يوميات كاتب في مركز المعلومات ( أول أيام العمل) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات كاتب في مركز المعلومات ( أول أيام العمل)

  نشر في 13 أبريل 2017 .

الحلقة 3

بعد جلوسهم بدقائق و تعارفهم على السيدة ادريسية و السيد عادل ، بدأ زملاء العمل في الوفود على مركز المعلومات ، فجاء السيد حسن عامر ثم السيد عادل الرئيس ، و كان السيد حسن عامر رجلا في الخامسة و الثلاثين من عمره إذا لم يخنه حدثه ، غزا الشيب بعضا من سواد شعره ، تشي هيئته و شاربه الرقيق على أصوله الأمازيغية ، و كان شخصا صموتا أو هكذا بدا له في البداية ، اما السيد الرئيس فكان إلى الطفولة أقرب ، لم يكن من السهل عليه تخمين سنه ، فقد كان يبدو شابا في الخامسة و العشرين من عمره ، كان بلحية سوداء و نظارات طبية ، و ابتسامة ودودة تدل على شخص طيب جدا !

كان الترقب هو الإحساس السائد في قلبه ، و الجو حتى و إن شابه بعض من الترقب و الحذر أحسه عائليا ، حيث كان السيد عمر مهران ، يحاول أن يخفف من وطأة اليوم الأول بتقديمهم إلى الزملاء الأخر ، و خلق جو من الدعابة جميل ..

كانت الأمر على العموم تشي بكل جميل ، على الرغم من أنه كان كفارسي في سوق العرب ، و لم يفهم و يفقه أبدا ما كان زملاؤه يفعلون ، و لا فحوى المكلمات التي يتلقونها من أجل حل مشاكل الشركة ، إلا أن الجو العام الذي كان يخيم على مركز المكالمات كان يشي بكل شيء جميل !

كان السيد ملاحي شخصا مميزا حقا ، أحس به شخصا يحب السيطرة ، من خلال تعامله الأول من المحيط الجديد ، حتى في طريقة تعارفه مع الآخرين ، كانت الأنا حاضرة بقوة .

بعد تعارف بسيط، و جلوس لدقائق في مركز المعلومات، أحضر السيد مهران أوراقا مطبوعة عبارة عن جدول عمل للأسبوعين الأولين من تاريخ دخولهم الفعلي للعمل في الشركة، و كان الجدول عبارة عن تداريب و مداخل من أجل تسهيل البداية الفعلية في التعامل مع مشاكل الشركة المعلوماتية !

دعا السيد مهران الثلاثة الجدد إلى قاعة للمحاضرات، توجد في الطابق الرابع .

في الطابق الرابع كان عليهم أن يقطعوا مسافة بسيطة للإلتحاق بقاعة المحاضرات ، و كانت هناك مساحة شاسعة مخصصة لمراكز الإتصال المتعددة التي تشتغل لفائدة الكثير من الزبناء في مجال الإتصال و التأمين ، و الأبناك ، رمقهم و انتابته حسرة في قلبه ،ربنما كان ذلك بسبب ما سمعه عما يقع في هذه المراكز من ضغط و توتر يؤدي بصاحبه إلى معاقرة الأدوية و عيادة أطباء الأعصاب ، ربما هكذا كان الأمر ..

في غرفة المحاضرات و التي شغلت مساحة صغيرة نسبيا ، كانت طاولة تتوسط القاعة ، بكراس شبه وثيرة على الجوانب و صبورة بيضاء مثبثة على الحائط المقابل و جهاز تلفاز .

استلقى يعقوب على كرسي ، قابله السيد ملاحي ، و السيد حجة بعد أن سلمهم السيد عمر كراسات فارغة من أجل التدوين ، و زجاجات ماء بلاستيكية .

و كان اليوم مخصصا أكثر للجانب النظري منه إلى الجانب التطبيقي ، و كان يعقوب يحاول أن يتابع ما يشرحه السيد عمر مهران قدر جهده ، و كان الأمر صعبا ، فشخص كان أدبي التوجه ، و كاتب ، كان من الصعب عليه جدا أن يفهم ما يقوله ، و كان يطرح السؤال تلو السؤال عن كل ما صعب عليه استيعابه ، بعكس زميليه الذين كان أحدهما قد درس المعلوميات فعلا في ألمانيا ، فكان يمتلك الكثير من المعلومات حول هذا المجال ، و كان الآخر بحكم مناصبه المتعددة التي شغلها في حياته على دراية لا بأس بها من الأشياء التي كان السيد مهران يشرحها ، و لكنه لم يكُ ليستسلم لإحساس الإحباط بسهولة هكذا ، فواعد نفسه ، بأخذ ما شرحه السيد عمر ، و الذهاب به إلى البيت ، و مراجعته و البحث في الأنترنت عما استشكل عليه !

انقضت الساعات الثلاث التي كانت مخصصة للجانب النظري ذلك اليوم ، و استأذنهم السيد عمر في الذهاب إلى الغذاء .. في طريقهم إلى المصعد ، شرح لهم السيد عمر عن قوانين العمل ، و أنهم يتمتعون يوميا بساعة من أجل الغذاء، و لكن الأمر سيختلف هذين الأسبوعين و من أجل ذلك سيكون في حوزتهم هم الثلاثة ساعة و نصف يلتقون بعدها في مركز المعلومات من أجل أن يقضوا الوقت المتبقي من اليوم في مشاهدة ما يفعله زملاؤهم في العمل .

حين نزولهم إلى الطابق الأرضي كان السيد عمر و بدون مقدمات ، يشرح لهم كل السبل التي يمكن أن تؤدي بهم إلى محلات الأكل في المنطقة ، فشرح لهم أن المطاعم هناك تختلف بحسب اختلاف جودة الأكل و طعمه ، و أوصاهم بزيارة محلين ، الأول متخصص في طويجنات القريدس ، و الثاني متخصص في المأكولات الجاهزة بصفة عامة ، شكروه على النصائح ، و استأذن هو إلى حال سبيله ، حيث سيعرف فيما بعد أن يقطن قريبا من مقر العمل ، و أن لديه الوقت الكافي لتناول الطعام في المنزل و أخذ قسط كاف من الراحة قبل العودة مجددا ..

استأذن السيد ملاحي ، حيث آثر أن يذهب إلى أحد المحلبات القريبة من أجل أكل شيئ بسيط ، و اقترح يعقوب على السيد عز الدين أن يذهبا إلى أحد المطاعم القريبة من أجل تناول وجبة الغذاء ..

وافق السيد عز الدين بسرور ، و ذهبا معا ، يجرهما بطنيهما إلى ناحية أكل تمنيا أن يكون لذيذا..

في الجهة المقابلة من الشارع ، و في زقاق متفرع ، سارا لمسافة قريبة ، فرمقا محلا لبيع المأكولات المطبوخة كما لو أنها طبخت في البيت ، و كان المحل عبارة عن مقر تجاري أبعد ما يكون عن الترتيب الذي سيغري الزبناء بالوفود عليه ، و لكنه لاحظ أن الكثير من العاملين في مراكز الإتصال القريبة يرتادونه .. لم يكُ في الحقيقة من هواة الأكل في الشارع ، كان يحضر غذاءه معه ، و لكنه من وقت لآخر يجرب أكل الشارع .. في الجانب القريب

داخل المحل ، وقفت سيدة هي إلى منتصف الأربعين أقرب ، سواد بشرتها أقرب إلى بياضه ، لفت شعرها بمنديل ، مكتنزة ، ذكرته أول ما ذكرته بالسيدة التي تظهر من حين لآخر في سلسلة توم و جيري ، و في الحقيقة لم تكن هذه المقارنة عنصرية ، على الأقل داخل قلبه ، لم ينو أن يسخر منها أو من لون بشرتها ، و لكن تلك المرأة كانت بحق تبين عن قدرة في التسيير ، أمامها اصطفت أوان مليئة بمأكولات دلت رائحتها على طعمها و لذتها من بعيد ، اشتملت قائمة ذلك اليوم على لحم مطبوخ و خضر ، و دجاج مطبوخ بمرق و بطاطس مقلية ، و كريات لحم السردين المفروم ..

ما رأيك ؟ ماذا نختار ، قال يعقوب مخاطبا السيد عز الدين الذي بدا شاردا في ما أمامه من أكل

ـ في الحقيقة يا صديقي ، أنا أخاف جدا من تناول الأكل خارج المنزل ، معدتي واهنة ، و أقل شيئ يمكن أن يؤذيها ، و لكن إذا كان و لا بد ، فأنا أفضل كريات السردين !

ـ حسن جميل جدا ، أما أنا فلا يروق لي ما طلبت ، أعتقد أنني سأتناول طبقا من لحم الدجاج مع البطاطس المقلية !

ـ هل هذا كل ما تريدانه ؟ قالت السيدة ..

ـ نعم سيدتي .. شكرا لك !

ـ ألا تريدان شرب شيء ما ؟

ـ كلا .. أجابا معا في آن واحد ..

ـ حسن اختارا مكانا للجلوس ..

كان المكان غاصا بالزبناء .. فالمحل احتل موقعا استراتيجيا قريبا من مراكز الإتصال و الأبناك ، و هؤلاء جلهم كانوا يسرحون موظفيهم في نفس الساعة من أجل استراحة الغذاء ..

ـ أين تفضل أن نجلس ، قال يعقوب

ـ فلنلس خارجا ..

ـ فكرة جيدة ..

على الرصيف القريب من المحل ، اصطفت أربع طاولات بلاستيكية بكراس يظلهم قماش بلاستيكي مدلى ، و كانا محظوظين بوجود واحدة فارغة وكان شهر أغسطس حارا . الطعام كانت تقوم على تقديمه للزبائن فتاتان ، يظهر من الشبه الكبير في الملامح و اللون أنهما على قرابة عائلية مع صاحبة المحل ..

أتت فتاة بطلبيهما ، كان الأكل فعلا لذيذا ، و انقطع الحوار أثناءه ، ذلك الذي كان يدور بين يعقوب و عز الدين قبل وصوله ، مزيدا في تعارفهما ..

بعد الإنتهاء من الأكل و غسل أيديهما في مغسل صغير داخل المحل .. ارتأيا أن يتمشيا قليلا في تلك المنطقة ، خاصة و أن كان بحوزتهما وقت ليس بالقصير قبل أن يعودا إلى مقر العمل ، دفعا سومة الأكل التي لم تك غالية ، و كانت تشجع على زيارة هذا المقر مرة أخرى .

سارا بين الأزقة و الدروب ، حتى اقتربا من مقر الشركة ، كانت أشعة الظهيرة بالإضافة إلى الطعام اللذيذ الذي تناوله ، تفعل فعلها في عيني يعقوب الذي اعتاد على نصف ساعة قيلولة يوميا ، و لكنه الآن سيضطر للإستغناء تدريجيا عن هذه العادة اللذيذة ، من أجل أنه ما من مكان لممارستها أولا ، و لأنه جديد في العمل ثانيا فيجب عليه الإنضباط ..

في مدخل الشركة ، التقيا السيد ملاحي الذي أتى للتو من المحلبة القريبة ، و صعدوا إلى الطابق الخامس ، و لأنهم كانوا يتوفرون على بعض وقت من الوقت المعطى لهم ، ذهبوا إلى الفناء الخارجي للطابق و الذي يوجد في الناحية الغربية من المبنى ، و الذي تعرفوا فيه أول مرة على قاعة الإستراحة .. قاعة لا بأس بمساحتها ، حوت طاولات و كراس من أجل تناول الأكل ، و موزع مأكولات أوتوماتيكي ، و تلفاز كبير مثبث في الحائط ، جلسوا على كراس اصطفت في الفناء الخارجي ، و كان هذا الأخير الملاذ الوحيد في المبنى بالنسبة للمدخنين من الجنسين ، فكان أن آذته رائحة التبغ المحترق ، أما السيد عز الدين ، فكان مدخنا ، و استغل الفرصة لتدخين سيجارة أو سيجارتين ..

بعد انتهاء فترة استراحتهم ، التحق الثلاثة ، بمركز المعلومات في الشركة ، و الذي ينفصل عن المساحات المخصصة لمراكز الإتصال ، فكان أن احتل مكانا بين المكاتب الإدارية.. حين الدخول ، رمق يعقوب وجها جديدا ، هو السيد يونس عجوز .. كان السيد يونس شابا في مثل عمرهم هو و عز الدين ، أدهم البشرة ، توحي قسمات وجهه أنه من أصول جنوب المغرب .. سلموا عليه ، و علم فيما بعد أنه يشتغل بمنصب قائد المجموعة ، مباشرة أسفل إمرة السيد مهران ..

إلى جانب السيد يونس ، كان السيد سعد الازمي و السيد بدر الدين شاكر ، وجهان جديدان لم يتعرف عليهم صباحا ، كان السيد سعد ، كالطفل الصغير .. يدل مظهره على صغر سنه ، و لم يخطئ يعقوب التقدير ، فقد كان من مواليد التسعينات ، شخص بشوش ، ذو ضحكة جميلة ، و لحية تميل إلى الطول يشبه إلى حد بعيد أهل المشرق .. و السيد بدر الدين ، دلت بنيته الجسمانية على شخص رياضي ، بلحية قصيرة ، و عضلات شبه مفتولة ، كان شخصا لطيفا ، على الأقل خلال تعامله الأول معهم . و على العموم كان أعضاء مركز المعلومات ، في غاية اللطف بشكل عام ، أحس بينهم أول الأمر بألفة ، تمنى أن تطول ..

خلال الساعات القليلة التي تبقت من اليوم ، كان عليهم أن يجلسوا بقرب أحد زملائهم من أجل أن يروا كيف يتم العمل تطبيقا ، اختاروا في ذلك اليوم أن يجلسوا بقرب السيد عادل الرئيس ، الذي رحب بهم ، ووضح لهم في البداية أشياء ، دونها في كراسته ، حتى أنه علم فيما بينه و بين نفسه ، أن التطبيق أيسر مقارنة بالجانب النظري ، و أن الأمر و إن صعب في أول الأمر ، سيكون يسيرا ، إذا أراد إتقانه ..

انتهى اليوم الأول من تجربته في عمله الجديد .. خرج من المبنى بعد أن ودع زملاءه في العمل ، و اختار أن يترجل ماشيا قاصدا بيت والديه ، فقد كان الزقت يميل إلى الغروب ، مع شمس ناعسة و نسيم منعش ، اتصلت به زوجته ، مستفسرة عن أول أيام عمله ، فطمأنها خيرا ، و قص عليها بعضا مما حواه يومه ، و ذهب يقصد بيت والده ، يجره الأمل ، و كثير من أحلام ، سيسعى بيما بينه و بين نفسه إلى تحقيقها ، و التشبث بها حد العناد .. و كانت الطريق إلى بيت والديه حبيبة لديه ، و إنه ليكاد يجزم أنها تحفظه و تحفظ خطواته و لعبه و لهوه عن ظهر قلب .. كان يحس بها تفرح لقدومه ، و مروره على ظهرها .. لم يكُ له أن يستطيع .. أن ينهي علاقته الودية مع محيط شارع بوركون و شارع المعاريف الذان شهدا طفولته و شبابه ، و تمدرسه عبر مرور السنين 



   نشر في 13 أبريل 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا