الاتساق والتماسك الدَّلالي في القصائد الثلاثة ( جذب القلوب، مقدمات الأمداح، ومواهب النافع) للعبد الخديم - رضي الله عنه – السنغالي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاتساق والتماسك الدَّلالي في القصائد الثلاثة ( جذب القلوب، مقدمات الأمداح، ومواهب النافع) للعبد الخديم - رضي الله عنه – السنغالي

للطالب الباحث: شيخ مُودُ بدر ( بُرومْ دار جوب ) كلية اللغة العربية مراكش المغرب

  نشر في 10 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2017 .



شيخ مود بدر جوب

   إن القارئ المستنتج و المستنطق القصائد الأمداحية الثلاثة يظفر بقُطيْعات من دلالات منسجمة متسقة ومتماسكة الأبنية ( ما يشكل مضمون الخطاب) والأنساق!

  وذلك لما تتصف بها تلك القريضات من مدلولات عميقة، وإحالات بَعدية، وقبلية،خارجية، بحيث يتحتم على القارئ التقهقر للوراء لتفتيق معانيها، ولفك شفراتها؛ منها الدلالية، ومنها الشكل والهيكلة، إضافة إلى النسق البنيوي ، بما فيها من المعاني السطحية والعميقة.

    ذلكم المظاهر اللغوية والنصية، التي أرقتُ لدراستها، مساهمة لمَوْلِدنَا المبارك، وخدمةً لصاحب القصائد، إليكم تلك الظواهر الاتساقية و التماسكية الدلالية!

أولا : مفهومي الاتساق والتماسك:

     لا أذهب معكم بعيدا عن تعريف الخطابي في كتابه "لسانيات النص"، حيث عرفه ب " إنه مفهوم دلالي، يحيل إلي العلاقات المعنوية القائمة داخل النص، والتي تُحدده كنص" ويمكن أن تسمى هذه العلاقة تبعية، وخاصة حين يستحيل تأويلُ عنصر دون الاعتماد على العناصر التي يحيل عليها: ويبرز الاتساق في تلك المواضع التي يتعلق فيها تأويل عنصر من العناصر بـتأويل العنصر الآخر(...) وحينما يحدث هذا تتأسس علاقة اتساق..."[ ص 15]

      فمحمد الخطابي هنا يشير إلى نص واحد، غير أن الأمر تجاوز ذلك إلي الاتساق على مستوى أكبر بين النصوص( التناص والتضمين والتلميح...) كل هذه العناصر يمكن أن يحدث فيها اتساق دلاليّ نصيّ. هذا ما أقترح هنا في هذه القصائد الثلاثة!

    ومن الأدلة المنقادة لصدق القول ، هو أن الاتساق يتخذ الإحالةَ الآلةَ الأولى ثم الاستبدال ..الخ و" هو تعويض عنصر داخل النص بعنصر آخر" نفس الشيء هو الذي يصادفه القارئ لهذه القصائد، يجد نفسه كأنه يقرأ نفس القصيدة بحيث يمكن القول :( هي هي بمعانيها وبوحداتها اللغوية ومعانيها) وفى الحقيقة أن البون شاسع وناجع، وإن الموجب على ذلك إنما هو الاتساق في هياكل القصائد، لا أقل ولا أكثر!

    في العرض السابق جلوت أغباش الاتساق، حططتُ نقابه، وشذبتُ غشاءه بما فيه الكفاية لمن اكتفي. كشفتُ أمره لكي ينسجم معي القارئ في هذا التنزه في رياض القصائد الكرام. وإذا حصل ذلك هلموا إلى أن نسبر أغوارها!

ثانيا : عرض القصائد إجمالا

1) قصيدة جذب القلوب:

      لقد أشار المرحوم محمد المرتضى امباكي فاط فال إلى بعض الجوانب الأسلوبية في كتابه " المريدية" غير أن دراستي تختلف عن الوالد الشيخ من حيث الآليات، أما الغايات فتبقى هي هي ، لأنني أعدل إلى اعتماد آليات وتقنيات نصية ألسنية ،لا أسلوبية، ومع ذلك أستعير منه كلمات تبركا واقتداء به - أنزله الله ظلال ظليلا-

     استأنف العبد الخديم هذه القصيدة بالحمد والشكر لما وفقه الله لمدح المصطفى، ثم يلتفت من الشكر إلى الغرض الأساسي مباشرة، ثم توسل بالله لأنْ يلاقي القبول الحسن فى سعيه، إلى أن قال العبد الخديم: "

للمصطفَى الذي تُرام-@- له صلاة وسلام

من بداية القصيدة إلى هذه النقطة فشكر ودعاء لا غير، أما قوله من :

صل وسلِّم سرمدا@ على الذي قد طُردا@ بليلة قدْ وُلدا@ فيها مُديم المَأْثم

ذكر الإرهاصات للرسول صلى الله عليه وسلم، التى حدثت في وقت ولادته الشريفة. ثم ينتقل الشيخ من قوله :"

مولده معظَّم @ ............

فهذا ذكر وإجابة لمن يروم كيفيةَ إقامة المولد إلى قوله:" والقلبُ يُحيي دون عابْ.

يبدأ بتعداد الخوارق بقوله:

له من الخوارق @ ما لم يجئ لسابق @ ... إلى قوله : وهو غني عن سلاح

      فكلها لخوارق العادات. وبعد، يواصل الشيخ المدح والدعاء. بالإضافة إلى أنه لم يقف عند حد معين، بل يمزج ويقطف من كل شُجيْرة وردة ليُتحف بها السيدَ محمد - صلى الله عليه وسلم.

صل على ليث شفى @ بيوم بدر إذ وفى

     ذكر الغزوات والمعارك ،و وصف لوضعيات الصحابة عند ملاقاة العدو فى ساحة الوغى، ثم يلتفتُ منهم لتفريد الخطاب بتوجيه القول إليه – صلى الله عليه - " إني أخاطب الجميل" ثم يتخلص من ذكر المواهب ليعود إلى ذكر الخوارق حيث ذَكر المعجزة الكبرى ( القرآن الكريم) قال:

نعم النبي والرسول @ نعم الذي جاد بسُول

انطلاقا من هذا البيت إلى نهاية القصيدة مدحٌ، و وَصف وترغيب فى القرآن الكريم، وفى الذي نُزّل عليه الذكر، وبه ختم هذه القصيدة.

      فهل العبد الخديم -في باقي القصائد - يسلك ويتخذ نفس السمت أو يقلب الشريط ليبدأ ويسلك نهجا آخر؟ فلنُلقِ نظرة لقصيدة " مقدمات الأمداح ... التي هي في نفس الغرض...

2) مقدمات الأمداح:

وثقتُ برب العرش ذي الجود والعفو- @ - مع المصطفى واللهُ لي مُخلد صفْوي

   هذا وصف وذكر الصفات الخُلقية والخِلقية عند عتبة القصيدة، لكن سرعان ما يتخلص تخلصا تاما من الروي والقافية وموضوع الوصف ليواكب مع ذلك إظهارُ جوانب مدحية للصحابة الكرام حتى وصل إلى قوله:

لأنت إمام الرسل قد جاء أنهم -@ - تَلَاقوْك في الإسراء والكلُّ قد صلّى

ليذكر الخوارق - الآن تذكّر جذب القلوب - حتى وصل لقوله:

لك المعجزات الغرّ يا خير سيد -@ - عليك صلاة الله يا جامع الشَّمل

أما قوله :

خطابك يا خير البرايا سعادتي -@ - يؤمِّن كلّي يوم في الصور ينفخ

     يقصد به القرآن- تذكّر جذب القلوب- غير أن الشيخ هنا في هذه القصيدة لم ينضبط على وتيرة واحدة ونهج مساوٍ أيْ وفق نسق متسقة مثلما فعل فى باقي القصائد في حديثه عن القرآن. الحديث هنا منتشر داخل القصيدة، يذكره مرة ثم يعدل عنه ثم يؤول إليه مرة أخرى، هكذا دواليك !

    هكذا أنجز الشيخ الحديث مع القرآن في تي القصية يتحدث عنه مرة ثم يُدخل الشكر والدعاء وذكر العطايا والهِبات الوافرة ولم يعد إليه ( القرآن ) إلا عند قوله :

كتاب رسول الله وردِي وراحتي -@ - وأرضي به من صان كلي بأذيال

    وبعض هذا البيت، ما تبقّى من القصيدة مجرد وصف للرسول وتعداد المواهب مع الشكر، ممزوجةً بدعاء وابتهالات وتضرعات بينه وبين ربه، إلى أن ختم القصيدة بذلك فجزاه الله!

    لحدّ الآن لم نزل مع قصيدتين. ولم تبق إلا واحدة وهي قصيدة " مواهب النافع ". الآن يمكن لحاذق أن يقول : لا تنزاح " مواهب النافع " عن سيرة أخواتها، لنتأكد، لابد من الاستقراء قبل الإقرار!

3) مواهب النافع:

     من بداية القصيدة إلى البيت: هب لي الكرامة - بذي اللواء ، دعاء والتماس من الله، ثم يَعقبها توسلٌ برسول الله، وهو المشار إليه بضمير " ذي " ولكن فى هذه القصيدة لم ينظم العبد الخديم الأبيات على النمط الذي سِيقت به أخواتها، لأن فى السوابق كان يصرح بالظواهر ويبسط، أما هنا فيختبئ إزاء الأساليب الإشارية، تقديراً وتنويها لشأن الممدوح. قال:" بذي الحروب ، بذي اللواء بذي الجمال بذي الكمال ...." وهلم جرا!

   فالشيخ فى خطاباته ومدائحه الماتعة كثُر ما يُوظف هذا الأسلوب التوجيه المباشر، وكأنه يُشافه ممدوحه ويخاطبه عيانا، لكن الأمر ليس بالقرب المادي بل بالمعنوي- الله أعلم- ، لذلك يقول:

له الخطاب @ له خطابي[ تأمل القصائد السابقة سترى العجب].

    بما أن القصائد فى نفس الرحم، فالشيخ قد أشار هنا - أيضا - إلى الخوارق بقوله تصريحا لا تضمينا:

لك الخوارق@ من ذي الخلائق@ ليست لسابق@ وَلا َلِــــــــــــــــــــجَـــــــــــاءِ

ثم تطرق لقضية الصحابة الكرام بقوله :

نعم الرجال @ لهم مَجال @ نِيلُواْ ونَالواْ @ وَقت العناء

    وبهم ختم العبد الخديم مواهبَ النافع . فكل هذه القصائد أخوات؛ بعضها تأخذ بأعناق بعض وتمشي بأذيالها. وفهْم قصيدة منها، مع تفكيك عناصرها يتوقف بعد الآن إلى الوقوف على بعضٍ من جنسها ليكتمل الفهمُ بصفة عامة، وإلا فإن عملية التأويل سيطبع بطابع القصور والفتور!

ثالثا العصارة والاستنتاجات:

      سأعصر هذه الفواكه الربانية انطلاقا من قول [ رولان بارث ] ":« إننا نعلم أن أي نص ليس مجرد سطور من الكلمات لكيْ يطلق معنى أبدياً (...) لا اختلاف بشأنه، وإنما هو فضاء متعدد الأبعاد، تمتزج فيه وتتصادم النصوص الأخرى التي ل يمكن حصرها، سواء السابقة أو المزامنة للنص الجديد».[ معجم السيميائيات ص 139] .

     وإن لم يصرح رولان بمفهوم التناص، حيث النصوص تتخذ بأعناق بعض فإن الوحدات دالة عليه تركيبيا. والنص بصفته بنية مفتوحة أمام مجموعة من النصوص الأخرى ، يستحضرها الكاتبُ/ الناظمُ لخلق جوٍّ انسجامي؛ إما على مستوى الدلالي أو الاقتباس و التضمين لتعزيزه ولربط اللاحق بالسابق.

       إن العبد الخديم – رضي الله عنه- طبّق هذه التقنيات بكثافة شديدة، بحيث يتوهم القارئ أنه ألّف هذه القصائد فى سياق واحد. والأمر ليس كذلك، وإنما اتحد الموضوع، وسبق أن كتب فيه، والممدوح هو هو بكل تركيباته الخُلُقية والخَلْقية. فاستدعى الأمر عليه – وإن أراد التنويع- أن يضمن في النص اللاحق معاني وأساليب قد مضى أن شحنها لقصيدة أخرى.

ما غرض لجوء الشيخ إلى هذه الظواهر النصية اللسانية في خطاباته المدحية؟ .

     للإجابة عن السؤال ننطلق من مبدإٍ مفاده " أن الشيء إذا تكرر تقرر". فالإنسان العربي فى أساليبه لا يكرر شيئا إلا لغاية هي دعتْ إليها، وإلا فالعبث في اللغة غير مرغوب فيه.

     يتوخى الشيخ إقرار هذه الصفات النبوية الشريفة في أذهان أمته للاقتداء والتحلي بها. ولم يجد ما يسعفه فى تحقيق بغيته إلا أن يُجدد الكتابة فى كل مرة ويكرر الموضوع نفسه وأن يربطه بالسابق لينسجم الموضوع لدى المتلقي، لأنه أراد مراعاة أفق انتظار العشاق الرسولَ، مادام يحرر فى نفس الشخص.

    في النهاية، أقول: إن اتساق القصائد الثلاثة يأتي من مدلولاتها المتحدة، نظرا لاتحاد الغرض .هذا لا يعني أن التماسك يتم قطعا وفق هذه الظواهراللغوية النصية دون غيرها كلاّ وحاشا، فهناك ترابط وثيق على مستوى البحور وأحرف الروية، والكلمات ... الخ . لكن نحن غرضنا في هذا البحث هو أن نواكبها مع آليات من زاوية لسانيات النص ،وهو الاتساق الدلالي.

    وأخيرا ، هذا اجتهاد بسيط، ومحاولة لربط تراثنا الإسلامي بالتطورات المعرفية الحديثة، و المناهج البحثية المتجددة، وإلا لم نأت بشيء جديد!

فهل هذا يوافق أصلا مع ما سيق الكلام لأجله؟

البحث مستمر!


شيخ مود بدر جوب

طالب باحث فى كلية اللغة العربية

مراكش المملكة المغرب

2016/12/07



   نشر في 10 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا