تفريغ محاضرة الفقه3 من الشهر الأول . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تفريغ محاضرة الفقه3 من الشهر الأول .

دورة المشكاة العلمية النسائية .

  نشر في 18 ماي 2015 .

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تفريغ المحاضرات الصوتية

دورة المشكاة العلمية - النسائية .

ملتقى رائدات القمم برعاية جمعية الارتقاء الخيرية ، يقدم لكم :

تفريغ محاضرات الفقه من الشهر الأول - دورة المشكاة العلمية النسائية

للدكتورة : " أميرة الصّاعديّ " حفظها الله وباركها .

محاضرة الأسبوع الثالث – يوم الخميس – 14/5/2015  إفرنجي .


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه سلم اجمعين .

أخواتي الحبيبات ... نكمل ما بدأنا فيه في الحلقة الماضية عن " مرجعية الشريعة " توقفنا عند نقطة ( شبهات حول حجية السنة النبوية ، ومكانتها التشريعية ، والرد عليها ) .

لا يخفى عليكنَّ ، ما يسعى إليه من بعض أعداء السنة النبوية الشريفة في افتعال معركة افتراضية وهمية حول حجية السنة .. لأغراض دنيئة في أنفسهم ومن أبرز أغراضهم : " محاولة إسقاط حجية السنة الشريفة وتحطيم مكانتها التشريعية " ، بحجة الاكتفاء والاستغناء عنها بالقرآن ، حسب زعمهم وافترائهم .

و لا يخفى عليكنَّ ، هذا الهدف البغيض ، ( وقد بدأت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) ... سبحان الله ! .

يعني الله سبحانه وتعالى قد أحاط بهؤلاء الماكرين ، فقال : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

وقد وصفهم الله سبحانه تعالى ، في قوله : ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) .

وهناك محاولات كثيرة في الرد على هذه الشبهات ، هناك كتب مفردة ، ومقالات ، و أبحاث ، و رسائل علمية . فنعرض في هذه الحلقة ، بعض الردود على هذه الشُّبَه .

- الشبهة الأولى : التي ينطلقون منها تشكيكاً في حجية السنة المطهرة ، ( شبهة الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة النبوية ) .

- الشبهة الثانية : هي شبهة أن السنة لو كانت حجة ، لتكفل الله بحفظها .

- الشبهة الأولى ، التي هي : أن ( الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة ) ، يستدلون لها من آيات القرآن الكريم ، بآيات عدة ، منها :

* قوله تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) .

* وقوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) .

* و قوله تعالى : ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ) .

يستدلُ بهذه الآيات ، عدد من أعداء السنة المطهرة المُنكرين لحجبتها قديماً وحديثاً ، ويزعمون أن القرآن في غنىً عن السنة ، لأن فيه بيان كل شيء وتفصيله ، كما في الآيات السابقة . فقديماً : على سبيل المثال للحصر ، كانت الطائفة التي ناظر الإمام الشافعي - رحمه الله - ، ناظر واحداً من أتباعها ، يعني كانت نفس الحجة ونفس الشبهة .

وللجواب عن هذه الشبهة ، نقول : رغم أن بعض هذه الآيات المراد فيها بالكتاب المقصود به ( اللوح المحفوظ ) الذي حوى كل شيء ، حوى جميع المخلوقات ، كبيرها وصغيرها ، عجليلها ودقيقيها ، حوى كل شيء بالتفصيل ، كما جاء في الحديث الصحيح ، قوله صلى ألله عليه وسلم : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وقال : عرشه على الماء .

من ذلك ، قوله تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ، وقوله : ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ) . والمثلية هنا : تُرشِّح ان المراد في " الكتاب " ، هو ( اللوح المحفوظ ) ، لأن القرآن الكريم لم ينظِّم للطير حياة كما نظَّمَها للبشر ، وإنما الذي حوى كل شيء ، للطير والبشر هو " اللوح المحفوظ " .

فإذاً بعض هذه الآيات ، المراد " بالكتاب " هنا ( اللوح المحفوظ ) ، وليس " القرآن الكريم " ، ولكن نقول : أن هذا العموم أيضاً غير تام ، بل هو مخصص ، بقوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ، هنا عندنا عموم ، فهذه الآية عامة .

( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ، هذه جاءت مخصصة .

فالله عز وجل لم يفرِّط في كتابه في شيء من أمور الدين ، على سبيل الإجمال والعموم ، ولم يفرط في بيانه وتفصيله إجمالاً ، فبيان حجية السنة ، ووجوب اتباعها ، والرجوع و التحاكم إليها ، هذا بينه القرآن الكريم ، وبينته القواعد الكبرى للشريعة .

فالسنة النبوية هي المبينة لجزئياتها وتفاصيلها ، وهي المنيرة للناس طريقَ الحياة .. والآيات منسجمة لا تتعارض ،، وهي تأكد بالنص أهمية السنة تجاه ما في الكتاب من قواعد التي تحتاجُ إلى تخصيص ، أو تقييد ، أو توضيح ، أو تبيين .

ومنزلة السنة مع القرآن .. على عـدة حالات :

إما أن تأتي السنة مُقررة ، و مؤكدة لما جاء في القرآن .. تُأكد نفس الأحكام

وإما أن تأتي السنة مبينة لما جاء في القرآن

مبينة لماذا ؟ تخص العموم .. وتبين المُطلق .. وتوضح المشْكِل .. وإلى غير ذلك من أنواع البيان التي ذكرت في كتب علوم القرآن

فالقول بأن القرآن الكريم بيانٌ لكل شيء - قولٌ صحيح - في ذاته بالمعنى الإجمالي ... لكن الفساد في ما يُبنى عليه من نتائج وهي الاستغناء عن السنة والاكتفاء بالقرآن .. لِيُأَوِّلُوا القرآن حسب أهوائـهم .. وليقرؤا النص كما يفهموه هم بأفهامهم الفاسدة .. لأن الآن يوجد عندنا بدعة قراءة النص ، القراءة الجديدة للنص .. بحيث أنّ النص لا يكون له قداسة ،، لا يرون أن هناك نص لهُ قداسة .. فبالتالي كلٌ يقرأ القرآن ويفهمه كما يُحِب ، وكما يهوى .

فجاءت السنة لتبين ما في القرآن ، كما جاء في الآيات الكريمة في سورة النحل : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ... فجاءت كثير من الآيات التي تُبين هذا البيان من السنة النبوية .

فمهمـة بيان الرُّسل .. مهمة البيان .. هي من مهام الرّسل .. قال تعالى : ﴿ وَمَآ أَرسَلنَا من رَّسولٍ إِلّا بِلِسَانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم ﴾ ... فلا بدّ أن نعترف بأن من مهمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بيان القرآن . فمما هو بالذكر أن بعض دعاة الفتنة ، وأدعياء العلـم يتمسحون بإيمانهم بالسنة البيانية .. بعضهم يقول : نعم السنة البيانية نؤمن بها ثم يصفون قيمة تلك السنة .. يقولون إنها للاستئناس لا للاستدلال ، وللبيان لا للإثبات .. وهذه شبهة يُعرف ما وراءها ، وبالتالي يستأنسون بالسنة .. ولكن لا يستدلّون بها ، وهذه الخطورة في الأمر .. ويقولون : تُبين ولا تثبت ، وأيضا هذا يعني رفضٌ للسنة .

هذا بالنسبة للشبهة الأولى ..

الشبهة الثانية : بأن السنة لو كانت حُجة لتكفل الله بحفظها .. احتجوا على ذلك بقوله : ﴿ إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لهُ لحَافِظُون﴾ ... وقالوا : لو كانت السنة حُجّة ووحياً مثل القرآن ، لتكفل الله عزّ وجل بحفظها .. كما تكفل بحفظ القرآن الكريم

وممن يقول تلك الشبهات " د. توفيق صدقي ، و إسماعيل منصور ، وأيّدَهما جمال البنا ، وفرقة من أهل القرآن ، بالهندي ، وباكستان ، و د. مصطفى محمود ، قائلاً : القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تولّى رب العالمين حفظه بنفسهِ من أيّ تحريـف ، وقال في محكم كتابه : ﴿ إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لهُ لحَافِظُون ﴾ ... و" لم " يقل لنا ربّ العالمين : ( إنه حفظ لنا كتاب البخاري ) .. انتهى كلام مصطفى محمود .

ورداً على هذه الشبهة نقول : أن رب العزة والجلالة .. قد تكفل بحفظ ما صح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودل عليه القرآن ... فقد قال تعالى : ﴿ وَأنزَلنَا إلَيكَ الذّكرَ لِتُبيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيهِم ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ ۞ فإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتّبِع قُرآنَهُ ۞ ثُمّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ

في الآيتين دليل على أن الله عزّ وجل قد تكفل أيضا بحفظ السنة .. لأن حفظ المُبَيِّن يستلزم حفظ البيان للترابط بينهما .... أيضا الذكر ﴿ إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ ﴾ .. الذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن ، أو سنة .. يبين بها القرآن . لأن الله تعالى يقول : ﴿ ثم إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ ﴾ " أي بيان القرآن

والبيان كما يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ، يكون لأمته من بعده ، وهو يكون للنبي صلى الله عليه وسلم بالإيحاء به ، ليبلغه للناس ، وهو المراد في قوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) .

فالسنة النبوية على هذا ، مُنَزلة من عند الله ، بوحي غير متلو ، وهذا رد عليهم .

وأيضاً نقول : إن في القرآن مجملاً كثيراً ، في العبادات ، من : صلاة ، وصيام ، وزكاة ، وحج ، و معاملات ، و أخلاق ، إلخ ... ، وتَوَلَّت السنة المطهرة بيان ذلك ، فإذا كان بيانه عليه الصلاة والسلام لذلك المجمل غير محفوظ ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه ، فقد بَطُلَ الانتفاء بنص القرآن ، فبَطُلت أكثر شرائعه المفترضة علينا ، ولم ندري صحيح مراد الله تعالى منها ، وما أخطأ فيه المُخطئ ، أو ما تعمَّد فيه الكذب . فعُلِم من ذلك أن حفظ السنة المطهرة من أسباب حفظ القرآن ، وصيانتها صيانة له ، وقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن ، فلم يذهب منها شيء ، ولله الحمد .

الشبهة الثالثة : شبهة عرض السنة النبوية على القرآن الكريم .

احتج خصوم السنة النبوية على عدم حجيتها بأحاديث من وفر الزنادقة ، مدارها على : وجوب عرض كل ما يُروى من أحاديث على كتاب الله ، ومقارنتها ، فإن كانت توافق الكتاب فهي حجة ، ويُعمل بها ، وإن كانت تخالفه ولو مخالفة ظاهرية يمكن الجمع بينه ، فهي باطلة ، مردودة .

ومن هذه الأحاديث التي يستشهدون بها ، ( إن الحديث سيفشوا عني ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني ، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني ) .

بهذه الشبهة ، قال الزنادقة قديماً – كما حكاه الحافظ السيوطي ، - وقال بها أيضاً السَّابقين الذين أوردنا عنهم الشُّبه : توفيق صدقي ، و جمال البنّا ، ومحمد نجيب ، و إسماعيل منصور ، ومحمود أبو ريَّة ، و قاسم أحمد أمين ، و أحمد صبحي منصور ، - في كثير من كتبهم - . يقول جمال البنّا : هناك أحاديث جاءت بما لم يأتي به القرآن . - نحن نحكم عليها في ضوء القرآن ، فما لم يخالف القرآن ، يُقبل ، وما يخالفه يُستبعد - ، فتحريم الجمع بين المرأة مع عمتها ، أو خالتها ، وتحريم لحم الحُمُر الأهلية ، أمور لا نرى مانعاً فيها ، ونجد فيها قياساً سليماً . طبعاً ... انتهى كلام جمال البنّا .

ما استدل به جمال البنّا من تحريم الجمع بين المرأة مع عمتها ، أو خالتها ، هذا من الأحكام التي استقلت بها السنة ، السنة وافقت القرآن ، وبيّنت القرآن ، و استقلت السنة بأحكام لم تكن في القرآن ، وهي : حجة ، ويُؤخذ بها ، لأنها صحيحة .

للجواب على هذه الشبهة :

أولاً : الحديث الذي استدلوا به على شبهتهم ، لا وزن له عند نُقَّاد الحديث ، وتكلم فيه العلماء كلاماً طويلاً ، وهو من أشد الموضوعات ، و ضعيف ومردود .

من ذلك ما قال الإمام ابن عبد البر : وقد أمر الله عز وجل بطاعته ، واتباعه ، أمراً مطلقاُ ، مجملاً ، لم يُقَيَّد بشيء ، - يعني طاعة النبي صلى الله عليه وسلم - ، كما أمرنا باتباع كتاب الله ، ولم يقل : " ما وافق كتاب الله " كما قال بعض اهل الزَّيْغ .

قال عبدالرحمن بن مهدي : الزنادقة وضعوا ذلك الحديث ، وهذه الالفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم ، بصحيح النقل من سقيمه .

وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل الحديث ، وقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله ، قبل كل شيء ، ونعتمد على ذلك ، قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله ، وجدناه مخالفاً لكتاب الله ، لأننا لم نجد في كتاب الله ( ألّا يقبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله ) ، بل وجدنا كتاب الله يُطلق التَّأسي به ، والأمر بطاعته ، ويحذِّر المخالفة عن أمره جملة على كل حال .

ومع أن حديث عرض السنة على القرآن لا وزن له عند أهل العلم ، إلّا أن معناها صحيح ، وعمل بها المُحدِّثون في نقدهم للاحاديث متناً ، فجعلوا من علامات " وضع الحديث " مخالفته لصريح القرآن والسنة النبوية والعقل ، إلا أنهم وضعوا لذلك قيداً ، وهو مهم – طبعاً أن ننتبه لهذا القيد – وهو استحالة إمكان الجمع ، يعني أنه يستحيل أن نجمع بين الآية والحديث ، فهم لم يتطرقوا للجمع ، ولا لأدلة الجمع ، إنما مباشرة أسقطوا الحديث . طبعاً ... إذا أمكن الجمع ، بينما ظاهره التعارض ، مع الكتاب ، أو السنة ، أو العقل ، جمعاً لا تعسُّف فيه ، يُصار إلى الجمع ، والقول بهما معاً ، ولا تعارض حينئذِ . و إن كان وجه الجمع ضعيفاً باتفاقٍ النُّظَّار ، فالجمع عندهم أولى .

إعمال الأدلة أّوْلى من إهمال بعضها . طبعاً الأوْلى أننا نعمل بكل الأدلة ، من قرآن ، ومن سنة ، هذا الأَوْلى .

و إلا طبعاً فلنتعرف على الناسخ والمنسوخ ، فربما يكون عندنا نسخ ، فنصير إلى الناسخ ، ونعمل به ، ونترك المنسوخ ، ولا نعمل به .

وإلا نرجح بأحد ( يعني إذا ما وجدنا ناسخ ولا منسوخ ، الآية مُحكمة ، والحديث لا نسخ فيهما ) ، عندها نقوم بترجيح أحد وجوه الترجيحات المفصَّلة في كتب " الأصول ، علوم الحديث " ، والعمل بالأرجح حينئذٍ واجب .

هؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأساً ( الذي هو رأس الجمع ، والأدلة ) ، إما جهلاً ، و إما عناداً .

كما قال الإمام الشاطبي : ولا أعلم نقلاً عن أحد من العلماء ، برفض الحديث بمجرد المخالفة الظاهرية مع القرآن الكريم مع إمكان الجمع ، أو التأويل ، أو الترجيح .

فإذاً لا بد أن يكون عندنا قبل أن نُسقِط هذا الحديث لمعارضته للقرآن ، لابد أن يكون عندنا خطوات ومراحل .

مثال على ذلك :

قالوا : حديث : ( لم يكذب إبراهيم - النبي عليه السلام - قط إلا ثلاثة كذبات ، ثنتين في ذات الله ) الحديث .

قالوا : هذا الحديث لا يصح ، لأنه يتعارض مع قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) ، وتناسوا بقية الحديث .

وما جاء فيه في الحديث مؤكِّد لكتاب الله عز وجل ، ولا تعارض ، فــ ( الثنتين في ذات الله ) جاءت في القرآن .

الأولى : ( قال إني سقيم ) .

الثانية : وقوله : ( بل فعله كبيرهم هذا ) .

والثالثة : كانت في شأن سارة ، وقوله : ( أختي ) .

العلماء جمعوا بين هذا الحديث ، وبين قوله تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) ، جمع العلماء ، ووفقوا ، فقالوا : ليس المراد بالكذب هنا حقيقته ، و إنما هو من باب المعاريض .

وكان ذلك من إبراهيم عليه السلام على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ ، وعلى كل الأحوال الحديث هنا لم يعارض القرآن بل جاء مؤكد لما جاء في القرآن ، وإلا فليبينوا هم وجه التعارض

رابعاً : شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للحديث أضعفت الثقة بالسنة الشريفة

والجواب :- نعم هناك وضَّاعون ، وهناك كذابون لفَّقُوا أقوالاً ونسبوها للنبي (صلى الله عليه وسلم ) ، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة بأنها تُضْعِف الثقة بالسنة ، فقد هيَّأ الله وسخر الله ، ثقات ، عدول ، متقنين ، أحاطوا حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بسياج قوي ، و حكموا على الأحاديث ، ودرسوها ، واستطاع هؤلاء المحدثون بسعة اطلاعهم ، ونفاذ بصيرتهم ، أن يعرفوا الوضاعين ، و أن يَقِفُوا على نواياهم ، ودوافعهم ، و أن يخلصوا حديث النبي (صلى الله عليه وسلم ) مما دخل فيه مما ليس منه ، فلم يُتْرَك لهم الحبل على الغالب ، و لم يُتْرَك لهم تضعيف الأحاديث ، بل كُشِفَ كذب الكفرة ، و الزنادقة ، وغُلاة المبتدعة ، وحُفِظ حديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهم حراس الدين الذين حفظ الله بهم حديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، إنهم الجهابذة ، الذين قال بهم هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق : لما تضرب عنقي ؟ ، قال : لأُريح العباد منك ، قال : يا أمير المؤمنين أين أنت من ألف حديث – وفي رواية أربعة آلاف حديث - وضعتها فيكم أُحَرِّام فيها الحلال و أُحَلل في الحرام ، ما قال النبي منها حرفاً ، فقال له هارون الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري ، وعبدالله بن المبارك ، فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً ، فالحمد لله الذي هيئا لسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أمثال هؤلاء العلماء .

نختم هذه الشبهة بما ذكره الإمام ابن القيم الجوزي قال : (( قال : الإمام أبو المظفر السمعاني : فأن قالوا : قد كثرت الأثار في أيد الناس واختلطت عليهم ، قلنا : ما اختلطت إلا على الجاهلين بها ، فأما علماء بها ، فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم و الدنانير ، فيميزون زيوفها ، ويأخذون خيارها ، ولئن دخل في أغمار الرواة من وُسِمَ بالغلط في الأحاديث فلا يُرَوَّج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ، و رواته للعلماء ، حتى إنهم أعدُّوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون ، بل تراهم يعُدُّون على كل واحد منهم كم في حديث غلط ، وفي كل حرفٍ حرَّفَ ، وماذا صَحَّفَ ، فأنهم لم تَرُج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون ، فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة ، وتوليهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها ، وهو قول بعض الملاحدة ، وما يقول هذا إلا جاهل ، ضال ، مبتدع ، كذاب، يريد أن يُهَجِّن بهذه الدعوة الكاذبة ، صحاح أحاديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) و آثاره الصادقة ، فيُغالط جهال الناس بهذه الدعوة، وما احتجّ مبتدع في رد آثار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحجة أوهن ، ولا أشد استحاله من هذه الحجة ، فصاحب هذه الدعوة يستحق أن يُسَفَّ فيه ، و يُنْفى من بلد الإسلام )) . انتهى كلامه ( رحمه الله ) ...

و الحمد لله الذي بنعمة تمم الصالحات ...د



   نشر في 18 ماي 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا