صرخة طفله - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صرخة طفله

الجزء الأول

  نشر في 14 يونيو 2019 .

كل شيء لايزال عالقاً في ذاكرتي اللعينة، أحاول بجهد نسيان تلك التفاصيل السيئة التى تذكرني كل ثانية بذلك اليوم، يوم مماتي و أنا على قيد الحياة، في عزّ طفولتي أتعلم خطوة خطوه كيف أتنفس الأحلام والطموحات، أبني من اللاشيء أشياء لترفعني درجات، ثم أعانق قمة الإنتصار يوما ما.

في الثالثة والعشرين من تموز، شهد الجميع على موتي بفرحة، كنت الوحيدة بينهم التى جلست تندب حظها السيء، الكل يرقص بينما كل ما بداخلي يتمزق إلى الأطراف ثم إلى الأجزاء، بينما الكل يشهد على تلك اللحظة التى لبست فيها الخاتم، اكتفيت فقط بمشاهدة ذلك السقوط و الارتطام، كان مؤلما لدرجة إنكسرت فيه جميع أضلعي حتى استنزف جسدي الكثير من الدم، كان ذلك الألم من نوع آخر تماماً، ألمٌ لا يترككِ تصرخين، ولا يمنح لروحكِ فرصة الفرار من جسدك بل يجعلك تكسرين كل ما بداخلك، تؤذي نفسكِ أكثر معتقدةً أن الأذى سيخمده، ستشتمين بكل الألفاظ السيئة، و تشمئزين من ذاتكِ كونكِ لم يعد لوجودكِ معنى، ولا لصوتكِ صدى، ولا لحياتكِ روح، كأنكِ شبح، الفرق بينكِ و بينه، هو أن الناس تخاف منه، لكن أنتِ! أصبحتِ لنفسكِ شبح تخافين من ظلكِ، وحيدة تماماً ليس هنالكِ من يحتويكِ، من يخفف عنكِ، من يمرر يد الأمان على رأسكِ، و يمنحكِ الدفء و الهدوء، وحيدة في زاوية بغرفة مظلمة، في أحد الكهوف ليس هنالكَ من يصل إليكِ و ينقذكِ، قريبة من الموت و بعيدة عن الحياة، تطالبين بالموت مرارا و تكرارا، و كأنكِ تجدينه يقول لكِ " إنتظري في الطابور، لم يحن دوركِ بعد"، تتسائلين مرات عديدة: "ما الذنب الذي اقترفته"، ثم تجيبي نفسك: " الحياة كالسجن ليس كل من دخل إليه ظالم، وليس كل من خرج منه مظلوم"...

كنت في السادسة عشر من عمري، أتذكر ذلك اليوم بجميع تفاصيله المملة التى لا تزال عالقة في خلايا دماغي، كنت عائدة للمنزل بخطوات سريعة، أحمل خبر نجاحي، صاحبة المرتبة الأولى، كانت السعادة تغمرني من كل الجهات، و فرحتي عانقت حدود السماء، كنت أبتسم للمارة، و لاطفت كل الحيوانات التى مرت على طريقي، قاسمت ذلك الجهد الذى حصد النجاح مع الجميع حتى مع البقال الذى يقطن بحيّنا.

دخلت للبيت فوجدت أمي تنتظرني عند الباب رمقتها بنظرات تملؤها السعادة، قلت لها:

-هل أخبرتك المديرة...

قاطعتني و أخذتني بسرعة إلى المطبخ، كان يبدو عليها الإرتباك، سألتها:

-ما الخطب؟،

-اذهبي إلى غرفتك و غيري ملابسك لدينا ضيوف، هيا بسرعة.

دفعتني خارج المطبخ و أنا أتساءل:

-من هؤلاء الضيوف؟، لم عليَّ أن أغير ملابسي؟! غريب أمرها اليوم!.

صعدت لغرفتي، وجدت لباساً فوق السرير، علمت ماذا تقصد أمي بتغيير ملابسي، كان طويلاً، لم أكن معتادة على الملابس الطويلة، لكن رغم ذلك ارتديته، ثم عدت إليها لأخبرها بنجاحي فإذا بها صاحت في وجهي قائلةً:

-ماذا تفعلين هنا؟ سوف تتسخ ملابسك، اذهبي إلى الصالون فأبوكِ ينتظرك هناك،

-ما الأمر يا أمي؟ ليست من عادته أن ينتظرني عند الضيوف

-اذهبي فقط، لا تكوني كثيرة الفضول، ستعرفين كل شيء بعد قليل.

كنت أجهل تماماً ما يجري في منزلنا، لكنني تجاهلت كل تلك الأمور، لم أكثرت لها، فالسعادة التى كانت تغمرني حينها، تتخطى كل تلك الأشياء حتى الأسئلة.

دخلت للصالون و الإبتسامة على وجهي، كانوا الضيوف غرباء نوعا ما، لم أرهم من قبل، ألقيت التحية ثم جلست بجانب أبي فإذا به يقول:

-ها هي ابنتي الكبرى صَبَر، (يقهقه)

تكلمت إحدى النسوة التى كانت جالسة بينهم:

-لديك ابنة جميلة جداً!!

- و كيف لا يا سيدتي، أنا لا أنجب إلا الجميلات، (يقهقون)

لماذا يعرفهم أبي عني؟ من هؤلاء؟ على ماذا يقهقهون؟، كل هذه الأسئلة دارت برأسي، أحسست بينهم بالغربة، كنت أنتظر بفارغ الصبر ذهابهن لأسعد أبي بالخبر، كان الوقت حينها يمر طويلا ومملا، لم أفهم شيئا من تلك المواضيع التي كانوا يتحدثون فيها أو بالأحرى، عقلي لم يكن يريد استيعاب كلامهن، لمحت عيناي لرجل كان يجلس بينهنَّ،بين الفينة والأخرى يرمقني بنظرات غريبة حتى أنني قلت بيني و بين نفسي: "ما خطب هذا الأحمق السمين، يا له من قبيح الوجه، يثير الاشمئزاز"

فجأة، قال أبي:

-إذا البنت هي الآن ابنتكم،

قاطعته قائلةً بكل سذاجتي:

-لن أعود ابنتكم بعد الآن؟

أجابني و الكل يضحك:

-لا يا ابنتي، ستتزوجين أنت الآن أصبحت -امرأة كبيرة- يجب عليك الآن أن تؤسسي أسرة، تنجبين أبناء و ترعي زوجك...

كان كلامه كالصاعقة، لم أفهم أي شيء مما يقوله، تشابكت الأفكار في رأسي، أصابت أذناي برنين جعلني أفقد السمع لثواني، لم أعد أسمع أي شيء من كلامهم أو ضحكاتهم العالية، شعرت كأن الوقت توقف فجأة، حتى أحسست بدوارن الأرض، أردت البكاء حينها، لكن لم تنزل دموعي من قوة الصدمة، كل شيء فيِّ تجمد، أفكاري، أحاسيسي، نبضات قلبي، اكتفيت فقط بالنظر لعيّني أبي، وأنا أسألهما، لماذا فعلت بي هكذا؟

قال أبي مخاطباً الأحمق السمين:

-هيا يا بني لا تخجل، قم و ألبسها الخاتم، هيا يا ابنتي هيا انهضي، لقد أحضر لك خاتم صنع خصيصاً من أجلك،

أخذني من ذراعي ليجعلني انهض على أرجلي التى لا تكاد تحملني، أخذ يدي و مدَّها إليه، كأنني مجرد قطعة بالنسبة إليه يريد أن يتخلص منها أو ربما حمل ثقل عليه لا أعلم.

ظللت أشاهد ذلك الأحمق ذو الوجه القبيح وهو يلبسني الخاتم، كان الأمر أشبه تماما بالمذنب الذي ألبسوه الأصفاد رغما عنه، لا يدرك جريمته، إن حاول الدفاع عن حقه سيتم تكذبيه، أما إذا حاول الفرار فسيتعرض إلى أشد العقوبات.

من كثرة عدم تصديقي لهذا الأمر المفاجىء بدأت أتسائل مئات المرات، هل هذا مجرد كابوس؟ أم ما أعيشه حقيقي؟، ثم أعود مجدداً أنظر مباشرة في بؤبؤة عيني أبي، ارمقه بنظرات العتاب.

لوهلة، هرولت مسرعة إلى أمي لكي اجعلها تنقذني، لكن! وجدتها تقول لي:

-صَبَر! تعلمين جيداَ أنه لا يمكنني مناقشة والدك في قراراته، كل البنات في عمرك يتم تزويجهن، حتى أنا تزوجت في عمرك، ستعتادين، الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الخوف، و بالتالي فالرجل محترم و ابن عائلة كبيرة و غنية، يملك عمل محترم و منزل، لن تحتاجي لأي شيء معه،...

-أ أنت يا أمي تفعلين بي هذا، أ أنت أيضاً؟.

لم أكن أريد جوابا منها، رغبت فقط في الفرار من كل شيء، ربما لأنني شعرت بالضعف و العجز، كان ذلك الأمر أشبه بالخيانة كونهم لم يأخذوا رأيي في هذا الأمر، أحسست بالتخلي و اليُّتم أيضا، عندما لم يعد لي حضن يحضنني، ولا أذن تسمعني.


  • 4

  • souhayla kheir
    " هدف كتاباتي ملامسة قلوب البشر و ليس الشهرة كما يعتقد البعض "
   نشر في 14 يونيو 2019 .

التعليقات

Menna Mohamed منذ 5 شهر
قصة رائعة احسنتي سهيلة انتظر بشوق الجزء الثاني موفقة حبيبتي ❤
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا