لا مكانَ للدين في هيكلية الدولة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا مكانَ للدين في هيكلية الدولة

نظرة تاريخية وقليل تأمُّل.

  نشر في 04 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 05 ماي 2017 .

على مدار عشرات الآلاف من السنوات ومنذ أول المجتمعات التي استطاع المؤرخون اكتشافها على سطح الكرة العائمة في الفضاء اللا متناهي لم يكن هناك أي مفهوم لأي اختلاف بين الدين ونظام الحكم، لأنّ من استطاع السيطرة على هيكلية أفكار الناس، استطاع السيطرة على تصرفاتهم وانحيازاتهم. فكان الفراعنة يرون في مُلوكهم آلهة، واعتقد الرومان أنّ ملوكهم أنصاف آلهة، ومن امتنع عن تأليه الأشخاص قال بأن الإله أو الآلهة قد تواصلوا معه وبأنه وسيطٌ بين الناس وآلهتهم.. ومن أفضلُ لقيادةِ مجتمعٍ ما من ذلك الوسيط أو أتباعه المؤتمنين من بعده؟!

أما المجتمعات غير المؤلهة فقد اختارت رموزاً تعظم شأنها وتحارب منتقديها وتسير على خُطاها وتعاليمها، كالبوذية مثلاً أو حتى الشيوعية في العصر الحديث والتي تصرفت وبرغم إنكار من يتبعها بشكل قريب جداً من أي دينٍ جديد يريد الثورة على معتقدات المجتمع والانقلاب على نظامه الاجتماعي.. وعلى مدار التاريخ كان هذا هو بالضبط السمة الرئيسية لأي دين جديد.. -ثورةٌ على معتقدات المجتمع وانقلابٌ على نظامه الاجتماعي، ولهذا السبب بالذات لم يكن أي دين جديد متسامحاً مع المعتقدات التي سبقته، وكانت الأديان دائما وأبداً حِكراً على مجتمعات مغلقة بعرقيات معلومة..

بدأت فكرة "الدين القومي" تتغيَّر شيئاً فشيئاً مُنذُ أن قرر أتباع عيسى المسيح بنشر رسالتهم خارج حدود عِرقيتهم "اليهودية" "بعكس تعاليم نبيهم" وإيصالها للرومان الذين كانوا يحكمون فلسطين مما أدى لانتشار صور عدة للمسيحية حول العالم بسبب ضخامة مناطق سيطرة الرومان حينها.

وزاد الانفتاح بعد رسالة الإسلام التي أتى على مجتمعٍ مليءٍ بالأعراق والأديان، ابتداءً من العرب المتأثرين بالعقيدة البابلية، واليهود الذين هرب الكثير منهم مِن سطوة الرومان في الربع الأخير من القرن الأول الميلادي، والمسيحيين الغير مؤمنين بربوبية المسيح الذين طردتهم الكنيسة التي أسسها قسطنطين كحل للحرب الأهلية التي أنهكت روما في نفس تلك الفترة من أوروبا ومناطق سيطرة الرومان تحت قيادة قسطنطين، والحنفيين أتباع رسالة إبراهيم، وليس انتهاءاً بالفرس والأفارقة..

فلم يكُن من الممكن أن تأتي رسالة قومية لعرق معين وتجِد لها من يقبلها في ظلّ كل هذا التنوّع.

ومع أنَّ الإسلام كغيره من الأديان، أتى ثائراً على معتقدات المجتمع، منقِّحاً لها، ومُنقلباً على نظامه الاجتماعي وأتى بقيادة مركزية تُدير أمور المجتمع إلّا أنَّ التنوع الذي اتسمت به مرجعيات من سمعوا رسالته أدَّى لظهور مدارس شتَّى بداخله، تنسبُ نفسها جميعاً إلى تلك المركزية، وبدل أن تتحوَّل العرقيات التي وجَّهَ إليها الإسلام رسالته إلى قوميةٍ دينيةٍ واحدة انتهى بها الأمر لأن تصنع عديد القوميات بداخِل القومية الأمّ..

وبدأت هذه القوميات الغير مُعلنة بالتنازع ليؤدي ذلك إلى شرخ قضى على القومية الدِّينية الإسلامية وهيَ مازالت في مهدِها، تماماً كما قضى ذات السبب على القومية المسيحية التي حمتها لفترةٍ ما سطوة الدولة الرومانية، ولكن ليس لوقتٍ طويل!

"الدولة" هي مفهوم حديث تم اشتقاقه من بعض الأفكار الرومانية التي أعطت جُزءاً مِن صلاحيات القيصر لمجموعة مُختارة مِن العامة، ما بنى هيكليةً إدارية تضع قيوداً على تأثير "أفكار" الحاكم الأوحد على حياة الناس، وتجعلُ فرصةً للناس بإحداثِ تغييرٍ ما على السياسةِ التي تحكمهم إن أرادوا إحداث التغيير..

استفاد المسلمون من هذه الأفكار الرومانية بعدَ دخول الإسلام للشام ومصر التي كانت تحت سيطرة الرومان، واستطاعوا أن يبنوا مؤسسات تنظيمية قوية مكَّنتهم من إقامة أوَّل هيكلية إدارية...

وبالرغم من إيجابية وجود الهيكلية الإدارية إلا أنّ كُلّ ما أنجزته هذه الهيكلية هي نقل السيطرة على المجتمع المسلم مِن القومية الإسلامية الكُبرى التي كانت تُمثلها الإدارة الموجودة في "المدينة" إلى قوميةٍ صغيرةٍ استطاعت فرض وجودها وسيطرتها بقوّة المؤسسات التي شكَّلتها..

كان أكبر مُساعِد لسيطرة هذه القومية الصغيرة هو تمسُّك النَّاس بفكرة "المركزية" على حساب الرسالة الأصلية التي دعى لها نبيِّ الإسلام، وانتقلت السُّلطة من أشخاص ائتمنهم نبيّ الإسلام على رسالته إلى أيّ قومية فرعية تستطيع أن تفرض سُلطتها بقوّة مؤسساتها وسَطوةِ عسكرها، ودخلَ المسلمون صراعاً مُحتدماً بين المدارس و"القوميات" التي مزقته على مدار 1300 عام، حتى صار السبب الوحيد في بقاء دينهم هو التنوُّع الذي تمتعت به الرسالة الأصلية لنبيِّه..

ذات الأسباب تقريباً كانت شعلةً لكافّة الصراعات التي مزقت أوروبا وأنهكت المجتمع المسيحي.

ويُعيدنا هذا لمفهوم الدولة...

السبب الرئيسي في هلاك الرسالة الأصلية للإسلام وللمسيحية هي عدم امتلاك هذه الرسائل لأي مؤسسات حقيقية.

السبب الرئيسي في هلاك كل المدارس الفرعية بداخل الإسلام والمسيحية هو محاولة كلّ منها أن يقوم بفرض رسالته وأفكاره على جميع المدارس الأُخرى بقوة السلاح وسطوة المؤسسات..

لا يُمكن لأحد أن يطلُب الاستقرار في محيطٍ ما، إن أراد أن يفرضَ على شريكه في المجتمع أمراً لا يعنيه..

لا يمكن لأي دولة أن تستمرّ إذا لم تستطع أن توفر الحياة الكريمة لكُلّ أفرادها بغض النظر عن عِرقِهم أو عقيدتهم أوحتى أُسلوب حياتهم الشخصية..

لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى حيّاً إذا لم يستطع أن يُعطي لأصغر فرد فيه القدرة على إحداث التغيير الذي يتمناه..

ولهذا..

لا مكان للدين في هيكلة الدَّولة..



  • Abd-Allah T. Hijazy
    Full of contradictions, Filled with wounds, but overwhelmed with endless optimism.
   نشر في 04 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 05 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا