لحظة ... تغيير القيمة في زمن التعويم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لحظة ... تغيير القيمة في زمن التعويم

تحرير الصرف، القرار الذي أخل بكل الموازين دفعة واحدة

  نشر في 06 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2017 .

في إحدى محطات المترو بالقاهرة، كان الازدحام الشديد يحبس الأنفاس والجو بارد مترب، أناس من كافة الأعراق، جاءوا من كافة أقطار مصر. فمركزية الدولة تفرض عليهم أن يقضوا ملفاتهم في نفس المكان وبنفس التوقيت!  ملايين المصريين هنا في تكدس شديد الوطيس، كلٌ في همه ومسألته، يسبح في فلك العاصمة المليونية. وهذا أنا القادم من الركن البعيد الهادئ من مصر، أجلس متأملاً ومراقباً، إختلاط للأجناس والثقافات، لكن لديهم رابط مشترك، وهو أن الجميع يبحث عن حياة أفضل، جلست أنظر لبائعي السلع الخفيفة، فوجدت أربعيني يمد الخطى يبدو عليه آلام الدهر، قد أخذ منه الزمن طبقات من وجهه، فأمسى لا يظهر عليه أكان سعيداً أم ملكه الحزن واليأس.

من الواضح أنه من طبقة الموظفين، أو كما أسميها طبقة التائهين. بدى الأربعيني يُحدِّث أحد الباعة أنه يريد شراء قفاز لإبنته. متقرباً به لهذا الطقس السيء أن يحمي ابنته من هجمات شتاء الجو القارس، فكان له ما أراد، وما انفك أن ينهي الصفقة حتى تذيل الحوار كلمة للبائع يخبره فيها ".

ليكن في معلومك أن الدولار سيزداد ولو جئت لي في الغد سأبيع لك القفاز بضعف الثمن! 

نظر له الموظف نظرة اللامبالي وتركه وذهب في مشهد درامي مؤثر ، يفسر لك لماذا يزداد الأغنياء ثراء والفقراء فقراً ؟.

إن فرصة الموظف في أن يصبح غنيا لكفائته وخبرته تتطلب منه أن يترك وظيفته بحثاً عن مؤسسة تقدر مواهبه وابداعاته. لكن فرصة هذا الأربعيني في هذا الوقت والمكان محدودة، إن بيئةَ العمل هنا في مصر مختلفة. فحقول الجهات الإدارية في الدولة غير منظمة من الأصل، فهل سيتم تقدير مجهود الأربعيني من الأساس؟  أما صاحبنا البائع ففرصته في الغنى تزداد، يكفي أنه يقف في هذا المكان الطافي بالبشر ، لا أحد متحكم به، هو من يقدر نفسه وابداعاته حتى في ابتكاره لوسيلة البيع والتسويق وادراكه حتى لمسألة الدولار. إن ما يدركه هذا الموظف أن ما يحمل من نقود يتهاوى ثمنه للثلث دفعة واحدة وفي أقل من لحظات؟ فقط قبل يوم من أن يسدل الليل ستاره على مرتبه الزهيد.

إذا كانت عجائب الدنيا سبعة فلعبة الاقتصاد هي الأعجب والأدهش على الاطلاق، البائع المتجول تزيد بضاعته للضعف بلحظة واحدة والموظف تفقد نقوده قوتها في الشراء في لحظات، الأول أدرك مسألة تحرير الصرف فسوق نفسه وبضاعته، والثاني لا يفهم حتى ما معنى التعويم وينتظر رحمة الدولة في أن تُزيدَ مرتبه فقط لأنه سمع بأن سعر القفاز سيزداد!.

 بقرار واحد وبدباجة واحدة انقلبت موازين كل شيء ، ففي عشية يوم إعلان تعويم سعر الصرف، كان المشهد دراماتيكيا. تزداد ثروات البائعين للضعف، والمستهلكين تقل مدخراتهم في قوتها للثلث، مشهد لم يدركه إلا أصحاب  اللحى البيضاء، ومن شاب عقله من صفعات الزمن، أو كان على عقد مع لوسفير فبين له كيف يمكنه أن يصبح من زبانية الإنس، ينزل بسياطه على الكادحين وأصحاب المال المحدود، إنها حفنة من النقود، تلك الأوراق التي أرادوا أن يزركشوها لتسر العين وتجعل لها بريقاً، تصبح في لحظات أرخص من أوراق حمامات المترو، لعبة عجيبة حقاً كل شئ فيها يصبح رماد، فإذا بعت خسرت، وإذا اشتريت تعسرت، إنه يوم الفرص الضائعة وفقدان الفرص البديلة.

الشطيرة والرغيف..أيهما يفور!

مارأيك في أن نلعب لُعبة، وأنا على ثقة بالربح والفوز ، حتى وإن كشفت لك ورقي كله، إذا كنت تمتلك رغيفاً وبيدي شطيرة، وعَرضت عليك أن تعطني خبزك وبالمقابل سأعطيك بدلاً منه شطيرتي، إنهاصفقة غير متكافئة، أليس كذلك ؟!.

ستسألني ما مكسبك من هذا؟ دعني أخبرك أنك تذوقت الشطيرة وأعُجبت بها وأنا أريدك أن تجعلها شيئاً لا يمكن الاستغناء عنه، وما دامت الكفة لصالحك لن تسأل نفسك كيف صنعت، ومع الوقت أصبحت لن تقبل أقل منها لطعامك. وتلك هي الطبيعة الانسانية، تجري وتبحث خلف الأفضل بأقل مجهود، إنك في التو واللحظة تتكاسل عن إعداد الخبز لأنك اعتمدت عليَ في إعداد الشطائر، سأداوم اعطائك لها ولسبب يخصني سأمنعها عنك، ما شعورك إذاً ؟ بالطبع ستبحث عني لأن معدتك سئمت من هذا الرغيف وتريد أن تكرر الصفقة كل يوم بأية مقابل، وقتها سأعود إليك ومعي شروط، أن تعطني الدقيق وسأعطيك الشطيرة، فأخذ منك الدقيق وأُوفي بوعدي لك، ثم تذهب فرحاً لأنك من الداخل تشعر أنك أنهيت الصفقة لصالحك، وأن هذا المغفل سيعمل عندك بدون مقابل، وتمر أيام وأخبرك أنني لن أستطيع أن أوفي بوعدي لك لأني مشغول بشراء قطعة أرض، وسأرسل لك طرداً فيه كثير من الشطائر، نعم، هذه مقابل كل حصص الدقيق الذي أخذتها منك. القصة لم تنته بعد، فأنت لم تعد تحتاج أن تزرع قمحاً لأني عودتك على شطائري الجاهزة بهذا الكم في الطرد الذي ذكرناه، فلما انتهى الطعام عندك، راسلتني لكي أعد لك شطائر لبقية العام، فأرفض لانشغالي، فتلح عليّ، فأوافق، في تلك اللحظة أعرض عليك أن أبيع لك الشطائر مقابل بعض الذهب، فتقبل وبمرور الوقت ينتهي ذهبك، ويا للحزن أنت أصبحت بلا طعام أيضاً، إنني حزين جداً لك ، لهذا سأعرض عليك صفقة وهي أن أقرضك الذهب لتشتري مني قمحاً وأضف عليه تكلفة تحويله لدقيق ثم أصنع لك منه ...خبزاً.

هل تشعر بمدى سذاجتك؟ ، دعني أخبرك أن هذا السيناريو تكرر في كل بلدان العالم، القمح مقابل الولاء، ثم النفط مقابل الأمن، وأني سأبيع لك، لأنك لا تعرف أن تعدّ طعامك، وأضحت أرضك بور لازرع فيها، جدباء عاقر، تماماً مثل عقلك.

إننا نستورد كل شئ، أو كما ذكر الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، واصفا انفتاح  مصر بالسبعينات بـ "السداح مداح"، فجيلنا ولد في بيئة من العولمة، يأكل ويشرب ويركب مما لا تصنعه يداه فأخشى أن تخرج الصين على العالم في يوم من الأيام وتقول لنا أننا عبئنا لكم ماء النيل في زجاجات ويباع في ميدان العتبة بالقاهرة!.

اذكر لي علامة تجارية عربية تنافس عالمياً، فالغالب منهم لتصدير الخام، والذي يأخذ الجانب التصنيعي لا يرقى لمستويات الجودة، أو تجده مقلداً أعمى وأصم لمنتجات الغرب لا مبتكراً ومبدعاً. لا يستمد من بيئته وثقافته حاضره ومستقبله، فلا تجد صناعات ثقيلة كالسيارات، والأجهزة الطبية، وتكنولوجيا الحاسبات، أنت تفتقد ما نسميه الـ " know how " وأضحيت ساذجاً متمسكاً بطفولتك. 

العالم يكبر وينضج وأنت لا تزال في مكانك.

فأنت عشوائي في كل شيء تقريباً، لا تنظر للمستقبل بعين الحاضر بل أصبحت عالة  على الانسانية كلها، ألا زلت تنفر أن يقال لك هذا؟ ، إذاً عندما  يقول لك صاحبنا الذي خدعك وباع لك الخبز في النهاية، ماذا تقدم للعالم قل له قدمت له خبزي ليبيعه لي مرة ثانية!.




  • 6

  • محمد الكُتبي
    باحث اقتصادي لدي الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا مؤسس اقتصاديات ومهتم بمجالات الاقتصاد أشاركك معلومة اقتصادية قد تكون جديدة بالنسبة لك.
   نشر في 06 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2017 .

التعليقات

Jinan منذ 8 شهر
شكرا للعطاء هنا
أبدعت وأكثر ..
0
محمد الكُتبي
كل الشكر على هذه الكلمات الطيبة
MKHTAR JAMAL منذ 8 شهر
رائع
0
محمد الكُتبي
أشكرك ، كل الاحترام والتقدير

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا