الإشتراكية بوصفها نقيضا لمهمة الإنسان..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإشتراكية بوصفها نقيضا لمهمة الإنسان..!

موقف نيتشه من الاشتراكية.

  نشر في 26 نونبر 2016 .

يتناقل نيتشه في نقضه للاشتراكية بين التعاليم الدينية (اليهودية-المسيحية)، التي تظاهرت الاشتراكية بكثير من مبادئها في تأسيسها الضمني، فيتناول ضمن كتابه (Le voyageur et son ombre)، المبدأ اليهودي الذي تجلى واضحا في منابت الفكر الاشتراكي. على أن الإشتراكيين نقلوا الوصية الثامنة للنبي موسى من "لا تسرق" إلى "لا تملك" ، فتحوير المسألة من ملكية فردية إلى جماعية تبعث الإنسان على تحطيم الأرض بما أنها فرصة غير كافية -التشارك- لتحقيق إنسانيته. حيث تأخذ الأرض هنا بعدها الزراعي المنصوص عليه في الإشتراكية التي تعتبر أن الإنسان بمثابة "فلاح مؤقت"، فهذا المؤدى يلغي الاهتمام بالأرض لأن الإنسان لا يهتم بشيء لا يملكه لذاته، لذا فإن نيتشه يذهب إلى القول "من السهل القول ((قطع أراضي متساوية)) كم من الحرقة تلدها تلك التفرقة والتمزقات الذي يجعل هذا الإشتراك ضروريا وخسارة هذه الملكية القديمة المبجلة، كم من عقيدة مهانة ومضحى بها" ، ومما يأخذ على هذا أن الاشتراكية بوصفها نمطا للحياة الحديثة، هي في الأصل سليلة أفكار دينية قديمة تقوم على التضحية في سبيل بناء واقع متشارك فيه، وبالتالي هي فقدان للفردانية والنزعة الذاتية التي تحقق مهمة ودور الإنسان في الحياة.

تقوم العقيدة الاشتراكية بَينيًا على مبدأ عدم توجيه الضرر والعنف إلى الفرد الآخر، واحترام إرادته وتقديرها، والتقاسم الآني لأقنية الحياة ومصارفها، وهو السلوك العام الذي يربط مجموعة الأفراد ضمن النسق الاشتراكي. ما يعتبره نيتشه ضد إرادة الحياة ونكران لقيمتها في التفرد والتميز والدعوى إلى العلو والتفاضل، فقيمة الحياة عند نيتشه هي إضطهاد الآخر وفرض إرادتنا عليه واستعباده، فهذه طبيعة الحياة التي تقوم على مبدأ القوة داخل المجتمعات.

فنفي عقيدة الإنسان المتميز المترفع والمتعالي على المجتمع بأكمله تعدُ ضربا من ضروب المهانة والانتماء إلى مجتمع القطيع، وبهذا هي توضيع وتركيع للإنسان ذو الأنا الحر، وهو مربط مسيحي حملته الاشتراكية في كنفها، بأنها رفعت قيمة العبيد لتحقيق السعادة بالخلاص من موروث وصاية الطبقات العليا، وهي حسب نيتشه أخطاء شيطانية حملها الإنجيل "ذاك هو وجه الاشتراكية الحقيقي: وراء هذا الوجه تتستر الفتنة وجماع الحقد ضد الأسياد وتوق العبيد إلى التحرر" ويتراءى له في هذا أن الاشتراكية هي عقيدة مجتمعية (سوقية) تدعو إلى تحقيق فضائل كالخير والحق لتساوي الأفراد فيما بينهم، وهي غاية اختلقها البلهاء لاغتيال الشأن الخاص، وبدورها هي تتحيف لتَسَيُّد وتسلط وانتقام غايات ساذجة من طبيعة الحياة وإراداتها، رغم أنها -الحياة- قوامها التملك والنمو والتطور.

وينقلب نيتشه على المبدأ الأرسطي القائل بأن "الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه"، فيقول "إن الإنسان حيوان مفترس متوحد، فالأقوياء الذين هم سادة النوع البشري يميلون بالضرورة إلى العزلة والتفرد، وينفرون من كل نظام يضطرهم إلى الاتحاد والتجمع" حيث يعتبر أن الطبيعة تلغي التجمع وتبعث على التفرد، لكنه لا ينكر توحد الأقوياء ضمن مجموعة واحدة لقضاء شأن يزيد من قوتهم في السيطرة وإخضاع الآخرين، وهو الوجه الوحيد الذي يؤيده نيتشه من أوجه التجمع والاشتراك على اعتبار أن الاقوياء من صفتهم التميز ومهما تشاركوا فإن ذواتهم تبعثهم على معاكسة التجمع والتشارك، وهذا سيفضي في الأخير إلى التحرر من التبعية والتوازي.

وبالتالي فإن خلاصة الإشتراكية التي تدعو إلى أفراد متساويين في الحقوق، هي قتل للإنسان واختزاله وتدميره، بما هي مناقضة لمبادئ التفاضل بين الناس. والتي تحمل في طياتها أزمة اعتقاد رهينة بذلك الإشتراكي الذي يريد الزحف نحو حقوق أكثر لانعدامها بمصوغات ومبررات مبادئ الحق المتساوية بين الناس، فــ"حين يطالب الاشتراكي، بسخط جميل، بالـ((عدل))، و((تساوي الحقوق))، فإنه يكون تحت تأثير ثقافته غير الكافية لمعرفة سبب معاناته: كما أن هذا يشكل متعة له،- فلو كانت ظروفه أفضل لما رفع عقيرته بذلك: إذا لوجد متعته في شيء آخر" فالنظرة النيتشوية هنا دائما تشكك فيما هو دافع لتنفيذ العبقريات الزائفة، بتغليب وتغطية قيمية للمفاهيم ومبادئها.

 يهتم نيتشه في نقده للطابع المفاهيمي ذاك أن المفاهيم الحداثية ظلت تبحث عن استكانة نفسية تغبط الإنسان الحديث، وأن أثر هذه النظريات في سلب الحياة قد طالت روح الإنسان، مما رفع حجم التحدي لدى نيتشه لقلب كل هذه المظاهر والدفاع عن منطلقات الحياة وتبريرها، حيث شهدنا أن كل النقد الذي قدمه للتدويل المعرفي الحداثي، كان بمثابة وضع المفهوم على سبيل التقييم الحياتي وتصويبه نحوها أو رفضه من جذوره وأصوله.



   نشر في 26 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا