رسائل أماني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسائل أماني

الرسالة الأولى عن: جون فرانكو

  نشر في 15 نونبر 2016 .

بعثت لي صديقتي أماني رسالة من أمريكا تخبرني فيها عن شخصية غريبة تعاملَتْ معها في العمل.

في عام 2009 هاجرتْ أماني إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع أسرتها, وهناك في العاصمة واشنطن عملتْ كنادلة في إحدى المطاعم التي تقدم طعاما فرنسيا فاخرا. كل شيء كان يبدو غريبا وجديدا عليها... الوجوه البيضاء بالعيون الزرقاء والشعر الأصفر.. اللغة الجديدة.. العادات والتقاليد... الطعام والشراب...

وخلال سنة واحدة استطاعتْ بروحها الجميلة وميزة سرعة التعلم والتقبل التي تتمتع بها أن تندمج مع زملاء العمل والجيران وتكوّن بعض الأصدقاء.

شخص أمريكي واحد استطاع أن يضعها في دوائر الحيرة... إنها لم تفهمه, ولم تستطع معرفة حقيقته لأنه كان يفاجئها في كل مرة بشيء جديد في شخصيته. لذا كانت تخشاه... وبذات الوقت تحبّ تواجده!

أترككم معها الآن, لتقصّ عليكم قصتها مع جون فرانكو:

اليوم سأحدثك يا صديقتي عن شخصية عجيبة. رجلٌ يدعى جون فرانكو.

كان جون فرانكو رجلٌ وسيم جدا في الثامنة والثلاثين من عمره, طويل القامة, رفيع الوجه. شعره الكستنائي الحريري الطويل يُزعج عينيه الخضراوتين دائما وهو ينسدل عليهما بعذوبة, لذا دائما ما تراه يبعده بيديه في حركة درامية أمام النساء. رشيق الجسم وله بشرة بيضاء محمرة وحاجبان كثّان.

ورغم أنّ مؤهلاته كلها تشير إلى توجّب عمله كعارض للأزياء أو ممثل تليفزيوني –وهذا بالمناسبة ما يخبره به جميع من حوله-. إلّا أنه يصرّ دائما على أنه خُلقَ ليكون خبازا. يصنع الخبز اللذيذ وحسب!

عمله كمدير للمخبز التابع للمطعم الذي أعمل فيه كان عملا صعبا, لأنّ المطعم كبير جدا وله أفرع كثيرة, ومخبزه هو المخبز الوحيد الذي يزوّد الفروع جميعها بالخبز والكعك. ومع هذا فكنتُ دائما ما أراه يضيّع الوقت بالحديث مع أي أحد يصادفه. ثم يتمشى بين الزبائن الجالسين على الطاولات ويُجري معهم أحاديث مطوّلة. كنتُ أستغربُ كيف أنه يعمل لعشر ساعات يوميا دون أن يملّ من هذا الحديث المتواصل, ودون أن يتوقف عن الابتسام والضحك. وكأنما هذه الدنيا هي نكتة كبيرة بالنسبة إليه.

كثيرا ما كانت تسألني فتيات حسناوات عن الوسيم مدير المخبز عندما لا يرينه في الجوار. إنّ لديه جمهور عريض من المعجبين, أغلبهن من الجنس الناعم طبعا. ومع هذا فقد كان عازبا, يرفض فكرة الزواج رفضا قاطعا بحجة أنها عادة اجتماعية مفروضة علينا.

في إحدى المرات جاءنا زبون إيطالي لا يفقه في الانجليزية شيئا, وأخذ يسأل عن شيء معين في قائمة الطعام. لم يعرف أحد من النادلين كيف يتفاهم معه, وبالصدفة كان فرانكو يمرّ من هناك عندما سمع العجوز الايطالي يصرخ باستياء. اقترب منه مع ابتسامته الكبيرة التي لا تغادر وجهه أبدا. وبدأ يتحدّث معه طويلا باللغة الإيطالية! كنتُ أنا وزملائي نحدّق في جون فرانكو وقد فتحنا فمنا في ذهول, لقد حصل على محبة الزبون حتى أنّ الأخير عانقه عناقا حارا عندما خرج وأعطاه عنوانه في إيطاليا ليزوره.

صارت المواقف تأتي أمام عيني تباعا, لتزيح اللثام عن المواهب غير العادية التي يمتلكها هذا الرجل. فبعد موقف الزبون الإيطالي العجوز بشهر, أتى موقف مشابه مع امرأة صينية. أتى جون فرانكو فجأة عند طاولة المرأة الصينية. ودون أن يعلم أننا نواجه مشكلة بالتفاهم معها لعدم قدرتها على الكلام بالانجليزية, بدأ يتحدث معها بلغتها وبكل طلاقة, وهي تُطلق ضحكات الاستحسان والرضا.

مرة أيضا كنتُ في استراحة الغداء برفقة بعض الزملاء ومن ضمنهم هو. كانت زميلة لي تقاربني في العمر منشغلة في حلّ مسألة رياضيات صعبة أعطاها لهم أستاذها في الجامعة, ووعد من يحلها بنيْل 10 علامات إضافية.

ودون أي مقدمات عرض عليها فرانكو المساعدة. قابلتْهُ بابتسامة لطيفة وهي تظنه مازحا. لكنه أصرّ على حل المسألة المعقدة التي لم تستطع زميلتي طالبة السنة الثالثة في تخصص الرياضيات حلها!

أخذ منها القلم والورقة... نظر إلى المسألة نظرة سريعة ثم بدأ يكتب بسرعة. كنتُ أنظر إلى ساعتي منذ اللحظة التي أخذ فيها الورقة وحتى تسليمه المسألة محلولة إلى زميلتي. وأقسم لك أنه لم يتجاوز الدقيقتين في حلّها!!

في اليوم التالي, أخبرتني زميلتي والفرحة تشع من وجهها بحصولها على العشر علامات الإضافية.

مع الأيام صرتُ أكوّن نظرية حول هذا الرجل مفادها ببساطة, أنه عبقري. فلماذا يعمل هنا؟!

أتذكر في إحدى المرات وبينما كان المطعم خاليا من الزبائن. أنه أتى نحوي وقد انعقد حاجبيه دلالة على الغضب, شعرتُ بالفرح, فها هو جون فرانكو يغضب مثلنا نحن البشر, وقد أتت الفرصة أخيرا لأراه وهو ثائر.

سألني بصوت عالٍ: "ه ه ه هل رأيتِ (السكيتش) الذي رررسمته البارحة؟ لقد ننننسيته هنا في المطعم."

(نسيتُ أن أخبرك أنه يعاني من التأتأة في الكلام.)

أجبت: "لا لم أره."

قال: "لا ب ب ب بدّ أنه برينت. لقد تشاجررررنا البارحة وكان هو آخخخخر من ترك المطعم."

و(برينت) هذا هو مدير المطعم, الذي لم يكن على علاقة جيدة مع جون فرانكو. فهو يتهم الأخير بالتقصير في عمله وإضاعة الوقت بالحديث مع كل من هبّ ودبّ.

بعد هذا الحادث بساعتين, انتشر الخبر بين العاملين أنّ مديرنا المصون أتاه خبر سيء في الهاتف مما جعله يترك المطعم راكضا نحو سيارته. لقد تسممت ابنته من طعام ما في المدرسة وهي الآن في المستشفى في حالة حرجة.

عندما سمعتُ الخبر قلتُ في نفسي: "هذه خطيّة المسكين فرانكو, لأنه مزق رسمته."

لكن موضوع الخطيّة هذا تكرّر أمامي عدة مرات, لاغيا أي مجال لحجة المصادفة أو حجة الحظ.

كان عندنا طباخ افريقي داكن البشرة. هذا الطباخ لم يكن يحب جون فرانكو وكثيرا ما تحدّث عنه بالسوء, مع أن فرانكو لم يؤذه يوما. وفي يوم, شكى هذا الطباخ لمديرنا أن جون فرانكو يسرق الخبز. فقد رآه وهو يذهب بكيسين كبيرين من الخبز ليضعهم في سيارته خفاءً. وبالطبع فقد كانت هذه فرصة المدير للانتقام من فرانكو بتثبيت تهمة السرقة عليه وطرده نهائيا.

استدعاه المدير للمكتب, فأنكر الاتهام بكل برود ولم يغضب أبدا.

ظننتُ أن الحادثة مرّت بسلام, لكن في اليوم التالي كان المطعم مملوءاً عن آخره بالزبائن. والجميع منشغل بالعمل الذي لا ينتهي. فجأة سمعنا صوت صرخة مخيفة قادمة من المطبخ.

كان هذا هو صوت الطباخ الافريقي. لقد وقع قدر الحساء الذي كان يغلي من سخونته على يده اليمنى فحرقها حرقا كبيرا وبشعا.

.. حتى ذاك الطفل الذي أشار إليه ضاحكا وهو يقول: "إنه يتكلم بطريقة مضحكة." لم يكد ينهي جملته حتى تزحلق وهو خارج من المطعم ليقع على رأسه فيُدميه!

وقفتُ مع نفسي أسألها... هل جون فرانكو له خطيّة؟! هل حقا يتأذى كل من يؤذيه!؟ أيعقل أنّ هذه كلها مصادفات.

أخيرا,, قرّرتُ قطع الشك باليقين. جلستُ معه وهو يتناول الطعام في الاستراحة المخصصة للعاملين. تشجعتُ وسألته أسئلة كثير لأرى مقدار علمه. سألته عن الفراعنة, وعن الطاقة النووية, وعن الثقب الأسود, وعن,, وعن ,,وعن

أما هو, فقد كان يجيب ويجيب ويجيب دون أن يتوقف عن التهام طعامه! لقد أخبرني بمعلومات لم يستطع عقلي الصغير استيعابها. ولأول مرة أجرب شعور الغباء. هذا الإنسان تشعر بحضرته ببساطتك وضآلتك... إنّني أخشى عقله الآن. لكن ماذا عن موضوع الخطيّة؟ هل أتجرأ وأجربه؟

وقتها شعرتُ بأنّ كل حماقة العالم انصبّت فيّ أنا. وقفتُ فجأة وقلتُ دون أية مقدمات: "فرانكو أنت إنسان مختل وجبان ومعتوه!"

نظر إلي وابتسم ابتسامة كبيرة كعادته, ثم عاد لإكمال طعامه.

تجمّدتُ في مكاني وأنا أنتظر أن ينزل على رأسي شيء ما من السقف, أو تأتيني رصاصة غادرة مثلا. لكن لم يحدث شيء!

وعندما انتهى دوامي اتجهت إلى محطة الميترو التي تحتاج عشر دقائق من المشي لبلوغها.

فجأة ودون أدنى توقع مني, مرّت من جانب الطريق الذي أمشي فيه دراجة مسرعة,,, انتزع صاحبها حقيبتي بسرعة خاطفة. وتركني أركض ورائه كالبلهاء وهو يبتعد عني بسرعة حتى أصبح نقطة صغيرة.

هنا قلتُ بصوت مسموع والعبرات تخنقني: "جون فرانكو. ليتني لم أشتمك!"

التوقيع: صديقتك أماني

من الولايات المتحدة الأمريكية  


  • 3

  • نور الكنج
    كاتبة/متزوجة/ جذوري نبتت من العراق وامتدت إلى الأردن وسوريا واستقرت أخيرا في أمريكا. الخيال هو صديقي الصدوق مثله مثل الكتابة والقراءة والرسم. أكتب قصص أطفال وقصص كبار (تستعد للنشر الآن) أم كلثوم وعبد الحليم يضعانني في ...
   نشر في 15 نونبر 2016 .

التعليقات

Afnan Na'es منذ 1 سنة
أسلوب وكلمات تجذبُ القارئ وتشُدّه للمتابعه...بوركت أناملُك الذّهبيّه...
0
نور الكنج
أسعدني مرورك جدا يا أفنان...

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا