور عن هذه الوتيرة وهي لحظة الندم من الخيانة ومحاولة الرجوع إلى سبأ كانت لحظة صادقة أداها بكل تمكن وإقناع . ولا اخفي عليكم أنني قبل مشاهدة العرض قد شاهدت الممثلة رغدة وهي تدخل المسرح وهي حالة من الإعياء واضحة عليها ، وقلت في نفسي أن أداؤها سيتأثر حتما ،ولكنها على النقيض تماما ؛كانت على المسرح في تألق غير عادي بأداء واثق يبرز الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الشخصية ، وحسنا فعلت حينما لم تحاول إبعاد الطريقة الشامية في نطق الكلمات خاصة الفصحى ح فخرج الأمر غير متكلف نعم ؛ ولكنه في نفس الوقت يشير إلى أن بلقيس مختلفة إلى حد ما عن الباقي ؛ وهذا طبعا كانت له أثاره الجيدة ففي ظني ان بلقيس عند الكاتب والمخرج خرجت من كونها معادلا لفرد وأصبحت معادلا لشيء اكبر واسمي يمتزج فيه المعنوي والمادي معا. أما أحمد سلامة غي دور ( أصف) فيؤكد يوم بعد يوم أنه ممثل مسرح من الطراز الأول ؛ فهو لا يجيد التعامل مع خشبة المسرح وزملائه فقط ولكنه أيضا يجيد التعامل مع صالة الجمهور نفسها ؛ وهي درجة من الوعي والتمكن لا يتمتع بها الكثيرون . وكان أحمد عبد الوارث في دور ( فاتك) مقنعا في دور الجندي الذي يؤدي ماعليه دون تفكير او روية وتكون لغت القوة هي لغته الوحيدة في التعامل مع الآخرين / أما شادي سرور فللحق انه كان بمثابة المفاجأة لي ؛ فقد أدي دور ( عاني ) قائد الجيش غالذي أصيب بالعمي بتمكن تام وسلاسة في نفس الوقت واستطاه أن يضفي شيئا من الكوميديا على الجو العام عن طريق أدائه لا الخروج على النص كما فعل عهدي صادق الذي قام بدور ( المسرور) فللمرة الأولى في حياتي اشعر باستياء منه عندما حاول ان يخرج النص عدة مرات ويقلد بعضا من الأحداث الآنية التي تمر بها المنطقة العربية الآن ؛ وباليت الأمر اقتصر فقط على هذا الخروج ولكنه تعداه لأن محاولات الخروج هذه أفقدت بعضا من زملائه التركيز الكافي . كما أن همام عبد المطلب في دور ( المنذر) وعلى فراج في دور ( جعفر) وفوزي المليجي في دور( منصور) ورحاب الغمراوي في دور ( الوصيفة جميلة) وسامي المصري في دور ( الحاجب) ونهير أمين في دور ( نجية) ومحمود زكي في دور ( الفيروزي) وزينب وخبي في دور ( رواحة أم بلقيس) كان أدائهم متوازيا مع أداء الجودة للنجوم ولم يقل عنهم فخرج الأمر أشبه بمعزوفة تمثيلية . وطبعا لم ننس دور الشاب مازن الغرباوي الذي قام بدور ( علاء الدين) _ مع أن الاسم والتداعيات والعاهة التي هو فيها كنتا تنبئان بمستوى أعلى من مستويات التفسير للعرض ولكن لم يلتفت اليها _ وواضح انه ممثل قادم وعلى الطريق ؛ وفي الختام نقول أن عرض بلقيس الذي قدمه المسرح القومي من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج أحمد عبد الحليم هو عرض مسرحي جيد بالفعل ولن يأت أبدا أي ندم من مشاهدته ولكن الندم الحقيقي هو في عدم المشاهدة.

مجدي الحمزاوي

عام 2011 قم المسرح القومي مسرحية بلقيس   .... كانت بعد الثورة مباشرة .. وكان هذا المقال الذي طلبت بعض الصحف والمجلات اختصاره .. ولكني لم أقم بهذا . لذا لم ينشر وقتها وهاهو بين أيديكم الان .. ورحم الله الصديق والأستاذ د.أحمد عبد الحليم




  • 1

   نشر في 23 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا