أنا وجندي إسرائيلي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أنا وجندي إسرائيلي

عرب الشتات.. عرب المهجر.

  نشر في 23 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 شتنبر 2019 .

صباح اليوم :
" المطر يريد أن ينزل ولا ينزل.
الشمس تريد أن تطلع ولا تطلع.
جوّ يُحرّك الحزن، مثل ذكرى حُبّ قديم.
ربما لأن العمر يمضي، ولا -( ميّ إلا أن تزور بمشرف ) غيلان العبقري المسكين ياله من شاعر - والوطن أكثر فأكثر مثل حلم صعب المنال.
تنظر وتتأمل وتقارن.
كل شيء يذكّرك بالوطن.
- الطيب صالح
برشلونة

     وقد قال غيلان في ميّ - وهو معروف بـ ذو الرمة -:

على وجه مي مسحة من ملاحة
وتحت الثياب العار لوكان باديا
ألم تر أن الماء يخبث طعمه
وإن كان لون الماء أبيض صافيا
فواضيعة الشعر الذي لج فانقضى
بمي ولم أملك ضـلال فؤاديا

     الله ما أبدعه.. كنت وما زلت في صحبةِ الطيب صالح لا هو في صحبتي.. فأنا الذي اخترته لا هو الذي اختارني؛

طيب كاسمك . صالحاً حتى الممات،
فمنك يا عبقري الرواية ننهلُ..
في الطائرة حيث بِنَّا،
في السماء، فوق السحب كنا..
من موسم الهجرة ابتدينا
إلى الغرب في المهجر صرنا.
من مختاراتك أروي الحنين
ومن أدبك تُسقي العاشقين
من أسلوبك تُلهم الكُتّاب
ومن حبكاتك تُعجز المحاولين.

     كان الطيب صالح في جولة لإلقاء بعض الندوات والمحاضرات في بعض الجامعات الغربية، حول الأدب والمهجر والعرب .

     بطبيعة الحال، التقى بكثير من الرحّل العرب. المهجرين تحديداً.. عاشوا واستقروا وتزوجوا من هناك.. فالجيل الثالث سيقول :( كان جدي عربي ). كان.

     قال له الداعون :

     ( سوف يكون في المؤتمر مختصون ولكننا نريد منك أن تتحدث بوصفك كاتباً وإنساناً جرّب الهجرة ).

الهجرة إلى الشمال.. الهجرة من الأوطان.

     تساءل؛ بعد كل الشتات الذي رآه وعاشه مع العرب الآخرين:

( هل خيرٌ أم شر كلّ هذا الشتات ؟).


يقول عنهم:

" كل واحدٍ منهم طاقة. ووراء كل واحدٍ منهم قصّة. "

    لا تفتح الجراح .. ولا تسمع القصص. فالقصص عجائب والعجائب لا تنتهي.. تحديداً  عجائب أن تضيق الأرض على الإنسان.

     أنشد له الدكتور عبدالمجيد العركي، قصيدة كتبها تعبيراً عن شوقه إلى والده، وأظنه قد جسّد وطنه في روح والده :

مضى زمنٌ على لُقياك يا أبتي
عواقبه. نوائبه.
مرافئه. مفارقه.
مضى زمن عيون الشمس مُغمضةٌ
ولفح البرد جذلان.

ولفح البرد جذلان .


     هؤلاء هم عرب الشتات.. وارحمتاه للغريب في بلد النازح ماذا بنفسه صانعاً ؟ فهذا قيس وهذا لؤي، وهذه هند وهذه سلمى.. الأسماء أسماؤنا والهوية لم تعد كسابقها.


هنا توقفت..

جلس معي في طاولتي عائلة من رجلين وامرأتين وثلاثة أطفال.

استأذنوا الجلوس وأذنت لهم بالطبع.

أهديت ابنتهم الصغيرة حلاوة مغلّفة بطعم الشوكولاته.

ابتسمت الأم بعد أن رأت عنوان الكتاب الذي اقرأه:

عربي ..؟

نعم من السعودية.

تحمست بعد السؤال، وسألتها من أين .؟

هذه المرة تغيّرت ابتسامتها، لم يطمئن قلبي لها، مع أنها أكبر من أمي بكثير؛ من إسرائيل .!

لنتوقف قليلاً..

     أن أكتب الآن في هذه اللحظة وهم معي، عن شتات العرب، وقبل سويعات كنت أسمع قصائد ايليا أبو ماضي ثم أقابل عائلة إسرائيلية ! هم عائلة ولا شأن لهم.

لست أظلمهم.

     بعد قليل جلس والدهم، ورأى الكتاب، وسألني :( أنت ساكن هووون !! ) بلهجة شامية !

التفت وقلت: كيف تعلمت العربية ؟ متحمساً يال سذاجتي.

قال : كنت جندي في الجيش الإسرائيلي لمدة ١٧ سنة، كنت طول هذه الفترة في غزّة .!

في غزة ! .. غصّة. صدمة لم أحسب حسابها.

     أرى أطفالهم يلعبون ويضحكون، لا يعرفون ماذا فعل أجدادهم في العالم .! سيعلمون إن أرادوا الحقيقة يوماً ما.

غيروا طاولتهم ، لم يجلسوا كثيراً..

قلت لوالدهم قبل أن يذهبوا :

     صدفة ! أكتب الآن. الآن عن "عرب الشتات" وتعرف جيداً دوركم المباشر في هذا الشتات ؟

     أخبرته أنني أكتب الآن عن بعض المشاعر التي سببوها لبعض العرب. أن نترك أوطاننا يا انطونيو ! وتتفرق عوائلنا؛ هل تعلم أنهم لا يجتعون كلهم حتى في العيد، وهو العيد ؟

     وجهه لم يتغير، لا أعتقد أنه سيتأثر، فهو قد حمل السلاح ضد الفلسطينين لمدة ١٧ سنة !

لن تؤثر عليه الكلمات.. لكنِّ لا أملك إلا هي.

أردت أن اسأله:

( كم قتلت ؟ كم آذيت ؟ كم أهنت من امرأة ؟ وكم من كبير لم توقّر شيبته ؟ ). أردت أن اسأل.. لكن لم اسأل.


     الجانب المشرق يا رفاق من كل هذا الشتات؛

     أننا في كل مكان، ننشر قيمنا ومبادئنا وديننا.. هذا الشتات يوماً ما سيجتمع، وبعد خبرات الشتات سنكون أقوى.


     أضحك الآن وأنا أكتب، وكيف تسلسل هذا القدر؛

     في الصباح أقرؤ عن هجرة العرب، وتحت المطر كنت أستمع لـتميم وهو يقول "في القدس" والآن أجلس مع جندي إسرائيلي .!

     بدأت المقال وكانت ملامحه واضحة؛ سأبدأ بـ ذو الرمة وأنتهي به.. لكن دخل الإسرائيلي وعكّر المزاج. كدولته؛ دخلت بين العرب و...

                                 ...

     في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ.. تميم.


  • 3

  • محمد الشثري
    خرّيج إدارة .. وأرى التأمل أسلوب حياة .. والقراءة فرضُ عين! .. والكتابة سعي للبقاء .. وأحاول أن أعيش أكبر قدر ممكن من التجارب ..✨
   نشر في 23 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 شتنبر 2019 .

التعليقات

إسراء منذ 3 أسبوع
لا أعرف ماذا كانت ستكون ردة فعلي إن كنت في هذا الموقف وسمعتها تقول اسرائيل ..!!
و هل سيتغير شيء ان عرف ابنائهم الحقيقة سواء ارادوا ذلك ام لا .. " هذا ما وجدنا عليه ابائنا " هكذا دائماً يردون و يقولون و كأن جُرم ابائهم و احتلالهم هو وجوب ملكيتهم لأراضي أهالينا في غزة ..حسبنا الله ونعم الوكيل .
و لكنها حتماً ستعود ..هذا يقيننا .
شكراً لجهودك..بالتوفيق.
1
asma.yasser منذ 3 أسبوع
"بعد خبرات الشتات سنكون أقوى" جميل جداً
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا