رسائل من المنفى (5) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسائل من المنفى (5)

إلى أمي في كل حين ومنها إلى كل أمهات العالم ...

  نشر في 06 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 مارس 2019 .

" كتفكِ شرفتي إلى العالم ...

لا تكون مُشرعةً إلا عند عناقك

مضى زمن طويل والشرفة مغلقة"

" ندى ناصر"


إلى ♡ فاطمة بت عبدالرافع ـــ أمي ــــ يجدها بخير .

كل الذين عبّروا عن حِسهم في مارس مُتَهمُون بأنهم يُراءون بحبهم لأمهاتهم ومُتَهمون حد النخاع بأنهم يُهملون إحساسهم تجاههن أو فلنقل مؤجلين ذلك الحِس لشهر مارس فقط،إلا أنا أقولها بالفخر الذي رضّعتنيه منذ كنت صغيراً لم أجاريهم،فأنا أكتب إليكِ كل يومِ وأرسل بصورةٍ متقطعة والدليل أن هذه هي الرسالة الخامسة من السلسلة،مجبراً حوّرت المقدمة التي إخترتها من خواطر الكاتبة في الأعلى،لا يهمك كل ذلك،الأهم أنني عدت أكتب إليك من جديد،بشوقٍ أكبر من الذي مضى،قُبيل أن أبدأ كيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟

أسأل ويُهمني جداً أن أعرف ذلك،أسأل ليس كعامة البشر؛يسألون عن الحال كجزءٍ من التحية،أسأل حتى لا أرتكب حماقة كل مَرة؛بأن آخذ النصيب الأكبر من الحكي،دون أن أستمع إليك....

أكتب إليكِ من منفاي الإختياري،وأعلم أنكِ الوحيدة التي لن تقرأي هذة الكلمات،من دونهم جميعاً...

لا يشئ يُقال في واقع الأمر،فقط أكتب لأتأكد من أنني ما زلت قادراً على التعبير،أو بالأحرى لأثبت لنفسي أن حواسي ما زالت تعمل،ثمة عوالم هنا لن يتخيلها أحد،ربما أنك تتوقعين أنّي أتحدث عن عالمٍ إفتراضي،لا يا أمي أحدثك عن واقع،واقع نعيشه يومياً؛هنا النساء يبكين يومياً يومياً لأسباب نجهلها جميعاً،هنا الأطفال على الدوام جائعون،هم كذلك باكون دائماً،في المستشفيات يبكون،في صالات الأفراح،في الموانئ في صالات الوصول وصالات المغادرة في المطارات يبكون،في كل مكان حتى خِلت أنها مدينة الدموع،أشُك أنها المدينة الباكية التي لم يسمع عنها أحد....

مُعدِيةٌ هذه البلدة،أعترف لكِ بحزني،بضعفي،إني - يا أمي - غارقٌ في أحزاني،أفسدتني هذه البلدة؛أنتِ التي علمتني طول عمرك أن الرجال لا ينبغي أن يبكون،لكنها أفسدتني؛علمتني البكاء... كيف لا أبكي؟

مَن ينقذني ِمن أوهامي؟ مَن ينجدني من الليل حين يهاجمني والذاكرة بالماضي وأوهام الآتي؟

مَن ينقذني مِن أوجاعي؟ مَن يخفف عني؟

مَن يجد لي العُذر في الدموع التي أصبحت لا تستأذن؟ تسِّح بسبب و بلا سبب؛ تفعل مِن فرط تعودها...

هل تذكرين _ يا أمي _ حكاياتك القديمة؟ عن الغول وفاطمة السمحة ...

كلها هنا واقع؛ نعم حقيقة،خرافتي ووهمي الطفولي القديم ذاك الذي كنت تضحكين عنه؛ السلم الذي نصعد به إلى السماء والذي ندخل به إلى باطن الأرض ذلك كله هنا حقيقة.....

الأماكن كلها دونك لا لون لها،الأشياء لا طعم لها،لا معنى للحياة دونك _ حفظك الله _ أنت التي تمنحين الحياة لونها وطعمها وأشكالها المتنوعة ...

يؤسفني أن أوصف لك فداحة هذا العالم،وأرجو أن تعذريني على بشاعة الصورة؛تعلمين لا أحد غيرك يسمعني،ومن حسن حظي أن وجهك يلازمني كالملاك الحارس...

لا تصدقيهم يا أمي إن قالوا لك توجد هنا ألذ مأكولات العالم ... إنهم يكذبون!!!

وربي يكذبون؛فهم لم يتذوقوا الطعام على يديك لذلك أعذري جهلهم،لم أتذوق أطعم من ما أعدته يداك؛بل أستغرب أن يكون هناك من يضاهيك؛أي طباخ ذاك الذي يملك سحراً قادر على تحويل الخضار واللحوم والدقيق إلى أشياء شهية ولذيذة كالتي أطعمتنيها؟

لا تصدقيهم إن تحدثوا عن حزنهم، وهم لم يجربوا للفراق ألم، لا تصدقي همهماتهم تلك والحزن لم يستوطنهم،عن أي لوعةٍ يحدثونك وهم لم يفهموا عن ألم الواقع شيئاً،الواقع الذي تعرفينه،أن نختار منفانا أو أن نجبر عليه؟

حدثيني عن لياليك السابقة؟

اخبريني عن الحياة،عن الناس،حفلات الزواج،المآتم ...عن اي شئ؛تعرفين أن حكاياتك تستهويني ...وأن صوتك (وطن) يمنحني الأمان،أقترح على الدولة أن تسجله في التراث العالمي،أن تدخله الإرث القومي،أن يسجلوه وأنت تنطقين (ياولدي) ويُسمعونها للمشردين ،لليتامى، صوتك (حضن) دافئ في الشتاء ،هدهدة في عِز السهاد يسمِعُونه لكل الذين يحتاجون لأمِ،كلمة كهذه منك فقط تكفيهم ...

حدثيني عن الصباحات،هل ما زالت مشرقة بوجهك؟ أم أنها قد تشبعت منك ضوءاً...

عن المساءات؟

هل مازالت هادئة؟ أم أن رقص القمر على إيقاع خطواتك قد ملأها ضجيجاً؟

هل مازالت شجرة الأراك تأخذ أكسجينها من زفيرك؟

أنت هنا معي في كل لحظة،في صوت (صديق أحمد حمدون) حين يتلوا القرءان،في نبرة البروف (عبدالله الطيب) حين يشرح معاني الإعجاز في القرءان،معي حين يغني(ترباس) أمي الله يسلمك...

معي في أدق التفاصيل ...

حين تضيق ملابسي،وحين تكبر عني الأخرى...

حين أرتدى النظيفة،وقت أن أخلع المتسخة،وحدك من يعرف كل التفاصيل ويهتم بها...

أتذكرك وأنت التي قوّمتي أحلامي فوق ركام المستحيل و أقمتيها قصراً رائعاً؛وحدك من غسل قلبي بقلبك الطاهر ....

أكتب إليكِ _ يا أمي _ اكتب حروف صماء،غير قادرة على ان تصرخ في وجه العالم معبرة عن حبي،حروف عاجزة على ان تقطع نصف المسافة التي قطعتيها إلي؛فقط نصف المسافة غير قادرة على المطالبة بوقف حد لكل بعاد...

سأقول لك سراً اليوم ...

كل العبارات التي قيلت عن الأم حفظتها ...منذ سنين الدراسة الأولى،حين أخبرونا عن الهادي آدم قوله :

هي شمعة ولهى تذوب ...لكي أرى خطوي وفي رقصاتها أتقدم ...

حين كبرت قرأتها في ختام رسالة أحدهم إلى أمه في يومٍ كهذا :

" لا أملك سوى حروف بالية،مهترئة،هزيلة... أنسجها عقداً فريداً ... وأضعها أمام عتبة باب بيتك العتيق وأتوارى خجلاً ووجلاً في إنتظار المغفرة"

حفظت كل جميل عن الأم،لا لأكتبه لكِ ولكن لأن كل جميل يذكرني بك...

أكتب إليك عاجزاً،لا أدري ما الذي أفعله بالضبط؟

فقد شرفني الله أن أكون إبنك...

وشرَفاً...

إكتفيتُ بك حبيبةً دون نساء العالمين ❤


  • 3

   نشر في 06 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا