«أداجيو» لإبراهيم عبد المجيد.. رواية البهجة الاستثنائية.. والحزن العبقري! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

«أداجيو» لإبراهيم عبد المجيد.. رواية البهجة الاستثنائية.. والحزن العبقري!

تمضي الأحداث، كلحنٍ موسيقي آسرٍ، ينفث المتعة الممزوجة بالأسى في نفوس سامعيه، قد تنتابه لحظات بهجة، وتعلو في جنباته أصوات ضحكات، لكنه يستمر في صعود سُلَّمه الموسيقي، والالتزام بنوتته الموسيقية الصارمة، متجهًا إلى لحظة الختام الحتمية.

  نشر في 26 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

عن الدار المصرية اللبنانية، صدرت رواية «أداجيو» للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد؛ لتضيف إلى قائمة إبداعاته الثرية، عملًا جديدًا، يأخذ قارئ عبد المجيد إلى عالمٍ مكمِّلٍ لعوالمه الأثيرة التي دخلها معه في أعماله السابقة، حيث ينتقل من حديث المدن والصحارى، إلى همس الموسيقى، وشجن اللحن الأخير.. قبل الوداع!

ورغم أن الرواية تُحلِّق كالفراشة في أجواءٍ أثيرية مشحونةٍ بالأسى والترقُّب، إلا أنها لا تبتعد عن مدينة إبراهيم عبد المجيد الأثيرة: الإسكندرية، حيث تدور الأحداث كلها هناك، وتحديدًا في الهانوفيل بمنطقة العجمي، حيث تحول المكان إلى قفر موحش، مهجور، بعد أن انتشرت مياه المجاري والمياه الجوفية في كل مكان، وأغرقت الفِيلل وصدَّعت جدرانها، فهجرها أصحابها، وفرُّوا إلى مناطق أخرى أكثر شبابًا ونظافة.

وهذا المعنى تؤكد عليه الرواية منذ أول سطورها:

«تساءل سائق سيارة الإسعاف:

- ألا يوجد هنا سكان؟»

وبهذه البداية، يهيئ القارئ نفسه لمواجهة حالة استثنائية، ولا يُخيِّب الكاتب الكبير ظنَّه؛ إذ يأخذه معه بنعومةٍ إلى عالم فذٍّ، وقصةٍ شجية، أبدع «عبد المجيد» في غزلها، وتماهى معها حتى باتت أشبه بسيمفونية عذبة، عبقرية، لكنها شجية، مؤلمة.

ومن هنا أخذت الرواية اسمها: «أداجيو»: (إنه يسمع «أداجيو» البينوني. تعشقه ريم. عرف ذلك وهو يحضر معها إحدى حفلات الأوبرا في نابولي ورآها وهي جواره تغيب عنه. تكاد دمعة تنفجر من عينها. قالت له بعد الحفل لم يشتهر تومازو البينوني إلا متأخرًا رغم أن باخ تأثر ببعض أعماله. مضت عشر سنوات على تلك الليلة ولا ينسى. آلات الفيولين تعزف مرثية الوداع. لماذا لا يبتعد عنه هذا «الأداجيو» الجميل القاتل الآن؟)

وليس هذا هو الظهور الوحيد لـ «الأداجيو»، فقد ظهر مرة أخرى، وأخيرة، مُرسِّخًا الشعور بالأسى والفراق، وتحقُّق الانتقال: (تنهَّد سامر وهو يشعر بروحه ترتفع عنه إلى الفضاء. بشيء يرفعه إلى أعلى. «أداجيو» البينوني. اختاروه وحدهم كأنهم يعرفون ما يريده. كأنهم يعرفون كيف استمع إليه من قبل في فضاء الفيلَّا).

هكذا تتسرَّب الموسيقى الشجية بين حروف الكلمات، منذ بدء هذه التراجيديا الناعمة في فيلَّا «سامر» في الهانوفيل، وحتى تركها خلفه تحاكيه مأساته، وتنتحب بصوتٍ مُربك.

وهذه الموسيقى المتسرِّبة إلى شرايين الرواية، تنساب بتلقائية وطبيعية، تمامًا كالدماء التي تسري في العروق؛ فبطلة الرواية هي الفنانة الشهيرة «ريم»، العازفة الأولى في الأوبرا المصرية، وزوجها «سامر» رجل أعمال مشهور، تخصَّص في صناعة الأثاث المشغول بطريقة فنية، وكأنه يصنع لوحات خشبية تُبهر مَن يراها، أي إنه فنان أيضًا، ليس في الأثاث فحسب، وإنما في الإلمام بالعزف على البيانو مثل ريم، وثالثتهما فنانة كذلك، هي «غادة»، التي تأخذ مكان «ريم» كعازفة أولى في الأوبرا، وتحاول أن تشغل مساحتها الشاغرة في قلب «سامر» أيضًا، بعد أن تغيب «ريم» في غيبوبة الموت، بعد إصابتها بمرض السرطان.

وهكذا تمضي الأحداث، كلحنٍ موسيقي آسرٍ، ينفث المتعة الممزوجة بالأسى في نفوس سامعيه، قد تنتابه لحظات بهجة، وتعلو في جنباته أصوات ضحكات، لكنه يستمر في صعود سُلَّمه الموسيقي، والالتزام بنوتته الموسيقية الصارمة، متجهًا إلى لحظة الختام الحتمية.

تلك اللحظة التي يترقبها «سامر» وينتظرها بيقين صارم، لكن هذا اليقين لا يمنعه من التمسُّك بالأمل، والثقة في قوة زوجته وحبيبته التي غابت فجأة روحها، تاركة له جسدها المنهك الذي يُذيبه المرض، وجمالها الفذ الذي يتآكل بمرور الوقت.. لكنه رغم ذلك لا يرى سواها، ولا يعشق غيرها، ولا يتمسَّك إلا بها، باستثناء لحظات ضعف إنساني، يهرب فيها من نفسه، ومنها، ومن معاناته وآلامه، إلى متعةٍ عابرةٍ، يسعى من خلالها إلى الهروب من واقعه المؤلم.

وفي الفيلَّا المهجورة، حيث المياه تطارده باستمرار من تحت الأرض، وحيث الشتاء القاسي والمطر والرعد والبرق، يقرِّر «سامر» أن يبقى مع حبيبته الغائبة عن الوعي، بعد أن يخبر الجميع بأنه سيأخذها إلى أورُبا لاستكمال علاجها هناك، بينما يتَّجه إلى الفيلَّا المهجورة، حيث يهب نفسه لخدمتها، واثقًا من قدرتها على المقاومة، والصمود، والتمسُّك بالبقاء إلى جواره، طامعًا في أن يستجيب الله لرغبته هو وحبيبته في التلاقي من جديد، موقنًا بأن الله سيردها إليه مرة أخرى، وأن وجوده معها بعيدًا عن الناس هو الذي يُبقي عليها ويحميها من الرحيل: ( لم يرد سامر. ماذا يقول له؟ كيف له أن يدرك معنى أنه يريد أن يكون مع حبيبته لأن وجوده معها يمنع موتها أو يؤجله! هل سيفهم السائق ذلك؟ هل سيفهمه أحد؟ هي تشعر به فتصدر بين الحين والحين صوت استغاثة حتى لو لم يسمعه هو، تعلن به بقاءها، وأنها لا تريد أن تفارقه أيضًا كما لا يريد أن يفارقها. ماذا سيفعل الله أمام المحبين إلا الاستجابة!)، وبهذه الرغبة في البقاء، يظل «سامر» مصاحبًا لزوجته الحبيبة «ريم» في الفيلَّا المهجورة، مستعيدًا كل اللحظات المبهجة التي قضاها معها منذ زواجهما وحتى اللحظات الأخيرة ليقظتها قبل أن تغوص في متاهات الغيبوبة، متمسكًا بالأمل في عودتها إليه من جديد، دون أن يفقد يقينه لحظة واحدة.

 إضاءة:

                                                                      إبراهيم عبد المجيد

صاحب ثلاثية الإسكندرية، و«هنا القاهرة»، و«في كل أسبوع يوم جمعة»، و«عتبات البهجة»، و«في الصيف السابع والستين»، و«ليلة العشق والدم»، و«البلدة الأخرى»، وغيرها من الروايات والقصص البديعة.

تُرجمت كثير من أعماله إلى عدة لغات أجنبية، وحصل على جوائز عديدة منها: الجائزة الأولى في القصة القصيرة من نادي القصة بالإسكندرية 1969، وجائزة نجيب محفوظ في الرواية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1996، وجائزة الدولة للتفوق في الآداب 2004، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 2008، وجائزة ساويرس في الرواية لكبار الكتاب 2011.


  • 2

   نشر في 26 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا