غسان كنفاني ناقداً أدبياً - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

غسان كنفاني ناقداً أدبياً

  نشر في 28 نونبر 2014 .




كثيرة هي الدراسات والمقالات التي تناولت المبدع الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني ومنجزاته بالنقد والتحليل ، لكنه أُخذ عليها جميعاً، أنها ركزت عليه قاصاً وروائياً، وحتى كاتباً مسرحياً، ولم يتطرق أحد ، فيما أعلم، إلى غسان كنفاني الناقد المبدع. مع العلم أن غسان ناقداً أدبياً، لا يقل شأناً عنه قاصاً وروائياً. فلقد واظب الرجل زمناً طويلاً على تناول كثير من الروايات والمجموعات القصصية و الشعرية وحتى الدراسات الأدبية والمقالات الصحفية وغيرها بالنقد والتعليق بأسلوب مبتكر ومتميز يشوبه أحياناً بشيء من سخريته اللاذعة، إلى درجة أن المثقفين كانوا ينتظرون بشوق مقالاته النقدية التي كانت تنشر في الصحف، من أسبوع إلى أسبوع بتوقيع مستعار هو إما فارس فارس أو أبو فايز .

ولقد استكمل غسان عدة الناقد المحترم ذي الشخصية المميزة من خلال ذائقة عالية الحساسية، وفطانة تذكر له، مع وفور اطلاعه على تراث أمته في القديم والحديث،وكذلك على الأدب الإسرائيلي من خلال الكتب والصحف الإسرائيلية، وعلى ما تقذفه دور النشر يومياً، في الشرق والغرب، ومن خلال إتقانه للغة الإنجليزية ومتابعته للصحف العربية والأجنبية(1)، والاستماع للإذاعات ومحطات التلفزة، مما أتاح له أن يكون على صلة مباشرة بآخر الصيحات في دنيا الأدب والفكر والسياسة في العالم .

لم يكن غسان ناقداً بالمعنى الأكاديمي للكلمة، لأنه لم يتبن مدرسة نقدية بعينها، ولا منهجاً نقدياً محدداً لا يحيد عنه. وإنما فضل أن يكون نقده انطباعياً تطبيقياً حراً، يستند إلى ذوقه وحسه الجمالي الرفيع، وخبرته الشخصية التي يعتد بها أيما اعتداد، ويستعمل لغة ساخرة لايفتأ يطعمها بكلمات عامية موغلة في عاميتها مثل: الزعرنة، مفشكل، مساطيل، مصنعجياً، عنطزة، يطبش كفة..، الشرشحة، لت وعجن وطق حنك، مصلحجية، بهورة إلخ

وهو حين يضع قصة قصيرة أو رواية أو نصاً شعرياً على منضدة التشريح النقدي، فإنه يأخذك مباشرة ، دون تقعر في استخدام المصطلحات النقدية الأجنبية، إلى العلة في النص أو إلى المزية الجيدة فيه. لأنه يعرف جيداً كيف تكتب القصة الناجحة وكذا الرواية والمسرحية الناجحتين.

ففي مجال القصة

يعرف غسان، من خلال تجربته العملية، صعوبة كتابة هذا النوع، نظراً لاقتضائه اقتصاداً عالياً في اللغة، مع حيز ضيق لنشاط الكاتب والشخصيات معاً، مقارنة بالرواية. لذا فهو يقول مؤيداً مقالته، على عادته، بمثال من الحياة اليومية: " إن كتابة القصة القصيرة عملية مرهقة للغاية تحتاج إلى موهبةِ قول الشيء باختصار شديد الايحاء. إنها، من حيث الصعوبة، تشبه أن تعمل على كسب موافقة سيدة جميلة، تراها لأول مرة في المصعد، لتقبل منك قبلة عرمرمية قبل أن يصعد المصعدُ اللعين إلى الطابق الخامس، حيث سيتوجب عليها أن تغادرك!"(2) وحين يقع، خلال مطالعاته النهمة، على مجموعة لا تحقق شرط الاقتصاد في اللغة بل يتبرع صاحبها، وهو أحد القاصين المعروفين، للقارئ بالشروح والتوضيحات الإضافية المملة مستهيناً بمقدرة المتلقي العقلية،فإنه يقول:" أحياناً، وأنت تقرأ قصة ما أو مجموعة قصص قصيرة، ينتابك شعور عميق بأنك بين يدي معلم مدرسة ابتدائية محترف، اعتاد أن يكون واضحاً أمام تلامذته الأطفال المساكين بحيث صار الشرح والتفصيل والتوضيح والإيضاح تقليداً أساسياً من تقاليده" ويضيف قائلاً:" وبعملية حسابية تجد أنك تستطيع أن تحذف من كل سطر نصفه، وهو النصف الخاص بالإيضاح والشرح والتفصيل والتبرع بالمعلومات العامة..." (3) ومن الطريف أن نذكر أن هذا التقييم الذي أصدره الشهيد غسان منذ سنوات عديدة في حق ذاك القاص ،لا يزال ساري المفعول ، لأن المبدع المذكور لم يستطع التخلص من هذا الخلل الخطير حتى اليوم!

وحول النهاية التي ينبغي على القصة القصيرة أن تسعى إليها يقول:" ..ليس هذا الكلام دعوة إلى النهايات الدراماتيكية، لكن العمل على أن تكون القصة موحية بشيء معين، وقادرة على أن تقول في النهاية شيئاً، وألا تكون مجموعة سطور غير مترابطة وغير مصوبة نحو فهم أو شعور أو موقف." (4)

وليس من قبيل المصادفة أن يكون كاتب مبدع و متابع كغسان كنفاني من أوائل من عرفوا القصة القصيرة جداً(ق.ق.ج) في وطننا العربي، بل يمكننا أن نقول وبكل ثقة إنه من أوائل من ترك رأياً نقدياً مهمَّاً في مثل هذا النوع الأدبي الوليد. لذا تراه حين يلمح عند القاص الفلسطيني، يوسف جاد الحق،سيئاً من ملامحها، يقول: " في قصص يوسف جاد الحق ملامحُ ما صار في الغرب يسمى هذه الأيام بـ " القصة القصيرة جداً". ولكن هذا النوع من العمل القصصي الحديث بحاجة إلى تركيز مضاعف؛ فهو بالطبيعة لا يحتمل الإفراط في إضافة الوقت والهوامش، ويتطلب تحديداً بارعاً ومسبَّقاً للمناخ والبطل والحادث في اتساق مكثف ( إلا إذا كان قصد القصة غير ذلك) ". (5)

وفي مجال الرواية

وهنا أيضاً يبدو غسان فارساً مجلياً في التقاطه لجوهر وعوالم الرواية التي يتناولها نقدياً. لنستمع إليه حين يكتب عن رواية ضباب قي الظهيرة لبرهان الخطيب ليقول: يبدأ الخطيب روايته بهذه السطور الرائعة: " ... ... " بداية ممتازة تفتح الباب لعمل روائي جيد على مصراعيه ولكن ما يجب أن يقال هو أن المؤلف لم يستطع أن يضبط خطواته طوال الصفحات الـ150 التي استغرقتها الرواية على نفس هذا المستوى.(6) ويتابع قائلاً:

ولو كانت الرواية أقل انصرافاً إلى الجدل الفكري مما هي لكانت عملاً رائعاً حقاً، حافلاً بالتناقض، ولكنه حفول يعني شيئاً مهماً، ويزرع في ذهن القارئ ألغاماً مضادة للسيارات نصف المجنزرة! (7)

وحين يلاحظ أن البعض راح يتهمه بتعمد الإساءة لتلك الأعمال الأدبية التي تناولها بالنقد يقول:" قررت أن أخرج عن طابع هذه الزاوية،هذه المرة على الأقل، لأبرهن لأولئك الذين يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى خلقني شتاماً أنهم مخطئون، وأن الذي يجعلني أشتم هو نوع الإنتاج الأدبي الذي يستحق الشتم، فأنا في الواقع مرآة للأشياء ولست مطبّلاً مزمّراً لها". (8)

وحين يقع غسان على عمل روائي جيد فإنه لا يخفي سروره واحتفاله به ولو لم يكن يعرف صاحبه من قبل. فالأصل عنده هو النص الأدبي الجيد الذي يدل على صاحبه. يقول عن رواية خمسة أصوات، للروائي العراقي غائب طعمة فرمان والذي لم يكن يعرفه ولا حتى سمع باسمه من قبل "...هذه الروايـة الرائعة...إنـها تمتاز بشيء يندر وجوده في الروايات العربية المعاصرة، وهو الذكاء. ويتابع شارحاً:" إن المؤلف ذكي، ولذلك فإن أبطاله حقيقيون وأذكياء، ويتجهون منذ البدء في خطوات عميقة ومدروسة نحو فلك حقيقي. والقارئ يستطيع أن يلمس هذا الذكاء في كل سطر : في الحوار، في الوصف، في الدخول إلى أعماق المشاعر والأحاسيس الإنسانية، في براعة رسم الشخصية وتوجيه الأحداث، وأهم من ذلك كله: في معرفة الجو الذي تدور الأحداث حوله وفيه، وإدراك أعماقه والقوى التي تحركه وتبلوره وتصوغه في النهاية." (9) .

وهو لا يفتأ، حين يتذوق النتاج الفني العربي الناجح، من مقارنته بنظيره في الآداب العالمية، وهذا ديدن الناقد المطلع، ليثبت أنه ليس أحد خيراً من أحد. لذا فهو يقول للقارئ عن الرواية ذاتها " أنت إذن أمام شيء يشبه " فولكنر" أو بالأحرى أمام عالم من تلك العوالم التي أشار فولكنر في روايته " الصخب والعنف " إلى وجودها. الرواية التي بين يديك ليست لوحة مسطحة تراها من الخارج، ولكنها " دويّ " متداخل له أبعاده الخاصة." (10). وهذه نقطة تضاف إلى رصيده كناقد ناجح متميز.

وهو لا يفوت فرصة، حين يجد مثل هذا العمل الفني الناجح، في توظيفه لتقريع ذلك الكم الهائل من الكتاب المستسهلين قائلاً:" إن " خمسة أصوات" رواية تعيد للمثقفين العراقيين دورهم الرائد، ويمكن استعمالها مثل كرباج لجلد كل الأفاقين الصعاليك الذين يضحكون علينا وعلى أنفسهم حين يقولون إنهم – ما شاء الله – روائيون!" (11).

ولا يعتقد غسان أبداً أن الموضوع الجيد يمكن أن يشفع للعمل الأدبي إذا لم يكن على سوية فنية جيدة ويدلل لرأيه بمكسيم كوركي: " المسألة ليست بهذه السهولة، والوطنية التي هي عالعين والرأس ليست جواز مرور إلى عالم الفن إن لم تكن تعتلي صهوة موهبة أصيلة. فمكسيم غوركي ليس تقدمياً فقط ولكنه أديب تقدمي..." (12).

ولم يكن غسان مثالياً في بحثه عن العمل الأدبي الناجح، بل كان واقعياً يعتقد أن النجاح أمر نسبي لا قيمة له إذا لم يكن في سياقه التاريخي و حتى الجغرافي. يقول بصدد رواية حكايات من حارتنا، للدكتور شاكر خصباك :" إن الرواية قد لا تكون، من ناحية فنية مطلقة، رواية ناجحة( فاستعمال اصطلاح الوحوش ليس فيه أي ذكاء، وثمة فشل في كسو البلدة باللحم والروح، وتخلف في سبر غور نفسية المحتل وسذاجة في عرضه).ولكن الحقيقة هي أنه يجب أن نجرؤ على القول بأنه لا شيء اسمه عمل فني مطلق، فماهي القيمة الفنية المجردة، مثلاً، لخطاب الحجاج بن يوسف:" أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا" إن لم تنزل في مكانها من الجو، الزمني والمكاني، الذي أعطاها رنينها وعناصرها المعنوية، وكساها بمعناها الأعمق من مجرد مستواها الفني؟" ثم يتابع قائلاً:" ... فإن رواية " حكايات من بلدتنا" رواية ناجحة، رغم كل شيء، نتيجة لقياس معين ولكنه واقعي وثقيل ولا يمكن تجاهله، فلو نشرت وقرئت عام 1940 لكانت أقل قيمة حتماً، ولكن حين تقرأ الآن فإنها ليست أقل من كأس من الكحول تفرغ فجأة فوق جرح جديد." (13).

وعلى الجملة فإن غسان لم يكن يميل، في منهجه النقدي، إلى التنظير في الأدب، وإذا ظهر منه ما يشبه الكلام النظري في النقد فإنه سرعان ما يتبعه بالتطبيق العملي لما يقول. فهو حين يقول: " إن العمل الفني هو محصلة لفعل وردة فعل: فعل العمل الفني ذاته، وردة فعل قارئه. وفي أحيان كثيرة يدخل عنصر ثالث إلى هذه المعادلة المبسطة وهو عنصر " الجو الزمني والمكاني" الذي تجري خلاله عملية التزاوج بين الفعل وردة الفعل." يتبع كلامه هذا على الفور بقوله:" بالنسبة للرواية التي بين أيدينا الآن، تتفاعل هذه العناصر الثلاثة باتساق ممتاز. فبين الفعل وردة الفعل يوجد عنصر التوقيت الذي يعطي العمل الفني قيمته واستجاباته..." (14).

وكما لاحظنا من بعض الأمثلة السابقة، فإن غسان يظل يمزج النقد بالسخرية، مزج الحمرة بالماء، لتظل السخرية مزية من مزايا نقده لأنه يعتقد " ان هذه السخرية ليست ضحكة فقط، ولكنها اكتشاف يلخص جوهر الموضوع كله، وانتقاد يغني عن ألف مقال." (15).

في مجال المسرح

وحين نقرأ له وهو يكتب في نقد المسرح يخيل إلينا أننا أمام مسرحي محترف خَبِرَ المسرح كتابة وإخراجاً لا بل واطلاعاً على تاريخه في العالم. لنتأمل قوله في نقد مسرحية " رحيل آخر الليل" :

يجب أن ننظر إلى المسرحية هذه على أساس أنها مسرحية أقرب للقراءة منها إلى التمثيل : ليست " مسرحية ذهنية " تماماً، ولكنها ليست " مسرحية مسرحية" تماماً. إنها في مكان ما بين هذين العالمين(16).

وهو يستعير في سبيل توضيح فكرته، عن ازدحام المسرحية بالأفكار بصورة زائدة عن الحد، من خبرته في ميكانيكا السيارات . فهو يقول :

إن القضية تشبه تماماً قضية السائق الذي يدعس البنزين زيادة والسيارة باردة، وحين يسرع في تشغيلها لا تشتغل... ويقول له سائق سرفيس عابر من قربه: " طوِّل بالك، السيارة مخنقة والبنزين معوِّم"!

كان غسان ناقداً منصفاً عموماً، لا يبخس الناس أشياءهم. وهو لا يبني أحكامه النقدية بناءً على عداوة شخصية أو محاباة أو تملق لأحد، وإنما على أسس نقدية محايدة. وهو وإن أشار إلى مثلبة من مثالب عمل فني ما، فإنه لا يغفل عن حسناته ومزاياه الأخرى، لذا نجده يقول .." لدى محمود الخطيب الكثير ليقوله، وهو كثير مفيد. كما أن لديه الأداة الممتازة لقوله، وهي لغة حادة كالسيف، قوية كالبلطة، ناعمة كالابتسامة." (17). وهو بالتالي ليس ناقداً يبحث عن المثالية في الكتابة ولا يتسع صدره لغيرها، بل كثيراً ما يلتقط المواهب الواعدة فيصغي إليها ويطلب من الآخرين أن يفعلوا :" إن محمود الخطيب يقدم لنا في هذه المسرحية صوتاً جديداً في عالمنا المسرحي، ينقصه الكثير من إتقان فن الصنعة، ولكنه يظل صوتاً جديداً ومن الضروري أن يُسمع." (18).

آراؤه في مجال الشعر

لم يدَّعِ غسان في أي يوم من الأيام أنه كان شاعراً ولم يترك لنا ما يمكن أن ينسب إلى الشعر. لكنه، مع ذلك، فإنه لا ينكر أنه كان يتذوق الشعر ويعجبه الشعر الجميل مبنى ومعنى ويثني على صاحبه؛ ويزعجه الشعر الرديء وينعي على صاحبه أياً كان. ولقد قرأ لأكثر شعراء عصره من نزار قباني إلى ثريا ملحس، مروراً بالجواهري وغيره وتابع الحركة الشعرية العربية في انتقالها إلى الحداثة وشكل راياً خاصاً به فيما يسمى بالشعر الحديث ولم تعوزه الشجاعة ليقوله صراحة: " إنني أنا لا أفهم شيئاً من هذا الشعر!" (19) ويصف هذا الشعر بأنه " يشبه كوابيس فتى مصاب بالحمى وبالكبت وبهواية تسجيل هذيانه. ذلك أن هذه القصائد المعاصرة تتحدث عن أمور خرافية، مثل كأس فيه رؤوس دامية لعشيقة لها عشرون رجلاً تمطر على سهوب الصدر المشرعة أمام انشقاق سماوي في وجه أزرق ينعكس على مرآة من الوحل!" ويذهب إلى أبعد من ذلك بكثير حين يدعو إلى مجابهة هذه الموجة الجديدة من الشعر فيقول:" إنني أعلن أنني لا أفهم هذا الهذيان، وقد آن الأوان لنتخلى عن خشيتنا من أن نتهم بالجهل، ونبدأ بتأسيس نادٍ يضم بين صفوفه جميع الذين لديهم الجرأة على الإقرار بأنهم عجزوا عن فهم واستيعاب هذا الشعر." ويكلف هذا النادي بمهمة طريفة رائدة في مضمارها:" وسيكون على هذا النادي أن يلقي القبض، في كل مكان، على الشعراء هؤلاء، ويقدمهم إلى المحاكمة بتهمة الغش والتزوير مثل الذين يضحكون على أجدادنا بكتابة أحجية غير مفهومة، وكان أجدادنا يصابون بالذهول أمام تعقيد تلك الكتابة، ليس لأنهم فهموا، ولكن لأنهم يزدادون شعوراً بالجهل! فإذا عجز الشاعر عن إثبات أنه لم يقم بعملية غش وتزوير أصدر النادي قراراً بحقه يمنعه من التعامل مع الشعر، تماماً كما تصدر نقابة الأطباء قراراً بمنع دجَّال ما من الادعاء بأنه طبيب..أما إذا ثبت أنه على حق ، وأن أعضاء النادي قد أخطأوا، وأنهم هم الجهلة، عند ذاك يجري توظيفهم في مناصب مهمة في الدولة!"

ولا ينبغي أن نفهم مما تقدم أن الرجل يقدس الخليل بن أحمد وأوزانه وأنه لا يرى الخروج عليها:" ..الوزن ليس مسألة الالتزام بقاعدة الخليل وتفعيلاته، لكنه مطابقة الموضوع على النغم، والنغم على السماع..) (20) والوزن في ذاته لا يعطي قيمة، فشاعر يفتقر إلى الحد الأدنى من التناغم في شعره وآخر موزون أكثر من اللازم وهما في الوقت نفسه لا يقدمان إلا كلاماً سطحياً مع أن المطلوب أن يكون للشعر" تحت شكله المنغوم وتركيبه الدراماتيكي، موقف من العواطف والأفكار والأشياء." وهو يرفض ، كناقد، مستنداً إلى عراقة الشعر العربي أن يقدم الشعراء المعاصرون شيئاً بدائياً تافهاً:" فهل يجوز الآن، بعد أن صار عمر الشعر العربي أكثر من ألفي سنة على الأقل، أن يظل هذا الشعر طفلاً في استكشاف العالم و الإنسان والأشياء؟" ويضيف :" نريد حشوة لهذه الوسادة التي اسمها الشعر، ونرفض أن تكتسح مزيكة حسب الله العمق الذي نطمح إليه."(21)

ولايضن غسان برأيه النقدي الناصح عن أصدقائه من المثقفين. فحين اجتذب سحر الشعر قلم الكاتبة اللبنانية ثريا ملحس ولم تكن بذاك، قال غسان:" لقد استمعنا كثيراً إلى نثر " ثريا ملحس" ، وهو نثر جميل جيد وله مستوى رائع. ولذلك فإنه من حقنا أن نقول لها : دعي الشعر جانباً! إنه ليس وساماً إلا لأولئك الذين يصلون فيه إلى القمة..لقد كنتِ دائماً كاتبة من الطراز الأول، فلماذا هذا الانتحار الذاتي؟" (22)

غسان ومسألة التوقيت

وفي جميع قراءاته النقدية لأي عمل إبداعي يصر غسان على تناول عنصر التوقيت ويقول: " إن العمل الفني هو محصلة لفعل وردة فعل: فعل العمل الفني ذاته، وردة فعل قارئه. وفي أحيان كثيرة يدخل عنصر ثالث إلى هذه المعادلة المبسطة وهو عنصر " الجو الزمني والمكاني" الذي تجري خلاله عملية التزاوج بين الفعل وردة الفعل." يتبع كلامه هذا على الفور بقوله:" بالنسبة للرواية التي بين أيدينا الآن ( حكايات من بلدتنا)، تتفاعل هذه العناصر الثلاثة باتساق ممتاز. فبين الفعل وردة الفعل يوجد عنصر التوقيت الذي يعطي العمل الفني قيمته واستجاباته..." (23).

ويشدد على اعتبار هذا العنصر أمراً فاعلاً في ترجيح نجاح العمل أو فشله. حتى لو كان هذا العمل دراسة نقدية. وهذه مسألة لم أجدها عند أحد من الناقدين سواه. فحين يصدر الدكتور صادق جلال العظم مثلاً، كتابه " الحب و الحب العذري" يتناوله غسان بالنقد كاشفاً تقصيره حتى في ميدانه ثم يلتفت بعد ذلك ليقول:" ومهما يكن فإن ما يدعو إلى الاستغراب أيضاً ليس فقط حملة الدكتور العظم على الحب العذري ولكن أيضاً " توقيت هذه الحملة". فما الذي حمل إلى بال الدكتور العظم، وهو الذي كتب بحثي ممتازين عن أسباب ونتائج ووسائل علاج 5 حزيران، إنزال جميل بثينة وقيس وروميو إلى ميدان الجدل العربي، في وقت كنا نتوقع منه أن يقدم لنا نموذج عنترة، ذلك العاشق الذي كان حبه لعبلة مسألة أرض وعرض معاً، مرتبطة بالقتال في سبيلهما إلى حد كان يود دائماً:" تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك التبسم؟" (24)

باختصار. كان الشهيد غسان ينظر إلى العالم من حوله بعيني ناقد حصيف يريد أن يزدهر الجمال وأن يضمحل القبح ولو على مستوى الأغاني التي تبثها الإذاعات. وبهذه النظرة كرس نفسه ناقداً عملياً تطبيقياً، أنجز، على كثرة أشغاله، مالا يستهان به في فترة عمره القصيرة على هذه الأرض. ولعلنا أن نكون قد وفقنا للإشارة إلى جانب مهم من شخصية هذا الراحل المبدع المتعدد المواهب .

الهوامش

(1) مثل النيوزويك الأمريكية، وبانش البريطانية، والبلاي بوي الكوسموبوليتية، والنيويورك تايمز، ومجلة هيت، ومجلة الأديب المعاصر العربيتين، وغيرها.

(2) ملحق الأنوار، بتاريخ 14-4-1968.

(3) المصر السابق نفسه.

(4) المصدر السابق نفسه.

(5) المصدر السابق نفسه.

(6) ملحق الأنوار، بتاريخ 8- 12- 1968.

(7) المصدر السابق.

(8) ملحق الأنوار، بتاريخ 21-1-1968.

(9) المصدر السابق.

(10) المصر السابق.

(11) المصدر السابق.

(12) ملحق الأنوار، بتاريخ 24- 3-1968.

(13) ملحق الأنوار، بتاريخ 18-2-1968.

(14) المصدر السابق.

(15) ملحق الأنوار، بتاريخ 6-10-1968.

(16) ملحق الأنوار، بتاريخ 22-12-1968.

(17) المصدر السابق.

(18) المصدر السابق.

(19) كتاب فارس فارس، غسان كنفاني،ص 178.

(20) ملحق الأنوار، بتاريخ 7-4-1968.

(21) المصدر السابق.

(22) ملحق الأنوار، بتاريخ 7-1-1968.

(23) ملحق الأنوار، بتاريخ 18-2-1968.

(24) ملحق الأنوار، بتاريخ 3-3-1968.


  • 3

   نشر في 28 نونبر 2014 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا