سجينة الفستان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سجينة الفستان

قلوب سجنها الوهم

  نشر في 17 فبراير 2017 .

ليس بالضرورة أن تحتفظ الأيام بنفس بريقها. فقد تأتي الرياح بعكس ما تشتهي السفن. حتي إذا ماعاندنا الرياح لاستكمال الطريق وجاهدنا واجتهدنا وسرنا في مواجهتها, فقد نخسر الغالي والنفيس, ونكسب فقط شرف المحاولة. هي فقط مجرد محاولة مفعمة بأمل في البقاء علي قيد الحياة, ولكن من المؤسف أن نكتشف أنها لم تكن حتي لتستحق ذلك الشرف وأنه عليها بكثير, وأنها لم تكن بحياة بل مجرد سجن والمؤلم أن تنال منا طعنة من نفس اليد التي أمسكنا بها طيلة الصراع خوفا عليها.

يا لها من أيام طوييييييلة تلك التي انتظرت فيها أن أختار فستاني, ذلك الفستان الذي سيهبني أجنحة بيضاء تماما كلونه. سيجعلني أطير وأحلق بعيدا, سيسعدني كثيرا وسأفرح به أكثر كلما ارتديته, كلما لمسته أو حتي كلما نظرت إليه. جاءت تلك اللحظة اصطحبت أحب الناس إلي قلبي, آنذاك! ذهبت في جولة لأختار فستاني وأصررت أن يكون لونه أبيض. من بين العشرات, رأيته وأعجبني لدرجة أني ارتكزت علي ركبتي لأتأمل تفاصيله, لونه أبيض كالثلج, بريقه زاهي كحبات المطر, ولتصميمه رقة لم أرها من قبل, أبهرني جماله واقتنعت به فقررت شراؤه. قررت وبسرعة واستقر رأيي عليه دون النطر إلي غيره. هو ذلك الفستان الذي لطالما كنت أبحث عنه. بعض التفاصيل التي لم أكن راضية عنها وكان لابد من تغييرها هي التي جعلتني أتوجه به إلي المصمم ليعدل لي بعضها. كان غالي الثمن بل باهظ ومادفعته كان ليس فقط كل ما أملك بل كان أغلي وستعرفون  كم دفعت ولمن.......

لم يعجبني أبدا سواه, كان مختلفا حتي أن لكل تفصيلة من تفاصيله بريق يدمع عيني. أحببته لدرجة أنستني أن هناك منه العشرات بل المئات والآلاف والمحلات ممتلئة, لم أعط نفسي فرصة المقارنة ولما؟ فأنا به مقتنعة. قررت ألا ارتد غيره حتي أني لم أعد أري أن هناك ما هو أنسب لي منه. فستاني كان مهندما يلفت الأنظار, كان ينتابني شعورا أن من يراني بهذا الفستان يحسدني عليه, وكثيرا ما وثقت بنفسي وكيف لا؟ فهو أول اختياراتي وأفضلها. هو الأنسب علي الاطلاق وقد اكتملت بعقلي فكرة أني حسنة الاختيار, فكثيرون أثنوا علي ذوقي وحسن اختياري للفستان, إذن أنا أستطيع موازنة الأمور والحكم عليها وأنا أختار الأفضل وبشهادة الكثير. إلا واحدة .....

بعد فترة من الانبهار تعرفت علي قاعدة حياتية مهمة ألا وهي: أن لكل عملة وجهين والعيوب والمميزات يجتمعان في عملة واحدة, في شئ واحد, في شخص واحد. هو كغيره له بعض العيوب, لكن فستاني يبهرني نعم هو ليس الأجمل علي الإطلاق, ولكنه يناسبني ويشبهني وهو بالفعل أنيق.كانت هناك بعض الانتقادات والتعليقات ولكني رأيتها بسيطة وأصغر من أن أبدل أو أقرر تغيير الفستان. تأقلمت معه وسعدت به. تجرأ البعض ليعلن لي رأيه صراحة في الفستان وأنه لابد من تغييره هو بالفعل ليس بتلك الأناقة التي تجذب الأنظار كما أدعي, هو ليس بالشياكة التي تجعلني أنبهر به دون غيره, هو شكلا وليس مضمونا. سمعت الأكثر من هذا حين ذهب البعض برأيهم إلي ما هو أبعد من ذلك وأعلنوا أني لا أبدوا أبدا أنيقة بهذا الفستان, هو بالفعل سيء الخامة وإن حسنت زينته. ارتديته عشرات المرات واستشرت مرآتي وكل مرة أري بعيني تلك التفاصيل الرديئة التي يحاول البعض لفت نظري إليها ولأني أحببته كنت أواري عيني عنها وكأني لا أراها, هي تفاصيل صغيرة جدا وثانوية حقا وأن أبدوا به جميلة وسأكون باختياري سعيدة كل مرة حال ارتديت الفستان.

لم تكن مرآتي إلا لسان حالي, هي ليست ناطقة بالحقيقة, هي فقد تعكس لي صورتي وبريق عيني التي تلمع لرؤية فستاني. مرآتي لم تخف عني عيوبه هي فقط حاولت أن تريني مشاعري لتواري عني قبح فستاني وردائة اختياري. مر الوقت حاملا من عمري السنين والأنين, وأخيرا استطعت أن أستسلم لعقلي في غيبة من قلبي. استمعت له مرة واحدة وكانت كافية أن تريني الحقيقة كاملة. اختياري لم يكن في محله وفستاني لم يضف إلي بل انتقص مني. أردت ان أعطي لنفسي ولو مرة الفرصة أن أحكم علي اختياراتي ولكن بشكل غيرعاطفي وأن أتحري المصداقية مع نفسي فكفي عليها من تلك الأكاذيب التي أودت بها إلي حيث لم تكن أبدا لترسي. أوصدت علي قلبي ألف بابا وكان الحديث بيني وبين عقلي وأخيرا قرأت بعين العقل الحقائق التي وارتها عين القلب, تلك الصور الخفية بين السطور وبوضوح, وفهمت.

استرجعت ذلك اليوم حين اشتريت الفستان حيث قالت لي أحدهم بأنه لايليق بي. صارحتها بأني أعلم وكان علي بأن أختار الأفضل منه ولكن عيناي لم تريا للأسف ما هو أفضل منه وحين رأيته أغمضتهما عن كل ما هو دونه. و استطردت بأني أري مابه من العيوب وسوف اتداركها ولن يلحظها أحد, فالفستان بالفعل قيم ومبهر ولكنه بحاجة لبعض التفاصيل التي قد تساعد في اظهار بريقه. بكيت لها بدموع قلبي الذي تعلق به ولا يري سواه, وكان رأيها صائب وإن لم يدركه عقلي إلا في غفلة من قلبي. أدركت معني ما قالته بثقة: مع أول رقعة سينتقص منك الفستان وستنهاري بسبب رخص اختيارك.

ومرت السنين وأدركت أن الحياة توقع بنا أحيانا علي غير أشكالنا, أدركت أن الحب نعمة من السماء إذا مانزل الأرض تلوث بفعل مدعينه. اكتشفت أن الفستان ردئ الخامة سيئ التصميم. اكتشفت أن عيني لم تلمع إلا لبريق زائف. اكتشفت أني اضعت السنين في وهم رخيص. كنت كلما اكتشفت عيبا في الفستان واريته, إما بوردة أو برقعة قماش هي أغلي من ثمن الفستان نفسه. مر الوقت وامتلأ الفستان بالرقع وبدي أرخص وأسوأ. لم تكن المشكلة فيما يبدو عليه الفستان ولكنه أضفي عليا صبغة هي ليست مني. اكسبني سمعة من الباطل بأن هذه الرقع تليق بي واستحقها. عرفني البعض بصاحبة الفستان الرخيص ذو الرقع, بل قال البعض بأني أشبه فستاني. اكسبني سمعة أني يليق بي مثل هذا الفستان, فأصبحت سجينة الفستان. حينها قررت أن أتعايش معه وأن أقبله كما هو, فأنا لازلت أحبه وقلبي متلق به, فأنا من اخترت الفستان ودون أي تدخل أو إجبار من أحد. واريت الفستان عن الأنظار مرات وواريت عيوبه مرات ومرات ولكنها أكبر من أن تواري وكأن الفستان نفسه يريد أن يودي بي.

أدركت أن من توسمت فيه أن ينثر الورود بقلبي هو من زرع به الحزن, أغلقت عين القلب لأفتح عين العقل, حاولت أن استسلم لعقلي بعيدا عن قلبي, وتقبلت مرارة الحقيقة. أنا من جنيت علي نفسي وأضعت من عمري أجمله, أنا من سجنت نفسي داخل ذلك الفستان الذي لايليق بي ولا يناسبني. وكانت النتيجة أن انهار قلبي وهو يعلم أنه كان ولايزل سجينا وليس له من مفر. استسلمت لعتاب العقل, قررت أن أجلد نفسي فأنا المذنبة التي اختارت ذلك الفستان, التي أسأت الاختيار والتي سجنت نفسها داخل الفستان. استوعبت الدرس رغم قسوته وأنه لا أحد يتغير فجأة هو في الأساس غير مناسب كل ما في الأمر أننا في لحظة استسلمنا للوهم, وبعد الكثير من الوقت نبدأ في استيعاب الواقع الأليم, في لحظة ما نغلق عين القلب ونفتح عين العقل فإذا بنا نري بعقولنا الحقيقة التي لم نكن نراها بقلوبنا, تلك القلوب الضعيفة التي تفضل أن تعيش وهما كاذبا علي ألا تواجه الواقع, وبالرغم أن المواجهة كانت ستوفر من العمر أغلاه الا أنها ظلت سجينة الباب المغلق. أخطأت مرة هي بمثابة ذنب وأعلم أن الأيام كانت كفيلة بمحاسبتي عنه. أخطأت ومن منا لا يخطئ كل يوم حين استسلمت لأحاسيس واهمة وصادمة. أخطأت حين توسمت ما ليس فيه, فقد سلمت لحب كاذب قلب نقي, أخطأت لأني امنت به واعتقدت أنه لي الأنسب, بل رأيت عكس ما كان يجب أن أراه فيه, أخطأت وقررت أن الاستمرار في الخطأ أسوأ من ارتكابه, حينها أدركت أن مكان الفستان ليس بدولابي وأن الحب الكاذب ليس مكانه قلبي, قررت أن أقطعه وألقي به في المكان الذي يستحقه, ولكن تقطيعه ليس علي باليسير فسوف أجرح قلبي بيدي فيزرف الدمع دما. وكانت النهاية أن حلت ذكريات الأمس بالمكان الأنسب لها لتسكن وإلي الأبد مقبرة الماضي. حنيني إليه لم يهدأ يوما حتي وان واريته عن العيون. قلبي يشتاق له ولكني تعلمت كيف أدفن ذلك الحنين حتي وإن تبين مجددا طريقا لعودته.  ليست كل الأبواب المغلقة بمفاتيح موصدة: فهناك قلوب سجنها الوهم, وقلبي لن يعود سجينا.

















  • 4

  • أميرة أحمد
    طالبة دكتوراة في تخصص اللغة الفرنسية وآدابها
   نشر في 17 فبراير 2017 .

التعليقات

رغم ان المقال انثوي الا انه جعلني اكمله للنهايه اشكرك على المقال الجميل
1
Amira Ahmad
اشكرك علي القراءة واسعدني التعليق. تحياتي.
أميرة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا