لا حياء في الحياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا حياء في الحياة

( قصة قصيرة)

  نشر في 28 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

    الناس يمرون بعلاقاتهم على رصيف الشارع المقابل؛ يمسكون أيدي بعضهم البعض، يتحدّثون، يتمازحون، يضحكون، يتقافزون، يتدافعون، يتخاصمون.. وهو جالس بإفريز مقهى " بّاحْماد" العتيق يتأمّلهم. كان المقهى، ذا الزّليج القديم المنقوش والكراسي والموائد الخشبية، خاليا إلا منه، والنادل الذي كان يملأ أرقام سباق الخيل على المنضدة  بجوار علبة خشبية مربعة من قطع سكّر صغيرة الحجم، وذلك الشيخ الذي لا يبرح زاويته تلك حيث يُدخّن "السّبْسي" في هدوء؛ لدرجة أنه ظنه اليوم، ولأول وهلة عند حضوره المقهى، لوحة زيتية على الجدار، من قبيل تلك اللوحات الخادعة: 3D.

متأملا المارّة، أخذ رفيق يفكّر مع نفسه في علاقاته: لا شكّ أنني كل هؤلاء الذين مرّوا؛ فأنا الضّحوك، اللّعوب، المتقافز، المتجهّم، المُتأبّط، النّافر، المتباهي، الغامض، اللطيف، الوقح، السّاذج.. لديّ شخصية و"كَارَاكتير" معيّن لكل واحد أتعامل معه أكثر من مرة أو مرتين. ليس ذلك لأنني مُوارب أو مُرائي في علاقاتي، فشخصياتي تنبثق تلقائيا، هكذا؛ لا يتطلّبني الأمر جُهدا كي أستحضر لكل فرد من معارفي أو أصدقائي الشخصية الخاصة به من شخصياتي، ولا زلتُ لا أعرف كبف يَسَعني التعامل مع كل شخص بنفس الأسلوب و"الكاراكتير" الخاص الذي تعاملت به معه في أول لقاء. ولذلك أتفادى الجلوس مع أكثر من واحد من معارفي أو ممّن له علاقة معي. قد أنكَشف آنذاك، أوقد يخطر ببالهم أني مُصاب بعلة ما.

 كيف لي أن أتعامل مع حميد و "سي" عبد الكبير مثلا في نفس الوقت؛ الأول أتصرف أمامه كشخص غامض وانطوائي وربّما معقّد لا يُحب الكلام والانفتاح على الآخرين. أما الآخر فيَراني شخصاً مرحاً، يحب الحديث والدّعابة وما إلى ذلك.. لا مفر من أن يُصاب أحدهما بخيبة أمل، وليس من المُستبعد أن يحاول أحدهما ــ ذاك ــ عرضي على طبيب نفسي أو على مصحة لإعادة التأهيل. 

الأَفضَل أن أجلسَ وحيدا هكذا، أرقب الآخرين وأفكّر في نفسي: 

ـــ أليسَ كذلك؟ - قال للنادل الذي خرج يُمطّط ذراعيه وجسده عند باب المقهى.

ـــ ماذا؟ - أجاب النادل

ـــ الجو.. جميل اليوم، صاف ومشمس.. هاه؟ 

ـــ دائما هو هكذا هذه الأيام. نريد المطر، به يُنتفع الحرث والنّسل. 

ـــ لكن لا بد من الشمس- فكر دون أن يتلفّظ.-


     كان اليوم أربعاءً، ورغم أنه يوم عطلة ــــ لا يعرف أهي بمناسبة عيد وطني أم ديني، أم مجرّد عطلة فقط. فلطالما ارتبطت لديه العطلة بالدراسة، لا بالعمل؛ ولأنه لا يزاول أيّاً منهما الآن فَلم يأبه للأمر ــــ فالشارع لم يكن غاصّا بالمارة، مقارنة بأيام الدّراسة والعمل، فقط بعض المُتجولين والمتسكّعين، فُرادى ومُرتبطين، أصدقاء وعوائل مشكّلة في الغالب من أمّ وطفلين، أو أكثر في بعض الأحيان. 

أَخذ يلفت رأسه ناحية اليمين وناحية الشمال. ولمّا تأكّد له الأمر، رشَف بثقة، رشفة طويلة من كأس شايِه البارد..

وهو يضع كأسَه لَفت نظره فتاة تحاول، بابتسامة مستفهمة على مُحيّاها، أن تمسك يدَ فتى آخر (ربّما هو صديقها أو حبيبها). لكن الفتى كان يمتنع عن ذلك، ويتمنّع مُدخلا يده جيبَ سرواله في صمت واحتشام..

 تتبعهما بناظريه قليلا إلى أن سَحبته ذاكرته، فتذكّر فِعال بنات عمّته الثلاث اللّائي اعتدن مضايقته ومشارَسته وإحراجه، كونه كان خجولا جدا. لم يكن خجولا هكذا بالمطلق مع الجميع، وإنما فقط مع بنات عمته، -ربما لأن ذلك كان أول انطباع خلّفه لديهن أول الأمر. وبما أنه لم يكن يحب التّلوّن والتغيّر في علاقاته؛ فقد عَمِل على تأكيد ذلك الانطباع في جميع لقاءاته معهن- فكّر. 

كُنّ يستمتعن كثيرا بالنظر إلى وجهه المُورّد بالدّم وهو يرزح تحت وطأة الخجل. ويستعذبن إمساكه وحجزه وسطهن حين يبغي الفرار، وهنّ يخلعن سرواله لِيتغامزنَ على أعضائه التي لم يكن الشّعر قد نبت فيها بعد، ويضحَكن على محاولاته التغطي والاختباء ورفع سرواله. أو يتعرّينَ أمامه وهو يجاهد عدم رفع نظره مُصطنعاً الاهتمام بفراش السرير أو أصابع قدميه أو أي شيء آخر .. لكن الدم المتصاعد إلى وجهه، في كل مرة، كان يفضحه، فيُحاول أن يُداري الأمر؛ لِترتفع بذلك حرارته ويشرع بالتّفصُّد عرقا.

كل هذا، وبنات عمته يضحَكن، ويلهين بأثدائهن قبالة وجهه، ويلطمن أفخاذهن الرّيّانة/الممتلئة من شدة الضحك والانتشاء. بينما جل شاغله هو؛ أن يخرج من تلك المَعْمعة، لكنه كان مهيض الجناح معهن: "لا يكلّف الله نفسا إلا وُسعها."- قال بصوت متنهّد، زافراً في الهواء.

    لم يزرهنّ أو يرهنّ منذ أكثر من ستّ سنوات. وتحت فَوْرة التذكّر؛ شرع يتخيّل أصغرهن، سارة، ذات التّسع عشرة سنة، وهي تحاول تقبيله رغم حضور والديهما معهما في نفس الغرفة؛ أخذ يبتعد عنها وهو يزحف بمؤخرته على السّرير شيئا فشيئاً، وهي تدنو منه. هو يزحف وهي تَتبعه إلى أن انتصبت واقفةً أمامه، فنادى بصوتٍ أرعن مُرتعش: "أَمَجْنونة هذه أم ماذا؟" لكن أحداً لم يحرّك ساكناً، فهم يبدون مهتمّين وغير مهتمّين في ذات الآن. 

شفتاها المزمومتين الحمراوان، تفيضان شهوة. وهما الآن تُغطّيان محيط عينيه؛ أحسّ بالشهوة فصرخ في وجهها: "إليكِ عني!"، "قبّلني وسأذهب"- قالت سارة بهدوء مستفز.  لم يشَأ أن يُقبّلها، فمِن شأن ذلك أن يجعل قبضة الحرج مشتدة به أكثر وأكثر- فكّر. ثم استأنف تظاهره بإبعادها عنه بأدنى جُهد، وهو يحاول أن يَلمس وجهها كأنما يَدفعها عنه. أفلح في الوصول إلى خدّها فألفاه رطباً/ طازجاً، واجتاحه إثر ذلك إحساس غامر بالحنين، ملأ عينيه بدفء حميمي. ورغبة حامية في معانقتها وتقبيلها؛ فدفعها بقوة عنه إلى أن سقطت أرضا. لكنها وثبت ضاحكة مرة أخرى، وإمعانا في الانتقام، أدارت له ظهرها وأخذت ترقص بوركها، أمام وجهه، صعودا ونزولا. وعند نزولها كانت عجيزتها تحتك قليلا بركبتيه وما فوقهما.. ومع كل احتكاك كانت شهوته تتوقد.. إلى أن تصلّب قضيبه..

أحسّ بوجهه، عندئذ ساخنا، حارّاً يغلي بالدم، فانتفض من على كرسيه في المقهى واقفاً، يَنشد بعض الهواء البارد المُنعش. وإذ ذَاك لَاحت له فتاة قادمة باتجاهه صوب المقهى، توجّه نحوها بدوره، وبعد أن مدّ لها يده مصافحاً، قال:

"سلام، اسمي رفيق.. ولعلمكِ فقط، فانا أستطيع أن أمسك يد فتاة في الشارع، وأعانقها، وأقبّلها، بل وحتّى أن أخلع سروالي معها دون حرج.. لا حياء في الحياة." 



  • 1

   نشر في 28 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا